العنوان هل يمكن للفلسطيني أن يعود إلى أرضه دون أن يحررها؟.
الكاتب أحمد صدقي الدجاني
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 0
نشر في العدد 1556
نشر في الصفحة 26
السبت 14-يونيو-2003
العودة من خلال التحرير
هل يمكن للفلسطيني أن يعود
إلى أرضه دون أن يحررها؟.
د. أحمد صدقي الدجاني
موضوع المقال هو الأبعاد الثلاثة لقضية اللاجئين
الفلسطينيين القومي والإسلامي والوطني برؤية فلسطينية لمستقبل اللاجئين. وقد رغب
إليَّ منظمو ندوة حق العودة ومقاومة التوطين تناوله، المنظمون هم مركز العودة
الفلسطيني بلندن، والمنتدى القومي العربي والمنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان حقوق،
والمؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان شاهد، ومقر الثلاثة لبنان. وإنه لمما يبعث عليَّ
السرور والتفاؤل إنشاء هذه المؤسسات، وبروز قيادات لها من جيل بلوغ الأشد يتابعون
بكفاءة حمل
مشعل العمل العلمي التنظيمي لتحرير فلسطين.
استشعر الحاجة بين يدي النظر في قضية اللاجئين إلى
استذكار تعريفنا لها بداية فهي جزء من قضية فلسطين تتصل باللاجئ والنازح، وتتكامل
مع جزء آخر يتصل بفلسطينيي عام ١٩٤٨م الذين بقوا في موطنهم المغتصب صهيونيًا، وجزء
ثالث يتصل بفلسطينيي الضفة والقطاع الذين وقعوا تحت الاحتلال الصهيوني منذ عام
١٩٦٧م، وجزء رابع يتعلق ببيت المقدس وأهله وجوهر قضية اللاجئين هو تطلعهم إلى
العودة للبيت في الوطن المحررة.
في قضية اللاجئين تبرز مسألة الهوية الفلسطينية من
خلال رؤية الفلسطيني لذاته ورؤية الآخرين له وكذلك مسألة الجنسية وأوضاع
الفلسطينيين في الخارج، ومحاولات الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة تصفية
قضيتهم. ومقاربة مؤتمر مدريد وما أسموه عملية سلام الشرق الأوسط لهذه القضية وما
يقترن بذلك من مخططات إسرائيلية وأمريكية. وأذكر أني انتهيت من معالجتها إلى أمرين:
1- الحفاظ على وحدة قضية فلسطين بأجزائها الأربعة، والحرص على ارتباط قضية
فلسطينيي الخارج بالكيان الفلسطيني الواحد الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية.
2- إنجاز مهام تتصل بهم منها القيام بعمل حصر دقيق لهم، وتنظيمهم في أماكن
تجمعاتهم وإنشاء مؤسسة تختص بدراسة أملاكهم وحقوقهم المتراكمة منذ عام ١٩٤٨م،
ومراجعة السياسات الرسمية والعربية تجاههم. وقد شهدت الأعوام الستة الماضية جهودًا
بذلت على هذه الصعد مطلوب أن تتابع.
بقي أن نستذكر أن الخصم الذي نواجهه في قضية
اللاجئين وقضية فلسطين كلها هو الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي معًا، طرفا
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، الأول هو امتداد لموجده البريطاني الداعم
ماديًا ومعنويًا، والآخر هو أداة التنفيذ وقوام العملية الاستعمارية الاستيطانية.
ننظر في الأبعاد الثلاثة لقضية اللاجئين، فنجد أنها ترتبط بدوائر الانتماء الثلاث
في الهوية الفلسطينية.
الدائرة القومية والأخرى الحضارية الإسلامية
والثالثة القطرية الوطنية وهناك بالإضافة إليها دائرة الانتماء إلى الإنسانية
العالمية جمعاء. وقد تجلى هذا البعد الإنساني العالمي كأروع ما يكون في المظاهرات
التي خرجت في مختلف الدوائر الحضارية في الشهور الماضية منددة بالتحضير للعدوان
الأمريكي البريطاني على العراق وبجرائم الكيان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ومؤيدة
للنضال الفلسطيني من أجل التحرير. وكانت مظاهرات يوم ۲۰۰۳/۲/۱٥ ذروة فيها ضمت أكثر من عشرة ملايين في العديد من المدن وعبرت كما قال
نعوم تشومسكي، عن ضمير الشعوب وهم يحاكمون المعتدين.
في كل بعد من هذه الأبعاد مستويان: رسمي تمثله
أنظمة الدول وحكوماتها. وشعبي يضم شعوب هذه الدول ومطلوب أن تشمل رؤيتنا
المستويين، وأن نلاحظ أثر المستوى الشعبي على المستوى الرسمي كما ينبغي علينا -ونحن
في معرض تشوف مستقبلي- أن نأخذ بعين الاعتبار فضلًا عن المدى القصير المدى المتوسط
والمدى الطويل.
كيف تبدو هذه الأبعاد؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تدعونا إلى الوقوف أمام
المرحلة الراهنة في الصراع العربي الصهيوني وقراءة الواقع القائم فيها قراءة
صحيحة. ومعلوم أن هذا الصراع مر منذ بدأ قبل قرن وربع في مراحل عدة، وأنه دخل منذ
انتفاضة الأقصى في ۲۰۰۰/۹/۲۸ هذه المرحلة
الراهنة. وواضح أننا نعيش فيها تحت وطأة إحباط شديد بفعل العدوان الأمريكي
البريطاني على العراق يوم ۲۰۰٢/٢/٢٠ واحتلال
بغداد يوم ٢٠٠٣/٤/٩ والقراءة الصحيحة هي سبيلنا إلى الخروج من حالة الإحباط إلى
حالة الفعل والمقاومة والعمل الصالح.
لقد فصلنا
الحديث عن المرحلة الراهنة في الصراع العربي الصهيوني التي بدأت مع قيام العولميين
المتوحشين بشن الحرب على المقاومين للعولمة المتوحشة الساعين للعالمية العادلة وفي
مقدمتهم شعب فلسطين، كيف خططت واشنطن لهذه الحرب في التسعينيات لتحكم قبضة القطب
الواحد على عالمنا. ثم كيف أعطت الضوء الأخضر للكيان الصهيوني كي يقتحم مجرم الحرب
شارون الحرم القدسي وينتهك حرمة بيت المقدس بما يمثله من رمز للمسلمين ولحضارتنا
العربية الإسلامية. ثم كيف قامت انتفاضة الأقصى ولا تزال قائمة بعد اثنين وثلاثين
شهرًا. ثم كيف جيء بمجرم الحرب شارون رئيسًا لحكومة الكيان التي تتولى محاولة
القضاء على المقاومة فتقوم بأفظع الجرائم وأبشع المذابح ثم كيف وقعت زلزلة ۲۰۰۱/۹/۱۱ في نيويورك وواشنطن. وتلاها في ۲۰۰۱/۱۰/۱۷ إعلان أمريكا الحرب
رسميًا على أفغانستان ثم كانت الحرب على العراق.
تتجلى في هذه المرحلة إذا ظاهرة العولمة المتوحشة
باعتمادها القوة الغاشمة وسيطرة روح الطغيان عليها، وباعتمادها إرهاب الدولة
الرسمي. وبتصرفها بمنطق غطرسة القوة وتتجلى في الوقت نفسه جنبًا إلى جنب معها
ظاهرة مقاومة العولمة المتوحشة يقوم بها العالميون الذين يسعون إلى التحرير من
الاحتلال والعدل وصولًا إلى سلام مستتب. وها هي أحداث الحرب
تتتالى.
ما نود الوقوف أمامه في المرحلة الراهنة من الصراع،
فيما يتصل بموضوعنا، هو أن مقاومة شعب فلسطين أثبتت وجودها ضمن الظاهرة الثانية
رغم كل ما استهدفته بها الإدارتان الأمريكية والصهيونية من جرائم إرهابهما الرسمي
وما أصابها من عنت وألم. واستطاعت هذه المقاومة أن تجعل عدوها بطرفيه يألم. وهكذا
فرضت عليه أن يراجع ويداور معتمدًا محاولات تهدئة تحذيرية تجلت في إرسال واشنطن
مبعوثيها تينيت وميتشل وزيني، ثم موافقتها على خريطة الطريق بعد أن طرح الرئيس
الأمريكي بوش في ۲۰۰٢/٦/٢٤
إقامة دولة
فلسطينية مؤقتة.
وهنا يجب أن يستقر في وعينا ما كشفت عنه القراءة
الصحيحة من قدرة المقاومة على فرض حقيقتها على العدو لأن شريحة منا على الصعيد
الرسمي -نفسها قصير أو نجح العدو في استمالتها- تقول غير ذلك، وتجاهر بدعوتها
لإيقاف المقاومة، بحجة أن العدو قوي وأن شعبنا لم يعد قادرًا على تحمل عنت إرهابه
والحقيقة الجلية هي أن الإدارة الأمريكية حين طرح رئيسها إقامة دولة مؤقتة
فلسطينية عام ٢٠٠٥ كان قد استشعر دور الإدارة الأمريكية المؤيد للاغتصاب الصهيوني
لفلسطين في تأجيج المقاومة ضدها. وكان قد استمع إلى نصيحة شريكه البريطاني توني
بلير بضرورة التحرك للوصول إلى تسوية للصراع العربي الصهيوني. وكان قد أحس بتململ
قوى دولية من انحيازه المطلق للسياسة الإسرائيلية، وتحرك هذه القوى في المنظمة
الأممية لعرقلة السياستين. وهكذا شاركت الولايات المتحدة في اللجنة الرباعية مع
الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة التي طرحت معًا خريطة الطريق لتسوية
الصراع.
ماذا إذن في خريطة الطريق بشأن قضية اللاجئين؟ وما
مدى صلاحية هذه الخريطة للتسوية وقابليتها للتنفيذ؟
اللاجئون في المرحلتين الثانية والثالثة
لقد جاء
ذكر اللاجئين، عند الحديث عن المرحلة الثانية في الخطة التي تستمر حسب توقيتاتها المرسومة
بين الشهر السادس والشهر الثاني عشر من عام ۲۰۰۳. وذلك في معرض الدعوة لإحياء المفاوضات متعددة الأطراف حول المواضيع
الإقليمية، المياه والبيئة والتطوير الاقتصادي واللاجئين والحد من التسلح، ونذكر
كيف جرت تلك المفاوضات إثر مؤتمر مدريد الذي انعقد في ۱۹۹۱/۱۰/۳۰ ووفق عملية التسوية التي طرحها كما نذكر ما آلت إليه من موقف ومحاولة
إقامة نظام الشرق الأوسط بقيادة الكيان الإسرائيلي.
جاء ذكر اللاجئين أيضًا عند الحديث عن المرحلة
الثالثة التي تبدأ في مطلع عام ٢٠٠٤ بعقد المؤتمر الدولي الثاني لإطلاق مفاوضات
بين إسرائيل وفلسطين نحو حل نهائي ووضع دائم عام ٢٠٠٥ بما يشمل الحدود والقدس
واللاجئين وقد تضمنت خريطة الطريق في حديثها عن المرحلة الثانية أن تعقد اللجنة الرباعية
المؤتمر الدولي بالاتفاق مع الأطراف وبعد إنجاز الانتخابات الفلسطينية بنجاح، لدعم
الاقتصاد الفلسطيني ولإطلاق المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول إمكانية
إنشاء دولة فلسطينية بحدود مؤقتة. الانتباه هنا إلى أن طرح الخريطة ثم الإعلان
الرسمي عنها في ۲۰۰٣/٤/١٣ اقترن بتحركات قام بها فلسطينيون مستمالون
للاتفاق حول حق العودة من خلال الحديث عن ضرورة تفهم الفلسطينيين لمعارضة
الإسرائيليين له لأنهم يريدون دولة يهودية، بينما عودة أبناء فلسطين إلى موطنهم
وبيوتهم تخل بذلك. كما أن بعض هؤلاء المستمالين فسر حق العودة بأنه إلى الدولة الفلسطينية التي سوف
تقام وليس إلى فلسطين أي أن يستمر اللاجئ لاجئًا بعيدًا عن بيته ووطنه. واضح إذن
أن خريطة الطريق وتحركات واشنطن بشأنها لا تحمل في طياتها أي أمل للاجئين بالعودة،
وهذا ما يدركه غالبية أبناء شعبنا الذين يتمسكون بالمقاومة سبيلًا للتحرير
والعودة. وقد تأكد لهم عبر متابعة كل القرارات الدولية التي تم اتخاذها بشأن
قضيتهم وكل محاولات التسوية التي جرت عبر أكثر من نصف قرن أن السبيل الوحيد لممارسة
حقهم في العودة إلى وطنهم هو بتحرير هذا الوطن من نير الاستعمار الاستيطاني
الصهيوني. ونشير هنا إلى الجهد الذي قام به الأخ د .سلمان أبو ستة في دراساته التي
فند فيها جميع حجج العدو الصهيوني لمنع تطبيق قرار العودة الشهير. وقد رأينا كيف
مضى العدو قدمًا ليس في مجرد منع الفلسطينيين من ممارسة حق العودة، بل في متابعة
التوسع في الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في الضفة والقطاع والقدس.
والآن في
ضوء أن العودة إلى فلسطين تكون من خلال تحرير فلسطين، فما الذي ينبغي عمله؟
هناك
أولًا: استمرار المقاومة بكل أبعادها والكفاح المسلح منها بخاصة، وتطويرها.
وقد استطاع المقاومون الأبطال من أبناء شعبنا أن يطوروها وثقتنا أنهم قادرون على
مزيد وندعو خبراءنا العسكريين المسلمين والعرب أن يسهموا في هذا التطوير.
ثانيًا: العناية بثقافة
التحرير والعودة، نغذي بها أجيالنا الجديدة وتستزيد منها الأجيال الأخرى ولقد كان
لافتًا أن الأجيال الجديدة من أبناء فلسطين منذ نكبة ١٩٤٨م بقوا على انتسابهم لمدنهم
وقراهم ونجوعهم وهاهم أحفادي شأن أبنائي قبلهم يضعون يافا نصب العين وبيتهم هناك
في حي العجمي.
إن لثقافة التحرير والعودة ثلاثة عناصر
تتكامل معًا:
أولها عنصر عقدي ديني، وثانيها عنصر تاريخي وثالثها
عنصر أدبي وتفسير هذه العناصر يستحق حديثًا خاصًا.
ثالثًا: رفع شعارات توجز
أفكارنا بشأن هذا الصراع وتعميمها في دائرتنا الحضارية ووطننا العربي ومنها: لا
مكان للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قلب وطننا العربي... نعم لمتابعة
المقاومة، ولا لنظام الشرق الأوسط... نعم لنظام عربي فاعل ولا للعولمة المتوحشة...
نعم للعالمية القائمة على التحرير والعدل.
لقد عمد
كثير من أبناء فلسطين إلى الاحتفاظ بمفاتيح بيوتهم التي أخرجوا منها. وهكذا برز
اقتراح بجعل المفتاح رمزًا للتصميم على العودة من خلال العمل والتحرير وهناك من
علق مفتاحًا اختاره ليكون نصب عينه دائمًا.
أخيرًا فضح
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وتنظيم حملة على قانون العودة الإسرائيلي ودعوة
اليهود إلى نبذ الصهيونية العنصرية التي هجرتهم من أوطانهم إذا أرادوا أمنًا وسلامًا
عادلًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل