العنوان الحصار «الخانق» بدايته.. والعدوان العسكري «المفرط» آخر مراحله.. هل ينجح «المخطط الصهيو - أمريكي» لضم غزة إلى سيناء المصرية؟!
الكاتب صلاح الصيفي
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2009
مشاهدات 50
نشر في العدد 1835
نشر في الصفحة 12
السبت 17-يناير-2009
فشل أمريكا في توطين اللاجئين الفلسطينيين في شمال العراق بعد احتلاله دفعها للتفكير بصورة جدية لإعادة توطينهم في سيناء.
جون بولتون: الحل الأمثل هو خيار الثلاث دول.. بضم غزة للإدارة المصرية والضفة الغربية للإدارة الأردنية!
الحاخام اليهودي «يونا متزغر» دعا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمساعدة في نقل سكان غزة إلى صحراء سيناء.
في ظل الحرب الضارية التي يقودها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني في غزة، والتي راح ضحيتها مئات من الشهداء في أبشع جريمة تشهدها الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.. وفي ظل صمت وشلل عربي تجاه هذه الأحداث المأساوية، ظهر على السطح مخطط أمريكي صهيوني على وشك التنفيذ للتخلص من غزة، واجتزاء مساحة من سيناء لإنشاء وطن قومي للفلسطينيين.. وهو مخطط شيطاني يعود إلى عام ١٩٥٥م، عندما ظهرت «خطة جونستون» لتوطين الفلسطينيين في سيناء، التي رفضها الفلسطينيون وخرجوا رافعين شعار «لا توطين ولا إسكان.. يا عملاء الأمريكان»، وهو ما يدل على أن هذا المخطط أمريكي في الأساس!
كان حلم الصهاينة. ولا يزال. التخلص النهائي من قطاع غزة، ورميه في البحر، كما قال رئيس الوزراء الصهيوني المقبور «إسحاق رابين»، ومن بعده «آرييل شارون»، ومستشارو الكيان الصهيوني منذ إنشائه؛ حيث يكمن أمل الصهاينة الإستراتيجي في ضم غزة إلى مصر، والتخلص من تبعات القطاع المرهقة ماليًا وعسكريًا للحكومة الصهيونية، وبترها كليًا عن أرضها الأم فلسطين، والتفرغ للضفة الغربية بإقامة دولة فلسطينية هزيلة مقطعة الأوصال لا تمتلك عناصر البقاء، وإدخالها في «كونفدرالية» سياسية مع جارتها الأردن، وبذلك يصبح الأردن وطنًا بديلًا للفلسطينيين ومسؤولًا أمنيًا واجتماعيًا عن الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى العمل على ترحيل فلسطينيي ٤٨ إلى هذا «الكيان الأردني . الفلسطيني» المشترك، والتخلص من القنبلة الديموجرافية (السكانية) التي يهددون بها يهودية الدولة الصهيونية، على حد زعمهم.
إدخال غزة إلى مصر!
هذا المخطط تكشفه العديد من الكتابات والتحليلات والتسريبات من داخل الكيان الصهيوني ومن الولايات المتحدة الأمريكية.. ففي مقال كتبه الصحفي اليهودي «مارتن كرامر» في دورية «ميدل إيست إستراتيجي» التي تصدرها جامعة «هارفارد» الأمريكية يحمل عنوان «إدخال غزة إلى مصر»، قال معلقًا على تدفق مئات الآلاف من الغزاويين على سيناء بشكل عشوائي: «إن المسؤولين الإسرائيليين في وزارتي الخارجية والدفاع كانوا سعداء بالوضع على الحدود المصرية مع قطاع غزة، وقالوا: إن خطة فك ارتباطهم بقطاع غزة بدأت بالفعل في العمل».. وأضاف: «لدي تأكيدات بأن غزة والضفة لن يتحدا، وليس هناك احتمال لهذا.. وأنه من الأفضل لإسرائيل أن تظهر من جديد فكرة تحول غزة إلى كيان مستقل»!
وتطرق «كرامر» إلى دراسة أعدها الجغرافي الأمريكي اليهودي «صاموئيل كوهين» عن توسيع غزة، وقال: «في التسعينيات من القرن الماضي تحدث عن غزة المتطورة اقتصاديًا، ويشير في ذلك إلى أن القطاع قد يجذب استثمارات ضخمة يمكن أن تحوله إلى سنغافورة أخرى؛ ولكن في الاقتراح الذي أعده في صيف ۱۹۹۱م أكد أن غزة بهذا التصور غير قابلة للحياة بدون ضم مزيد من الأراضي لها؛ معظمها من مصر»!
ويقول : «صاموئيل كوهين» ... «إن توسيع مساحة قطاع غزة بحيث تملك مقومات التحول إلى دولة صغيرة ناجحة تكون معبرًا بين دول العالم يتطلب ضم ألف كيلومتر مربع من الأراضي إليها، تعطي مصر منها ٣٠ كم بامتداد ساحل المتوسط (حوالي ۲۰۰ كم مربع) وستجعل هذه المساحة الإضافية غزة تتمتع بساحل طوله ٧٥ كم.. كما يمكن أن تمنح مصر غزة شريطًا آخر من سهول شمال سيناء يقدر بـ(۳۰۰) كم، بينما تتخلى «إسرائيل» عن مسافة ١٥٠ كم مربع من الحدود مع قطاع غزة».
ووضع «كوهين» ثلاث خطوات لإتمام تلك المقايضة:
الأولى: أن تمنح مصر السلطة الفلسطينية نحو ٥٠٠ إلى ١٠٠٠ كم مربع من شمال سيناء.
والثانية: أن يمنح الكيان الصهيوني مصر ٢٥٠ إلى ٥٠٠ كم مربع على طول حدودهما المشتركة في منطقة «باران» بجانب ممر على الطريق إلى الأردن.
والثالثة: أن تعطي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية الكيان الصهيوني المسافة نفسها التي ستتخلى عنها لمصر (٥٠٠ إلى 1000 كم مربع.
خيار.. «الثلاث دول»!
في مقال بصحيفة واشنطن بوست». تحت عنوان «خيار الثلاث دول» كتب «جون بولتون» سفير أمريكا السابق في ا الأمم المتحدة، وأحد صناع القرار الأمريكي قائلاً: «إنه من خلال المعطيات الحالية على الأرض يجب أن نتساءل لماذا ندافع عن حل القضية بوجود دولة فلسطينية إلى جانب «إسرائيل»؟! فقد ثبت أننا لن نتقدم على هذا الطريق وربما نعود إلى الوراء»!
وأكد أن الحل الأمثل هو خيار الثلاث دول؛ ممثلة في مصر والأردن والكيان الصهيوني... بضم غزة للإدارة المصرية، والضفة الغربية للإدارة الأردنية، باعتبار أن المشكلات الحالية تجري على حدود هذه الدول المتلاصقة.. واستطرد قائلًا: «لكن الدولتين العربيتين يجب أن تتلقيا دعمًا سياسيًا وماديًا من الجامعة العربية والغرب، وكذلك من الولايات المتحدة».
وبرر «بولتون» رأيه بقوله: «إن مصر لم تعد تريد تحمل مسؤولية التعامل مع حركة «حماس»، كما أنها تخشى من تطرفها، وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، مما سيزيد من خطر التطرف في الداخل، والحل الأمثل هو الوصول إلى أفضل وسيلة للتحكم في ذلك التهديد، وهذا لن يتحقق بإبقاء غزة منفصلة سياسيًا عن مصر لأنه يزيد من التهديد الواقع عليها، على حد زعمه.
وأضاف: «بدون دور أكبر لمصر، فإن غزة ربما لا تصل لتحقيق أقل معدلات الاستقرار اللازم للتنمية الاقتصادية، مشيرًا إلى أن ربط غزة بنظام اقتصادي قائم بالفعل فضلًا عن الاقتصاد الفلسطيني، أسرع طريق لتحسين أوضاع السكان فيها.
وكان الحاخام اليهودي «يونا متزغر» قد دعا بريطانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمساعدة في نقل سكان غزة إلى صحراء سيناء، وقال خلال مقابلة مع صحيفة «ذي جويش نيوز» البريطانية في ۲۸ يناير ۲۰۰۸م: «يجب نقل الفقراء من سكان غزة إلى بلد جميل وعصري تتوافر فيه القطارات والحافلات والسيارات، كما هو الحال في ولاية أريزونا الأمريكية.. إننا الآن في عصر يمكن فيه بناء مدن في الصحراء، وهذا سيكون حلًا للفقراء؛ إذ سيكون لهم بلدهم، كما سيكون لنا بلدنا، وسنستطيع العيش بسلام»!
مراحل المخطط
المتابع لمجريات الأحداث في غزة خلال الأعوام الأخيرة يجد أن هذا المخطط الصهيوني الشيطاني قد مر بعدة مراحل وقد بدأت ملامحه تظهر حينما أعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني الهالك «إسحاق رابين» حينما رأى الموت يطال جنوده المعتدين ومستوطنيه الغاصبين في غزة قائلًا: «أتمنى لو أصحو من نومي فأجد غزة قد ابتلعها البحر».. وهذه المراحل هي:
المرحلة الأولى: بدأت بعد انسحاب الكيان الصهيوني من قطاع غزة قبل عامين ونصف العام، وتفكيك مغتصباته (المستوطنات)، الذي جاء كأولى الخطوات التمهيدية للبدء بتنفيذ المخطط الصهيوني المركزي تمهيدًا لعزل القطاع عن جسده الأم «فلسطين»؛ حيث فرض الصهاينة حصارًا خانقًا عليه، متزامنا مع حرب إرهابية من الجو والبحر والبر.
المرحلة الثانية: جاءت بعد تحقيق الصهاينة هدفهم الأول، بالتمهيد لزرع الفتنة بين حركتي «حماس»، و«فتح». وبحسب وثيقة رسمية لجهاز الاستخبارات الصهيوني (الموساد) نشرت في عدد من وسائل الإعلام، فإن استدراج حركة «حماس» للانخراط في مؤسسات «أوسلو»؛ عبر المشاركة في الانتخابات والحياة السياسية يُعد من أهم إنجازات سلطات الاحتلال الصهيوني ل«تدجين» أكثر فصائل المقاومة تأثيرًا وممانعة!
المرحلة الثالثة: تحققت في قيام الصهاينة بزرع الفتن بين كل من «فتح» و«حماس»، مما دفعهم إلى الاقتتال الذي نتج عنه قيام كيانين فلسطينيين منعزلين أرضًا وحكومة وشعبًا فأصبحت الضفة الغربية «فتحاوية»، بينما أصبحت غزة «حمساوية». ومن هنا تحولت دفة الصراع ووجهت البنادق الفلسطينية إلى صدور أبناء الشعب الفلسطيني..
واتخذ الصهاينة مختلف الخطوات اللازمة لتأجيج الصراع، وإشعال الفتن وخنق «حماس» سياسيًا؛ من خلال عزلها عن محيطها، وزج نوابها ورجالاتها في السجون، ودعم قيادات السلطة وحكومة فياض... وأعلنت حكومتان فلسطينيتان تديران كيانين منفصلين يقبعان تحت نير وحراب الاحتلال في غزة والضفة الغربية.. فشرخت فلسطين أرضًا وشعبًا.
المرحلة الرابعة: وتمثل ساعة الصفر وجني الثمار الصهيونية، حيث خلق الصهاينة واقعًا على الأرض فرض على أهل قطاع غزة أن يكسروا الجدران ويقتحموا الحدود مع شقيقتهم مصر مرورًا من معبر رفح.. فغزة غارقة في ظلام دامس وبرد قارص دون وقود، والحصار جعل من الطعام والدواء والماء معادن نفيسة نادرة لا يمكن العثور عليها.. ومصر وضعت أمام تحد!! فهي من ناحية ستتهم في حال رفضها السماح للفلسطينيين بالعبور إلى أراضيها للتزود باحتياجاتهم الأساسية بأنها تشارك في حصارهم، وسيصب عليها الكيان الصهيوني وحليفته القوية أمريكا، جام سخطهما، وستعاقب اقتصاديًا وسياسيًا، وذلك على الرغم من رغبة جامحة لدى الصهاينة بتمرير مخططهم، وتهجير أهل غزة، وجعلهم مسؤولية مصرية بحتة.
المرحلة الخامسة: وهي النهائية، وتتحقق بالتوطين في مصر.. فنتيجة الفشل الأمريكي في توطين اللاجئين الفلسطينيين في شمال العراق بعد احتلاله دفعها إلى التفكير بصورة جدية في إعادة توطينهم في صحراء سيناء المصرية؛ من خلال دفع وإجبار الفلسطينيين للزحف باتجاه سيناء، وبالتالي تفريغ غزة من سكانه، وإلحاقها فيما بعد بشبه جزيرة سيناء.
تغيير الخارطة الديموجرافية
إن معركة غزة الحالية دخلت مرحلة جديدة ومتطورة في تاريخ الصراع «العربي الصهيوني»، يسعى من خلاله الاحتلال الصهاينة إلى إيجاد واقع على الأرض يغير من الخريطة الديموجرافية (السكانية) للمنطقة؛ حيث كان الاحتلال الصهيوني يهدف من وراء الحصار الخانق على شعب قطاع غزة إلى تهجير أهالي القطاع إلى سيناء عبر معبر رفح، لإقامة مخيمات لهم هناك تتحوّل فيما بعد إلى مناطق إقامة دائمة لأهل القطاع، لضمها فيما بعد (بحسب المخطط الصهيوني) إلى الإدارة المصرية، وعزلها كليًا عن الضفة الغربية..
ولكن هذا المخطط الصهيوني فشل في ظل صمود شعب غزة ضد الحصار الغاشم، ودفع هذا الفشل القيادة الصهيونية إلى الدخول في المرحلة الثانية من مخططها، وذلك باستخدام قوة عسكرية مفرطة تصب الويلات على أهالي القطاع بعد الحصار القاتل من خلال غارات جوية إجرامية متواصلة جعلت من القطاع بأكمله أهدافا مستباحة؛ لا تفرق بين دور العبادة والمستشفيات والمناطق السكنية والجامعات والموانئ والمنشآت الاجتماعية والجمعيات الخيرية وغيرها، وجاء مؤخرًا الغزو البري لقطاع غزة، وهدف الصهاينة منه إجبار مصر على فتح معبر رفح أمام اللاجئين الفلسطينيين المدنيين الذين سيفرون بأرواحهم من أمام فوهات الدبابات الصهيونية، ومن سيبقى في القطاع هم أشاوس المقاومة ورجالاتها الذين سيتصدون لجبروت القوة الصهيونية...
وبالتالي فإن المخطط الصهيوني يهدف إلى تفريغ القطاع من أهله ونقلهم إلى رفح المصرية، والانفراد برجال المقاومة الفلسطينية وتصفيتهم، والسيطرة الكاملة على القطاع عسكريًا: تمهيدًا لتحقيق الهدف الصهيوني الإستراتيجي، وهو التخلص من القطاع وأهله من ناحي، وتصفية «حماس» واستئصالها من جذورها في القطاع الذي يُعد القاعدة الشعبية والسياسية والعسكرية القوية لها.
هل ينجح الصهاينة؟!
ورغم ثقة الصهاينة في النصر، وفي قدرتهم على تحقيق هدفهم الإستراتيجي، إلا أنهم سيفشلون ولا نقول ذلك من منطلقات عاطفية غير محسوبة، ولكننا نقولها بيقين له أسسه ومعطياته.
فكل المعطيات «الدنيوية» تشير إلى حالة التفوق العسكري الصهيوني بالعتاد والعدة، إلا أن ما لم يحسب الصهاينة حسابه أن المجاهدين في غزة ليسوا كأمثالهم من المقاتلين، فهم أولًا: أصحاب عقيدة يستقون قوتهم من ديننا الإسلامي الحنيف والثقة بنصر الله عز وجل.
وثانيا: أنهم أصحاب حق وقضية عادلة.