العنوان هندسة التأثير: الفُحش شرٌ كله
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1945
نشر في الصفحة 60
السبت 26-مارس-2011
قلوب الناس لا تميل إلى من يكثر الشتم والسباب، بل تخشى معاشرة هذا الصنف من البشر مخافة أن يصيبها شيء من بذاءة لسانه، فتتعامل معه بتكلف شديد، وكل علاقة بنيت على التكلف فهي علاقة لا خير فيها.
فالسباب واللعان والقول الفاحش له أضرار كثيرة، إذ فيه إيذاء للمسبوب، وإيغار للصدور، وقطع للعلاقات والمودات، وزرع لبذور الفتنة والشقاق، وخدش للمروءة يقول الإمام الشافعي(يرحمه الله):
إذا المرء لا يلقــــاك إلا تكلفًــــــــا
فدعـــــــــــــه ولا تكثر علـــــــــــــيه التأسفـــــا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة
وفي القلب صفو للحبيب ولو جفا
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:«إياكم والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش» (رواه النسائي والحاكم وصححه).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول اللهﷺ:«ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». (رواه الترمذي بإسناد صحيح).
ونهى رسول الله ﷺ عن سب الأموات لما يحدثه ذلك من إيذاء للأحياء، فنهى أن يسب قتلى بدر من المشركين، فقال: «لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون، وتؤذون الأحياء، ألا إن البذاء لؤم» (رواه ابن أبي الدنيا ورجاله ثقات).
وروى الإمام النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلًا وقع في أب للعباس كان في الجاهلية فلطمه، فقال الرسول ﷺ:«لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا».
وقال إبراهيم بن ميسرة:«يقال: يؤتى بالفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف كلب».
وقال الأحنف بن قيس:«ألا أخبركم بأدوا الداء: اللسان البذيء والخلق الدنيء».
وروى أحمد والطبراني بإسناد جيد، أن أعرابيًا قال الرسول الله ﷺ: أوصني، فقال الرسول ﷺ:«عليك بتقوى الله، وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء فيه يكن وباله عليه وأجره لك، ولا تسبن شيئًا» قال الأعرابي: فما سببت شيئًا بعده.
وعن ابن مسعودt قال: قال رسول الله ﷺ:«سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر» (متفق عليه).
والذي يرمي مسلمًا بشيء لم يكن فيه ارتد عليه، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك» (أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللهﷺ:«من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه»، قالوا: يا رسول الله كيف يسب الرجل والديه؟ قال:«يسب أبا الرجل فيسب الآخر أباه»(متفق عليه).
إن فحش القول في حقيقته هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع، وما يتعلق به. إن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة، وأهل الصلاح يتحاشون عنها، بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز، فيذكرون ما يقاربها ويتعلق بها .
قال ابن عباس t:«إن الله حيي كريم يعفو ويكنو كَنَّى باللمس عن الجماع، فالمسيس واللمس والدخول والصحبة كنايات عن الوقاع وليست بفاحشة».
وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها، ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير، وهذه العبارات متفاوتة في الفحش، وبعضها أفحش من بعض، وربما اختلف ذلك بحسب عادة البلاد.
وهذه العبارات قد تختص بالوقاع والجماع وقد تختص بأمور أخرى كقضاء الحاجة (البول والتغوط... إلخ)، فهذه ألفاظ فاحشة قد يستخدمها بعض الناس للشتم والسباب، ولذلك فإن الأولى بذي اللسان العفيف أن يستبدل هذه الألفاظ بلفظ أكثر تهذيبا كلفظ «قضاء الحاجة».
إن كل ما يخفى يُستحيا منه، لذا لا يليق أن يذكر بألفاظه الصريحة وإنما يكنى عنه بألفاظ أخرى. ومن ذلك الكناية عن النساء، فالأجمل ألا يقال: قالت زوجتي كذا، وإنما يقال(مثلًا) قالت: أم الأولاد، فالتلطف في هذه الألفاظ محمود.
وكذلك من به عيوب يستحيي منها فلا يحسن أن يعبر عنها بصريح لفظها كالبرص والقرع والبواسير. قال العلاء بن هارون: كان عمر بن عبد العزيز يتحفظ في منطقه: فخرج تحت إبطه خراج، فأتيناه نسأله لنرى ما يقول، فقلنا من أين خرج؟ فقال: من باطن اليد.
إن الباعث على الفحش إما قصد الإيذاء، وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل الفحش واللؤم الذين من عادتهم السباب واللعان، وهما سببان كافيان لقطع علاقات المرء بالمجتمع والناس من حوله ومن ثم يفقد أي تأثير يمكن أن يحدثه في الآخرين، أو أي إصلاح يمكنه من قيادة المجتمع نحو الخير الذي ينشده.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل