العنوان هندسة التأثير.. رُبَّ ضارةٍ نافعة
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 24-مارس-2007
مشاهدات 142
نشر في العدد 1744
نشر في الصفحة 60
السبت 24-مارس-2007
كم من الأمور تبدو وكأنها ليست في صالح الإنسان، ولكن تظهر الأيام خلاف ذلك، لذا فإن اللبيب هو الذي يستثمر كل شيء ويستفيد من كل حدث ويغتنم كل فرصة.
وقد أعطانا القرآن الكريم مثالًا عمليًا في ذلك، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١٦).
ولعل من الأمور التي يكرهها كثير من الناس ويعتقدون أن فيها إساءة ومن ورائها ضرر هو النقد والمعارضة والمخالفة، وهذا اعتقاد خاطئ وفهم سقيم، بل فيه خطورة على صاحبه، ولو فكر هذا الانسان مليا لتبين له خلاف ما اعتقده ولربما تذكر المثل المشهور رُبَّ ضارةٍ نافعة ...
لقد أجريت العديد من الدراسات والتجارب لدراسة أهمية المعارضة والنقد فكانت النتائج تؤكد الأثر الإيجابي للمعارضة.
أجريت إحدى هذه التجارب في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ جيء بمجموعتين ثم طلب من أحد الرجال أن يمارس دور المعارض والناقد، ثم ضم هذا الرجل إلى المجموعة الأولى، وبعد عدة شهور درست القرارات التي اتخذتها المجموعتان، فوجد أن قرارات المجموعة الأولى (والتي تضم الرجل المعارض) هي أفضل بكثير من القرارات التي اتخذتها المجموعة الثانية.
كررت التجربة مرة أخرى ولكن بعد وضع العنصر المعارض في المجموعة الثانية وبعد عدة شهور وجدوا أن القرارات التي اتخذتها المجموعة الثانية (والتي تضم الرجل المعارض) هي أفضل بكثير من القرارات التي اتخذتها المجموعة الأولى.
ان في المعارضة الواعية المؤدية خيرًا كثيرًا، ففيها إثراء للنقاش، وتمحيص للأفكار وتبيان لإيجابيات وسلبيات كل رأي. كما أنها تساعد على عدم الانسياق العاطفي وراء رأي واحد.
يروى أن رئيس شركة جنرال موتورز كان في اجتماع فطرح موضوع للنقاش، فأجمع الجميع على رأي واحد، فقال للمجتمعين نظرًا لأننا اتفقنا على رأي واحد فإننا نؤجل اتخاذ القرار إلى الاجتماع المقبل، فلما كان الاجتماع التالي طرح الموضوع مرة أخرى للنقاش، فلما تم سبر أغوار الموضوع ومناقشته من كل جوانبه مال كثير من المجتمعين إلى رأي مخالف للرأي الذي أجمعوا عليه في الاجتماع الأول!!
إنني أعجب من مواقف بعض الدول والأنظمة التي تقمع الحريات، وتصادر الرأي الآخر، وتشوه الديمقراطية، وتزور كلمة الشعب، وكأنها لا تريد أن تسمع كلمة فوق كلمة الزعيم، ولا رأيًا يخالف رأيه، ولسان حالها ما قاله فرعون لقومه، كما قص القرآن: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: ٢٩)، أو ما قاله لهم أيضًا كما نص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨).
إن بعض الناس لا تتسع صدورهم للمعارضين، بل يوضع الفرد المعارض أو الناقد في القائمة السوداء، لذا تكثر المشكلات بين الرؤساء والمرؤوسين، في حين أن المطلوب من الرئيس أن يستفيد من كل رأي مخالف ويوظفه لصالحه ولصالح قيمه ومبادئه وقراراته.
إن المعارضة لا تعني إساءة الأدب واستخدام المصطلحات البذيئة والألفاظ النابية، فحسن الخلق من الإيمان وهو مطلوب من المعارض، ولكن مع هذا لا يجوز للفرد أن يلتفت إلى أسلوب الطرح والمعارضة فقط ويهمل جوهرها بحجة أن الأسلوب لم يكن مناسبًا.
[1] المشرف العام على موقع اسلام تايم الإلكتروني