العنوان هيئة الأمم المتحدة في خدمة الدول الكبرى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يناير-1980
مشاهدات 84
نشر في العدد 467
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 29-يناير-1980
كانت نشرات الأخبار في جميع إذاعات العالم تذيع أنباء الزحف الروسي البشع على أفغانستان، فقال لي رجل لا أعرفه كان يشتري التايم الأميركية من إحدى المكتبات:
لا شك أن الأمم المتحدة ستجبر الروس على الرجوع فالأمم المتحدة أسست للحفاظ على استقلال دول العالم أجمع.
وقبل أن أجيب هذا الرجل بل قبل أن أحاول اقتناص كلمة من الذاكرة السياسية أجيب بها أردف يقول:
- إذا أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرارًا بدعم من أميركا يقضي بانسحاب الروس فإن الروس سينسحبون وهم صاغرون.
- ومجلس الأمن بإمكانه أن يفعل كل ما تريده أميركا.
- وإذا استخدم الروس الفيتو «حق النقض» فإن الجمعية العامة ستجبر الروس على الانسحاب.
- عجبت من أمر هذا الرجل وآثرت أن أدعه دون أن أضيع الوقت معه وتأملت ببني البشر من أمثال هذا المسكين أن تعويلهم في الشدائد ينصب على «هيئة الأمم المتحدة» و«الولايات المتحدة الأميركية» -عجيب.
ودار الأسبوع الأول على الغزو الروسي وتبعه الأسبوع الثاني ثم الثالث ولكن.
- ماذا فعلت هيئة الأمم المتحدة؟
- وماذا فعل مجلس الأمن؟
- وماذا فعلت الجمعية العامة؟
ماذا .. ماذا ..؟
بل ماذا فعلت أميركا بالذات؟ وأسئلة أخرى كثيرة قادتني في النهاية إلى البحث في موضوع المنظمات الدولية ومنظمة الأمم المتحدة بالذات.
جذور تاريخية:
وهنا لابد من الإجابة عن سؤال أساسي نستطيع بعده أن نعرف الحقيقة الواضحة لدور الأمم المتحدة ومؤسساتها مما يدور في هذا العالم من أحداث والسؤال هو؟
لماذا أنشئت هيئة الأمم المتحدة؟
تعود فكرة تأسيس هذه المنظمة الدولية إلى الحرب العالمية الأولى، فقد وجدت بعض القيادات الدولية التي كانت تتنافس على تركة العثمانيين في العالم العربي والإسلامي أن تنافسها الذي كان واحدًا من أسباب قيام الحرب العالمية الأولى يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الدمار بين القوى التي كانت تستحوذ على العالم آنذاك، ولاسيما أنهم كانوا يدركون بأن اليهود الذين لعبوا دورًا كبيرًا في إيصال العالم إلى حافة الهلاك ولابد أن يمارسوا أدوارًا أخرى مشابهة إذا لم تتحقق مطالبهم من تلك الأمم وإزاء هذين العاملين «التنافس الدولي - الوجود اليهودي» وقف قادة العالم الأوربي «وهو العالم القوي آنذاك» على شيئين:
الأول: ضرورة وجود هيئة عليا ضابطة تحفظ لكل فريق من الفرقاء الأوربيين حقوقه في ممارسة سيطرته على أجزاء محدودة من هذا العالم وفق خارطة مرسومة لكل فريق.
الثاني: ضرورة تبني ما يسمى بالمشكلة اليهودية ووضع حل لها بإيجاد الوطن القومي لليهود على خارطة من الواقع الجغرافي لأن اليهود مازالوا حتى نهاية الحرب الأولى في وضع يؤهلهم لإشعال الحرب بين الأوربيين أنفسهم مرة ثانية ومن أجل هذا صارت مسألة حل المشكلة اليهودية بدافع تفادي المشاكل التي يسببونها للأمم.
- فكان أن شكلت هيئة دولية اشترك فيها الروس والفرنسيون والإنكليز والأميركان حتى إذا مضت العشرينات من هذا القرن تطور هذا الوجود الدولي إلى هيئة لها أهداف مرسومة وبرنامج عملي متفق عليه وكانت فيما بعد هيئة جديدة اقتصرت عضويتها على الدول الاستعمارية في بداية تأسيسها وسميت بعصبة الأمم.
عصبة الأمم بين الأهداف اليهودية والدوافع الاستعمارية:
كان اليهود طيلة العقود الثلاثة التي سبقت الحرب العالمية الأولى يبحثون عن صيغة دولية يجرون إليها المجتمعات والحكومات الدولية بهدف ربطهم بما يحقق الهدف اليهودي الذي أسفر عنه المؤتمر اليهودي الأول في «بال» عام ۱۸۹۷ والذي كان يرأسه اليهودي المشهور «هرتزل» فقد تضمن برنامجه على المستوى الدولي:
- إيجاد الوطن الذي يحوي الكياناليهودي في فلسطين.
- ضرب القوة الإسلامية التي تسيطر على القسم الأكبر من العالم القديم.
- ربط الحكومات الدولية بما يشبه التكتل الدولي للإفادة من التكتلات المتضاربة فيما يخدم المصلحة اليهودية.
- إيجاد حكومة العالم اليهودية.
- قسم العالم إلى معسكرين أساسيين تتم السيطرة من خلالهما على العالم الآخر.
- الوصول إلى الأهداف الدينية التي تحقق مقولة شعب الله المختار.
وعلى أساس هذه الأهداف وضع اليهود برامج عشرية معروفة للقفز كل عشر سنوات نحو هدف يحقق الاستراتيجية اليهودية في العالم .
ونظرة عجلى إلى تلك الأهداف نجد أن اليهودية قد حققت الجانب الأكبر من استراتيجيتها في العالم حيث إنها عملت على إيجاد الوطن المستقل في فلسطين ونالت اعترافًا دوليًا بذلك وتمكنت من ضرب القوة الإسلامية في العالم القديم ونجحت في ربط الحكومات بتكتلات دولية وأفادت من تضاربها بما نجد مع المصلحة اليهودية ومن ثم قسمت العالم إلى معسكرين لتتم السيطرة من خلالها على بقية أجزاء العالم ونهب خيراته.
أما البداية لهذا التغلغل العالمي عند اليهود فكان:
1- من خلال عصبة الأمم.
۲- بواسطة استراتيجية المصالح وتوزيعها على كل الدول الكبرى «الإنكليز - الفرنسيين - الروس - الألمان» فيما بين الحربين العالميتين.
3- السيطرة على الإدارات العليا في حكومات الدول الكبرى عن طريق:
«الأجهزة الماسونية - التوجه الكنيسي الصليبي الذي كان كثيرًا ما يفيد مما يقدمه اليهود من برامج - محافل اللقاء اليهودي المسيحي في أوربا -التغلغل المباشر في الإدارات العليا وإشراك اليهود في الحكم في بعض الأحوال».
4- إشعال الفتن بين الأمم والتسرب من خلال الفتن لتوجيه القيادات الدولية بما يخدم مصالح اليهود.
وكثيرة هي الطرق التي تسرب منها اليهود لتوجيه السياسة الدولية منذ أن عقد مؤتمرهم في مدينة بال بسويسرا عام ۱۸۹۷.
ومن يراجع بروتوكولات حكماء صهيون يقف على الحقيقة التطبيقية التي توصل إليها اليهود بالنسبة لما كانوا ينظرونه منذ أن نادى بهم زعيم «هرتزل» في مؤتمرهم الأول.
لكن هل بقي اليهود عند هذه الحدود؟ الجواب لا فالتاريخ يشهد بأنهم هم الذين أشعلوا الفتنة التي أدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية.
وهو يشهد أيضًا أن اليهود أول من نادوا بإیجاد هيئة الأمم المتحدة لفض المشكلات الدولية.
ولما كانت تلك المشكلات قائمة أساسًا على المزاحمة الاستعمارية، فقد جاءت هيئة الأمم لتنظم المزاحمة الدولية على نقاط الهيمنة الدولية بغية إبعاد الدول الكبرى عن الصدام أو بالأحرى تأجيل صداماتها إلى أن يتم تحقيق البرامج اليهودية من خلال:
1- سلام الأمم الكبرى فيما بينها.
٢- الهيئة الدولية التي تضفي بشرعيتها على القسائم التي تتوزعها الدول الطامعة بالعالم فيما بينها.
وفعلا فإن مسلسلات هيئة الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها كرست كثيرًا من المبادئ الاستعمارية.
و بمراجعة ملفات الهيئة الدولية للأمم المتحدة يقف المرء على هذين البندين اللذين نفذ الاستعمار من خلالهما بغطاء من الشرعية الدولية إلى غزو الدول الضعيفة في أنحاء العالم وهما:
- الأول: الحماية:
وبعيدًا عن التفسير اللغوي للفظ -الحماية- دلت سلوكيات الدول الكبرى على أن اصطلاح -حماية- يحمل معنى استعماريًّا واضحًا بحيث يمكن للمرء أن يقول:
«إن المحميات البريطانية أو المستعمرات البريطانية لافرق في ذلك إنما هي الدول التي ارتبطت مع بريطانيا بمعاهدة تسمح للإنكليز بالتمركز العسكري تحت اسم حماية هذه الدول من الغير على أن يكون لبريطانيا حق استغلال الثروات الاقتصادية الموجودة في تلك الدول لصالح الشعبين «الحامي – والمحمي» أي «الناهب - والمنهوب» ومن ثم تصبح العلاقة بين الدولتين علاقة استعمارية بشكل كامل علاقة تقوم على نهب ثروات الأمم الضعيفة لصالح الدول المستعمرة وتحت بند الحماية دخلت كل من بريطانيا وفرنسا الأراضي العربية باحتلالات عسكرية تكاد تكون متشابهة وذلك بغطاء شرعي من مؤسسات هيئة الأمم التي بنت تشريعاتها وقوانينها وبروتوكولاتها على أساس من بروتوكولات عصبة الأمم فيما بين الحربين الكونيتين.
الثاني:حق النقض الفيتو:
وهو بند يعطي الدول الكبرى فقط حق الاعتراض على أي قرار لا يوافق سياستها، ولو كان ذلك مخالفًا لمواقف سائر الأمم في العالم.
وهذا يعني أمورًا كثيرة منها:
- أن هيئة الأمم المتحدة أوجدت في الأصل لإنقاذ مصالح الدول الكبرى في العالم وفق شرعية دولية منظمة.
- وهيئة الأمم المتحدة تخضع لمبدأ التوازن الدولي في اقتسام المستعمرات قديمًا ومناطق النفوذ الدولية في العصر الحديث.
- التغطية على البرامج اليهودية في التوسع ومد الاستراتيجية الصهيونية في مختلف مراكز هذا العالم وإداراته.
ولا أدل على ذلك من موقف الهيئة الدولية من الوجود اليهودي في فلسطين منذ عام ١٩٤٨ وحتى نهاية عقد السبعينيات ولانحسب أنه بالأمر الجديد.
ولعل القارئ العزيز يتحسس ما تقدمه هيئة الأمم المتحدة وكافة فروعها من خدمات دولية للدول الكبرى التي تفعل ما تريد في هذا العالم ثم تستخدم حقها المشروع في رفض إرادة العالم أجمع وإضفاء الشرعية على أعمالها.
- ومسلسل القضية الفلسطينية ومن ثم الأراضي العربية المختلفة التي شاهدشاخص على ذلك.
- وموقف مجلس الأمن والهيئة الدولية من الأزمة الأميركية -الإيرانية شاهد آخر على ما نقول على ذلك أيضًا.
- وموقف الأمم المتحدة الهزيل من أفغانستان والزحف الروسي الشيوعي يدلعلى ذلك أيضًا.
ترى هل ستبقى الدول العربية والإسلامية تخدع نفسها باللجوء إلى هيئة الأمم المتحدة.
إنني من هنا أدعو كافة حكومات الدول الإسلامية لإعادة النظر في مواقفها من هذه المنظمة التي أنشئت أساسًا لتغطية البرامج اليهودية -والاستعمارية الأخرى وبذلك نستطيع أن نقول:
«إن الأمم المتحدة وجميع فروعها ومنظماتها ليست سوى ألعوبة بأيدي الدول الكبرى وبالتالي ما على الأمم الإسلامية إلا أن تنفض عن نفسها أوهام الأمم المتحدة وتخرصاتها وتبني نفسها بما تمليه عليها مصالحها التي تقرها الشريعة السمحة.
وبعد هذا يكون الاحتكام إلى الأمم المتحدة هو الاحتكام للشيطان نفسه.