العنوان هندسة التأثير.. ماذا؟ ولماذا؟
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005
مشاهدات 78
نشر في العدد 1655
نشر في الصفحة 58
السبت 11-يونيو-2005
ما الذي نريده من هندسة التأثير؟ ولماذا هذا الموضوع من الأهمية بمكان، ولا يمكن للعقلاء الاستغناء عنه؟
هندسة التأثير هي أن يكون لك دور ريادي في هذه الحياة.. هي أن تكون فاعلاً في حركة الحياة وقيادة المستقبل.. هي أن تكون شيئًا نافعًا في دنيا الناس... هي أن تضيف شيئًا حديثًا إلى هذه الحياة، إذ من لم يزد شيئًا في الدنيا فهو زائد عليها. نريد من هندسة الحياة وصناعة التأثير أن تكون رقمًا صعبًا لا يستهان به، وألا يكون حالك كحال من ذكرهم القائل حين قال:
ويُقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يُستأذنون وهم شهود
ونريد من هندسة الحياة أن تكون قائدًا تقود الآخرين وتؤثر فيهم وتكون لهم إمامًا في الخير، تأسيًّا بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حين وصفه الله تعالى فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120) واستجابة لدعاء المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: ٧٤). وأخيرًا... نريد من هندسة الحياة وصناعة التأثير أن تترك بصماتك في هذا الكون، وأن تخلف لك أثرًا وذكرًا عطرًا جميلاً ينفعك في الدنيا والآخرة، إذ لكل إنسان وجود وأثر، ووجوده لا يغني عن أثره، ولكن أثره يدل على قيمة وجوده.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
فاصنع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «١٢٠» شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ «١٢١» وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ «١٢٢»﴾ (النحل:120-122). فقد وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بخمس صفات في هذه الآيات تشير إلى رفعة شأنه وعلو منزلته: أولاها: أنه ﴿كان أمة﴾، أي يعدل أمة كاملة في صفات الخير والإحسان، كأنه جمع الفضائل والمحاسن التي تجتمع في الاسم.
وثانيها: أنه كان ﴿قانتًا لله﴾، وثالثها: أنه كان ﴿حنيفًا﴾ غير مشرك بالله، ورابعها أنه كان شاكراً لأنعمه، أما الخامسة فهي اصطفاؤه للنبوة والرسالة ﴿اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم «١٢١»﴾ أي اختاره الله لخلته واصطفاه لنبوته وهداه إلى طريق الحق دين الإسلام، وبمقابل هذه الصفات العالية الرفيعة التي اتصف بها الخليل إبراهيم عليه أفضل الصلاة والتسليم، جعل الله له المحبة في قلوب العباد، وأبقى له الذكر الحسن والمقام الرفيع في العالمين ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
يقول أحمد شوقي: وآثار الرجال إذا تناهت إلى التاريخ خير الحاكمينا
لماذا ندعو أنفسنا إلى هندسة الحياة وصناعة التأثير؟ وما الذي يدعونا للمطالبة بأن يكون الإنسان رقمًا صعبًا وقائدًا فذًا رغم أن هذا المطلب له تبعاته وضريبته؟ إن الذي يدعونا لذلك هو ما يلي:
١. استجابة لأمر الله تعالى الذي يريد من المؤمنين ألا يكونوا عالة على غيرهم، والذي يأمرهم بالعمل والاجتهاد حيث يقول تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥). ويقول تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (المائدة: ٤٨).
وفي هذا يقول القائل:اعزم وكد فإن مضيت فلا تقف واصبر وثابر فالنجاح محقق
ليس الموفق من تواتيه المنى لكن من رزق الثبات موفق
٢- لأن القائد المؤثر إن كان مخلصًا لله تعالى أعظم درجة وأجل منزلة عند الله تعالى من الذي اكتفى بنفسه واشتغل بعبادته ولم يلتفت إلى غيره. يقول إبراهيم بن سعيد الجوهري: قلت لأبي أسامة: أيهما أفضل الفضيل بن عياض أم أبو إسحاق الفزاري؟ فقال: كان فضيل رجل نفسه، وكان أبو إسحاق رجل عامة. وسئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فقيل له: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ قال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلمين وهذا أفضل. ويقول الإمام شمس الدين الذهبي: فالقادة الأعلام.. يوم من أيام أحدهم أكبر من عمر آحاد من الناس.
وصدق المتنبي حينما قال:وكيف لا يحسد امرؤ علم هامة له على كل قدم
٣. لعمارة الدنيا بما هو خير لها، وذلك بقيادة الإصلاح فيها وليس بالانغماس في ملذاتها وشهواتها. وفي هذا يقول الله تعالى موجهًا نبيه داود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: ٢٦). وصدق سيد قطب -رحمه الله- حينما قال: فبهؤلاء القادة تجري سنة الله في تحقيق منهج الله لتنفض ركام الجاهلية عن الفطرة، فهم قدر الله لإعلاء كلمته وتسلم منهجه الزمام.
٤. لتحقيق الذات، وهو من طبائع الفطر لدى البشر، فكل إنسان يود أن يكون شيئًا له قيمته ووزنه بين الناس، فإذا كان ذلك وفق ما يحب الله ويرضاه ووفق ما ينفع البشر ويحقق لهم خيري الدنيا والآخرة، فيكون الإنسان قد حقق ذاته، وأرضى ربه ونفع أمته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل