; هل يُمنع الأزهر من المشاركة في نهضة الأمة؟؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يُمنع الأزهر من المشاركة في نهضة الأمة؟؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1994

مشاهدات 75

نشر في العدد 1113

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 23-أغسطس-1994

"الأزهر" هذه الكلمة لا يقابلها في حياة المصريين إلا كلمة "النيل"، هذا يروي الأرواح، وذلك يروي الأجساد، والاثنان منبع للحياة وسعادتها، وعند المصريين في زمننا هذا يكاد يكون الأزهر تفسيرا للأثر القائل مصر كنانة الله في أرضه، فعلماؤه على مر السنين كانوا أسهما نافذة من أسهم الله يرمي بها من أراد دينه بسوء، فيمسكها للهيبة ويرمي بها للنصر، ويجب أن يكون هذا المعنى من معانيهم في القرن 20 الذي ابتلي بملء 20 قرنا من الجرأة على الأديان وإهمالها والإلحاد فيها.

رسالة الأزهر وقوة الضمير

ولهذا يقول الرافعي – رحمه الله: "أول شيء في رسالة الأزهر في القرن العشرين، يجب أن يكون أهله قوة إلهية معدة للنصر، مهيأة للنضال مسددة للإصابة في أحسن تقدير، تشعر الناس بالاطمئنان إلى أن عملها في صحة وإيمانها في زيادة... ينبت منهم مغناطيس الرسالة، ويشع منهم أنوار النبوة تجذب النفوس بها أقوى مما تجذبه ضلالات العصر، فما يحتاج الناس في هذا الزمان إلى العالم فقط وإنما يحتاجون إلى ضمير العالم وقد عجزت المدنية أن توجد هذا الضمير، مع أن الإسلام في حقيقته ليس شيئا إلا قانون هذا الضمير "فالله لا ينظر من الإنسان إلى صورته، ولكن إلى قلبه وعمله".

منازلة الإلحاد وتجديد الإيمان

ومن أخص واجبات الأزهر في القرن 20 أن ينازل الإلحاد الغازي ويعمل على إقرار معنى الإسلام الصحيح في نفوس المسلمين، لأن أكثرهم اليوم قد أصبحوا مسلمين بالنسب لا غير، فهم في حاجة إلى تجديد إسلامهم، وتعميق إيمانهم والحكومات اليوم غير مؤهلة لذلك لأسباب كثيرة والدعاة وعلماء الأزهر اليوم هم المؤهلون، لأنهم قوانين نفسية نافذة على الناس وسلطة روحية حاكمة على الأهواء وعملهم أقدر وأنجع في مخاطبة الأمة وأقوى وأنفذ من قوانين الحكومة بل هي تصحيح لها إن جرت الأمور على غير ما يحب ربنا ويرضى، ولهذا يجب أن يكون الأزهر جريئا في قيادة الحركة الروحية الإسلامية جريئا في عمله لهذه القيادة آخذا في أسباب هذا العمل، ليجدد عمل النبوة في الشعب وينقي عمل التاريخ في الكتب، ويبطل عمل الوثنية في العادات، فالعلماء ورثة الأنبياء وليس النبي إلا تاريخ شدائد ومحن وكفاح ومجاهدة في هداية الناس وليس الرسول إلا مراغما للوجود الفاسد، ومكابدا للضلال الغامر، فهذا كله هو الذي يورث عن الأنبياء لا المناصب أو الكراسي والعطايا والهبات ولن يتأتى لهم هذا إلا إذا انقلبوا إلى طبيعتهم الصحيحة فلا يكون العلم حرفة أو مهنة ولا يكون في أوراق الكتب خيال أوراق البنكنوت بل تظهر فيهم العظمة الروحية آمرة ناهية في المادة، لا مأمورة منهية بها.

التحديات والهجمات الشرسة

والأزهر في هذه الأيام أمام امتحانات صعبة وهجمات شرسة يراد منها شن الغارة على هوية الأمة الإسلامية وإنهاب ريحها، وطمس تعاليمها، وقد استنوق كل مسؤول وتذاب كل ملحد، وتنمر كل فاسد، فهل ستنهدم الأسوار والجندي نائم وتتحطم المراكب والربان غائب أم يهب النائم، ويحضر الربان وتقتل الأفاعي، وتنحسر السموم لقد انهزمت الأمة عسكريا أمام ثلة طريدة وكنا نعجب من ذلك ونقول: هذه ليست أمتنا التي نعرف، ولكن ظهر أن قادة الانهزام وانهزمت سياسيا أمام الديكتاتوريات المباركة المغلفة منها والمفضحة، وانهزمت صناعيا وماليا أمام النهب والسفه والرعونة، واليوم يريدون لها أن تنهزم اجتماعيا وثقافيا وعقديا.

عزل الأزهر والمخططات الاستعمارية

وقد مهدوا لهذا الانهزام بعزل الأزهر عن الحياة العامة وعن المشاركة في علاج أوجاع الأمة بالإسلام، أو ريادتها بالحضارة الإسلامية، وتربيتها على منهجها ووصلها بتاريخها الزاهر وكان هذا مطلبا استعماريا نفذ بأيد عربية مسلمة، فاخترع للأزهر مخطط عجيب يقضي على فاعليته وحيويته وتأثيره في المجتمع، ويمنع رجاله وعلماءه أن يكون لهم دور في الأمة، الأمور معروفة تاريخيا وواقعيا، حيث عرف القاصي والداني أن الأمة الإسلامية لا تنهض أو تبر وتسمو إلا إذا أديرت بمفاتيح قرآنية وتقدمت برايات إيمانية، فكان لابد من تحجيم المؤسسة الفاعلة والرائدة والمعترف بها في هذا المجال وهي الأزهر، وانصب هذا التحجيم وهذا التوهين في قيود وكوابح للأزهر مع إعطاء دوره وريادته لقوى معينة، نذكر منها ما يلي:

القوانين المقيدة وتأثيرها

تلك القوانين التي نظمت عمل الأزهر والتي قلصت من الدور السياسي له في الوقت الحاضر بعد أن كان برلمانا للشعب ونقطة ارتكاز وحشد للحركات الداخلية ضد استبداد الحكام ومحاولات الغزو من الخارج، فجعلته الآن في دائرة اللاموقف تجاه العملية السياسية والحياة الشورية، كما ألغت استقلاله المالي، وحولت علماءه إلى موظفين عند الدولة وخاضعين للأرزاق بالعطاء أو المنع من تلك القوانين القانون رقم 10/1919 الذي يحظر على الأزهريين سواء كانوا طلابا أو أساتذة أو موظفين الانخراط في النشاط السياسي بالمشاركة أو الكتابة والقانون رقم 49/1930م، والذي قرر حرمان أي أزهري من شهادة العالمية إذا ما تصرف بطريقة تكشف عدم احترامه لهذا القانون سالف الذكر، وأخيرا جاء القانون رقم 102 لسنة 1961م الذي نقل حق تعيين شيخ الأزهر إلى رئيس الجمهورية كما أدخل تعديلات على دور شيخ الأزهر ومهمة المؤسسة لسلب كل اختصاص فيها.

كل ذلك ليتم الفصل بين الدين والسياسة وعزل رجال الإسلام عن العمل السياسي وإطلاق العنان لدعاة التغريب ولكن.. هل يستطيع الأزهر أن يأخذ مكانه اللائق به حين كان ترجمان الأمة وكان العلماء فيه لا يخافون في الحق لومة لائم، زمن أن باع العز بن عبد السلام الأمراء ويوم أن أصدر الشيخ عليش، والشيخ حسن العدوي والشيخ محمد أبو العلا فتوى شرعية بمروق الخديوي توفيق ورفض أوامره، وإعلان العصيان المدني قد يكون وما ذلك على الله ببعيد!!

 

الرابط المختصر :