; هندسة التأثير .. تعلم مهارة التفكير | مجلة المجتمع

العنوان هندسة التأثير .. تعلم مهارة التفكير

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 05-أغسطس-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1713

نشر في الصفحة 54

السبت 05-أغسطس-2006


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

لقد كرم الله تعالى الإنسان بالعقل، ورفع به قدره، وميزه على من سواه من المخلوقات، ووصف الذين لا يستخدمونه بالدواب، بل شر من الدواب فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون* وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (الأنفال:22)

ودعا الله تعالى إلى إعمال العقل والتفكر في آيات الله تعالى التي لا حد لها ولا حصر فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (آل عمران:191).

ولقد عظم الإسلام التفكير، وأعلى من شأن أصحابه، ويكفي للتدليل على ذلك، النظر إلى عدد الآيات التي ورد فيها إعمال العقل والدعوة إلى التفكير والتدبر والتبصر والتفقه والتذكر، فقد دعا القرآن الكريم إلى التفكير في (١٦) آية، وإلى التبصر في (١٤٨) آية، وإلى النظر (بمعنى التأمل والتفكير) في (۱۲۹) آية، وإلى التذكر في (٢٦٩) آية، وإلى التدبر في (٤) آيات، وإلى الاعتبار في (۷) آيات، وإلى التفقه في (٢٠) آية.

والإنسان عندما يولد تولد معه أكثر من مائة مليار خلية عصبية ( خلايا التفكير)، وبعد سنوات قليلة نجد أن أكثر من ( ۹۰٪) من هذه الخلايا يصاب بالخمول والضمور والاضمحلال، والسبب في ذلك إهمال رياضة التفكير، وعدم القيام بالتدريبات اللازمة للإبقاء على حيويته ونشاطه بل وعلى تطويره.

ومن المعلوم أن الدماغ لا يزن سوى (۲%) من وزن الجسم، غير أنه يستهلك (۲۰%) من طاقة الجسم ومن الأكسجين، كما أنه يستهلك (۱۹۸) جالونًا من الدم يوميًا، وذلك عن طريق شريان يخرج من القلب ليذهب مباشرة إلى الدماغ، كل ذلك يدل على أهمية الدور الذي يلعبه الدماغ بالنسبة لباقي أعضاء الجسم.

ويبدأ الدماغ منذ الولادة في البحث عن المعرفة والتكيف مع نمط الحياة التي يعيشها الطفل، فإن عاش في بيئة محفزة وآمنة ومعلمة ومشجعة للمبادرات وموفرة للأدوات والوسائل التفكيرية فإن الخلايا العصبية «النيورونات» تنشط والارتباطات العصبونية تنمو والقدرة على التفكير تزداد.

أما إذا عاش الطفل في بيئة غير آمنة ولا محفزة أو في بيئة مقيدة للحرية والحركة، رافضة للمبادرة والتجربة في بيئة محرومة من الوسائل والأدوات المساعدة على تعلم التفكير، فإن الخلايا العصبية تزداد خمولًا، والارتباطات العصبونية تضمر، والقدرة على التفكير تتراجع.

إن تعلم التفكير أصبح اليوم علمًا يدرس ويكتسب، ولم يعد طلاسم لا تستطيع التعرف على أوله من آخره، بل أصبح تعلمه ضرورة لا يستغنى عنها من يريد أن يصنع الحياة، ويكون رقمًا صعب فيها، ولذا قامت فنزويلا قبل سنوات بتدريب أكثر من مائة ألف مدرس على كيفية تعليم مهارات التفكير، وهؤلاء المدرسون يباشرون الآن تدريس الطلبة على برنامج متكامل حول مهارات التفكير بمعدل ساعتين أسبوعيًا، كما أن هذا البرنامج يدرس اليوم في العديد من المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وغيرهما من الدول.

إن الاهتمام بالطفل منذ نعومة أظفاره وتربيته على مهارة التفكير لهو أمر مهم جدًا، وقد أثبتت الدراسات والتجارب أن كثيرًا من الصفات يكتسبها الإنسان من البيئة التي يتواجد فيها. وقد أخبر النبي ﷺ أن «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (روا البخاري).

وفي ذلك قال القائل:

                         وينشأ ناشئ الفتيان فينا

                      على ما كان عوده أبوه

ويقول أحمد شوقي:

                            فرب صغير قوم علموه

                                سمى فحمى المسومة العراب

                          فكان لأهله خيرًا ونفعًا

                                ولو تركوه كـان أذى وعــــــاب

                       فعلم ما استطعت لعل جيلًا

سيأتي يحدث العجب العجاب إن الغالبية العظمى من الأطفال في العالم يتربون على أسلوب تربوي تعليمي واحد، وهو الأسلوب التلقيني الذي. إن اكتفينا به فإنه يحد من الخيال ولا يرفع من مستوى التفكير، وهذا الأسلوب يعيشه للأسف معظم الأطفال في بيوتهم مع آبائهم وفي مدارسهم مع مدرسيهم.

لقد آن الأوان أن يتم اعتماد أساليب تربوية تسمو بالخيال وتفجر القدرات العقلية والإبداعية عند صغار السن حتى إذا ما كبروا أصبحوا قادة التفكير وأساتذة التغيير وأساطين التطوير فالتفكير في الصغر كالنقش في الحجر ثابت أصيل لا يتبدل ولا يزول.

 

الرابط المختصر :