العنوان هندسة التأثير: دع الآخرين ينقذون ماء وجوههم
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2007
مشاهدات 75
نشر في العدد 1778
نشر في الصفحة 59
السبت 24-نوفمبر-2007
نعني بأن تدع الآخرين ينقذون ماء وجوههم فإنه أمر مهم في حياة البشر، ونقصد بها أن تترك للآخرين الفرصة لرد اعتبارهم، وأن لا تحصرهم في زاوية ضيقة حرجة، وأن لا تتسبب في إذلالهم وإحراجهم بين الناس، فلا يستطيع أحدهم الرجوع عن موقفه الذي اتخذه لأنه سيكون ذلك على حساب كرامته ومنزلته بين الناس، ولا أحد من العقلاء الذين يحترمون أنفسهم يقبلون بذلك.
لذا ينبغي لمن يريد أن يكسب مودة الناس أن يترك لهم فرصة لإنقاذ ماء وجوههم، ليشعروا بالراحة وليقدموا تنازلاتهم برضى واطمئنان، وإذا لم يفعل الإنسان ذلك مع الآخرين فإنهم سيلجؤون إلى العناد والتشدد والخصومة والتحدي ولن يقبلوا التعامل مع أولئك الذين يتسببون في إذلالهم وإحراجهم، بل ربما يصل الأمر عند بعضهم إلى تبني سياسة (عليَّ وعلى أعدائي).
لقد مارست أمريكا في تعاملها مع العراق في أثناء حرب الخليج الثانية هذا النوع من الإذلال فكانت توجه كلاماً قاسياً مذلاً للعراق، فيه إلزام وإكراه، مما جعل العراق يصر على موقفه في احتلال الكويت.
إن التعرض للآخرين في كرامتهم وعزتهم أمر خطير لا يقبله كثير من الناس مهما تكن النتيجة، وقديماً كان عنترة يقول:
حكم سيوفك في رقــاب العذَّل *** وإذا نزلت بدار ذل فارحــل
وإذا الجبان نهاك يوم كريهة *** خوفاً عليك من ازدحام الجحفل
فاعص مقالته ولا تحفل بها *** واقدم إذا حق اللقــا في الأول
واختر لنفسك منزلًا تعلو به *** أو مت كريمًا تحت ظل القسطل
فالموت لا ينجيك من آفاته *** حصن ولو شيدته بالجنــدل
موت الفتى في عزة خير لــه *** من أن يبيت أسير طرف أكحــل
لا تسقني ماء الحياة بذلــة *** بل فاسقني بالعز كأس الحنـظـل
ماء الحياة بذلة كجــهنم *** وجهنم بالــعز أطيب منزل
وكان عمرو بن كلثوم يقول:
ألا لا يجهلن أحد علينــا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينــا
ورغم أهمية هذه القاعدة، وضرورة أن يسعى المرء لتحقيقها عند تعامله مع الآخرين حتى لا يعين الشيطان عليهم فيؤجج في نفوسهم نار التعصب والعناد، أقول رغم أهمية ذلك، إلا أنه ينبغي أن نذكر أنفسنا وإخواننا المسلمين، لا سيما الدعاة منهم، أن يكونوا وقافين عند الحق، يذلون أنفسهم له، همهم أن ينقذوا ماء وجوههم بين يدي الله تعالى حتى لو سالت مياه وجوههم أنهاراً في سبيل دينهم والحق الذين يدعون إليه، ولا يكونوا كمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ (البقرة: 206).
يروى أن يهودياً وقف عند باب هارون الرشيد أياماً فلم يجبه هارون، فلما خرج هارون ذات يوم من بيته سعى إليه اليهودي، وقال: يا أمير المؤمنين اتق الله فنزل هارون من على دابته وخر لله ساجداً، ثم رفع رأسه فقال لليهودي: ما حاجتك، فذكر اليهودي حاجته فقضاها هارون فلما انصرف اليهودي قال بعض الناس لهارون سجدت لكلام يهودي؟ فقال هارون: لا والله ولكنه لما قال اتق الله تذكرت قول الله تعالى، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ (البقرة: 206)، فسجدت لله تعالى.
ويروى أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه منع بعض العطايا عن المسلمين، فصعد المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقام أبو مسلم الخولاني فقال: لا سمع ولا طاعة يا معاوية، فقال معاوية: ولمَ يا أبا مسلم؟ فقال: لم تمنع العطايا عن المسلمين وإنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك؟ فغضب معاوية، ولكنه كان وقافاً عند حدود الله فقال للناس، مكانكم، ثم ذهب فاغتسل، فلما ذهب عنه الغضب رجع إلى الناس فقال لهم: صدق أبو مسلم إنه ليس من كدي ولا من كد أبي ولا من كد أمي هلموا إلى عطاياكم.
[1] المشرف العام على موقع إسلام تايم الإلكتروني.