; همسات في أذن امرأة مسلمة: في غرفة المدرسات | مجلة المجتمع

العنوان همسات في أذن امرأة مسلمة: في غرفة المدرسات

الكاتب ثناء أبو صالح

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1988

مشاهدات 81

نشر في العدد 880

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 30-أغسطس-1988

فتحت باب غرفة المدرسات بعنف ووقفت كجلمود صخر هناك، وصاحت.. أجل صاحت: هيا يا مدرسات إلى فصولكن.

رفعت بصري إليها والدهشة تملؤه، وأغرقت من بجانبي في الضحك بصوت مسموع.. ثم مالت عليَّ هامسة: هكذا هي دائمًا «حضرة الصول أبو خشبة».

ثم جمعت دفاترها وانطلقت إلى حصتها لا مبالية.

أما هي فانتظرت حتى غادرت المدرسات إلى فصولهن، ثم التفتت إليَّ -وأنا لا زلت في دهشتي أرقبها- واستفهمت: أعندك حصة؟

هززت رأسي نافية، فما عدت قادرة على الكلام..

وخرجت لتغلق الباب بعنف كما فتحته.

التفت إلى من بقي من المدرسات معي وسألت: أهي هكذا دائمًا؟

وسارعن: نعم.. دائمًا هكذا.

- لم؟ ما السبب؟!

علقت إحداهن وكانت مدرسة للتربية الإسلامية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: 101).

قلت: وما الذي يمكن أن يسوءني لو عرفت سبب تصرفها بهذه الغلظة؟

هزت كتفيها وقالت: جربي ذلك «وذنبك على جنبك» وانتبهي، فلسان حضرة الصول لا يعرف الرحمة!

وارتفعت الضحكات ساخرة.

كنت حديثة عهد بالمدرسة لم يمض على تعييني فيها أكثر من أسبوعين، خلالهما لاحظت جفاء وغلظة المراقبة المعنية بالدوام والحصص.. ومعاملتها للجميع دون استثناء وبخشونة، وحاولت أن أستشف السبب دون سؤال مباشر صريح، فما توصلت إلى شيء.. كل ما سمعته كان تعليقات ساخرة هازئة.

- هذه؟ إنها معقدة وتحاول فك عقدها هنا..

- ما صدقت نفسها معلمة ابتدائي وعينوها مراقبة في المتوسط.

- لا تحاولي معرفة السبب، ولكن لا.. جربي وسنحظى بفصل آخر ممتع نتسلى به حتى آخر العام..

- يا ستي كل ما في الأمر أنها متزوجة من شخص صاحب مقام رفيع وتظن نفسها «رفيعة هانم».. ضحك صاخب.. وأخرى تعلق: «لا، ثخينة هانم».

وأزعجتني التعليقات، فما عدت إلى إثارة الموضوع مرة أخرى، واحتملت تصرفاتها خصوصًا وأنها لم توجه لي يومًا شيئًا مباشرًا أو خاصًّا.

حتى كان اليوم، فوجدت أن الأمر لم يعد يحتمل السكوت وقررت محادثتها، وبت أترقب الفرصة السانحة.

وأتتني الفرصة سريعًا.. فقد عادت بعد أيام تسألني عن إحدى الطالبات، وكعادتها دخلت مباشرة في الموضوع وبجفاء، ورفعت الزميلات أبصارهن إلينا معًا.. يترقبن ماذا أفعل.

أمسكت بذراعها وقلت بلطف: أعندك ما يمنع أن نتحدث خارجًا؟

أجابت بسرعة: لماذا؟ أعطيني ما عندك و«خلصيني».

قلت بإصرار وأنا أضغط على ذراعها: لا.. أمر هذه الطالبة يهمني وسأحادثك على انفراد.

شدت يدها مني بحركة ضجر، وتأففت وهي تستدير خارجة، وأنا وراءها.. وضحكات الزميلات ترن في سمعي.

ما أن جاوزنا الباب حتى هتفت: تفضلي.. ماذا تريدين؟

قلت: أسمعت يومًا قوله صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»؟

ودهشت.. أقسم لقد دهشت حين وجدتها تبتسم فورًا.. وأساريرها كلها تتبدل.. نظراتها القاسية غدت ناعمة لطيفة.. قسمات وجهها مستها عصا سحرية.. فبدت للناظرين أحلى ما تكون.

قلت مشجعة -وأنا ما زلت أتوقع سخريتها وجفاءها لكثرة ما سمعت عنها-: هكذا.. «الله يرضى عليك».. هكذا أستطيع الآن أن أحادثك.

وازدادت دهشتي حين وجدتها تغرق في الضحك حتى اغرورقت عيناها بالدموع.. ثم أمسكت بذراعي وقادتني إلى جوارها وهي تقول مغالبة ضحكها ودموعها: هيا إلى غرفتي.. هيا..

ودخلت غرفتها، وأسرعت تفتح ثلاجة صغيرة لتقدم لي كأسًا من الشراب البارد، وأزداد دهشة على دهشة..

قالت مبتسمة: أتعرفين يا عزيزتي هذه أول مرة.

قاطعتها قائلة: تضحكين؟!

عبست قليلًا وأكملت: لا.. هذه أول مرة أجد فيها من تظهر ضيقها بصراحة ووضوح.

قلت متعجبة: ولكن الجميع يظهرن ضيقهن!

سألت: مم يتضايقن؟

قلت: أو تسألين؟ من معاملتك الجافة لهن.

قالت وهي تسترخي في مقعد إلى جواري: هؤلاء يا عزيزتي لا ينفع معهن إلا ما رأيت، أنت ما زلت حديثة عهد عندنا ولا تعرفيهن جيدًا.

- ولكن يا أختي.. الكلمة الطيبة صدقة.

- أتريدينني أن أكون طيبة القول والفعل معهن؟! لقد جربت لكنهن أسأن فهم تصرفي الطيب ذاك.. ظننه سذاجة «هبل».. «عبط» وصارت الواحدة منهن تدخل حصتها بعد مضي نصف الوقت وهي تمازحني.. تضاحكني.. تستغل طيبتي حتى لا أشعر بمرور الزمن، وتنتهي الحصة.. أهذا ما تريدين؟ طبعًا لا... لهذا صرت معهن كما ترين، فصارت كل منهن تخشى التأخر عن حصتها حتى لا تعرض نفسها لسياط لساني.

- ولكن أنت ألا يضايقك تصرفك هذا؟

- أكيد يضايقني فما اعتدت أن أكون جافة غليظة.. فطبعي ليس كذلك.. أما إن كان قصدك ما يتحدثن به عني.. «هيه.. خليها على ربك» فليقلن ما يشأن وليذهبن بسيئاتي.

سارعت إلى نفي ذلك، فقالت بجد: اسمعي يا عزيزتي، أنت الوحيدة التي ارتحت لها، لقد راقبتك هذه الفترة التي قضيتيها بيننا، لاحظت انضباطك في دوامك.. معاملتك الطيبة لطالباتك.. حرصك على مصلحتهن.. أنت نسيج مختلف عن كل الأخريات، وأنا أعرف أنك تتضايقين من سماعهن يتحدثن عني؛ ولكني فعلًا لا أهتم، يكفي أن تعرفي أنت المخلصة سبب تصرفي.. أما هن..

وحركت شفتيها حركة استهزاء.. وسمعت رنين الجرس فقمت قائلة: عن إذنك.. عندي حصة.

تهلل وجهها وقالت: أرأيت؟ ما خاب رأيي فيك، أنت إنسانة مختلفة عن غيرك.. كانت تنتهز فرصة وجودها معي و«تسرح بي» كما يقولون حتى نهاية حصتها..

هتفت دون وعي: أعوذ بالله.

ضحكت وقالت: اسمعي.. أكثر من تضايقني منهن مدرسة الدين التي ما تنفك تردد لطالباتها: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وهي لا ترى الله إطلاقًا، ولا تشعر برؤيته لها.

هتفت ثانية وقد لفني الخجل: عن إذنك.. وهرعت إلى حصتي.

الرابط المختصر :