العنوان هل يكون للشعوب دور في بعث الأمة؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1193
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 26-مارس-1996
عسير أن يصدق الإنسان كل ما يجري على الساحة العربية ومستحيل أن يتحمل قلب مسلم فتي أو وطني أبى كل هذا السقوط، ويصمد كبد حر عصي أمام هذا الهوان، ولقد خيل إليّ وأنا اسمع الدعوة إلى مؤتمر ضرب الحركات الجهادية، وأشاهد انعقاده وأقرأ نتائجه، أن الذلة قد كتبت علينا لا على بني إسرائيل، وأن المسكنة قد ضربت على ديارنا لا على الصهيونية، ولكن بغير حبل من الله وحبل من الناس وأن الذي يبوء بغضب الله نحن وليس هم فأخذني الهلع وغمرتني الدهشة، وهزني الهم.
فلو أن ما بي بالجبال لهدها وبالنار أطفاها وبالماء لم يجر
وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر
إن قياس نبض الشعوب في القضايا الخطيرة التي تهم الأمة وتحدد مصائرها واجب والاسترشاد بنصح المخلصين وسماع الرأي الآخر عاصم من الزلل، ومانع للفتن ومقو للظهر، ودليل على الحكمة، ولكن يظهر أن أعداء الأمة يريدون ضرب الأمة بعضها ببعض وفصل القاعدة عن القمة بل وتحريض كل على الآخر، حتى تنشغل الأمة بعضها ببعض عن العدو المشترك، وعن التنمية والتقدم الحضاري وهذا ما بدا يدب فعلًا في بعض الشعوب العربية، حيث وجهت الدولة سهامها إلى بنيها ووجه شبابها حزنه وحنقه إلى دولته، ووقعت الواقعة، وأخذ العنف من الجانبين مآخذًا لا يعلم مداه إلا الله ويريد كل منهما القضاء على الآخر وهيهات إلا بالماحقة التي تقضي على الجميع الصالح الأعداء، ولكن يظهر أن باقي شعوب الأمة الهادئة، والتي ترفل بالاستقرار يراد جرها إلى العنف، وتحريضها هي الأخرى على شبابها بحجة التدين الذي أصبح عند الخبثاء قرين الإرهاب، أو بحجة تمويل الإرهاب، أو بأية حجة ولو حتى معاداة السلام، المهم أن يشتبك الشباب الذين هم عماد الأمة بقادتهم وسلطتهم، وتنقلب الحكومات التي هم رعاة الشباب، وسند الجيل وإخوان الجميع إلى أعداء، وسهام مسلطات على الأمة.
وإخوان حسبتهموا دروعًا فكانوها ولكن للأعـادي
وخلتهم سهامًا صائبات وكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب لقد صدقوا ولكن عن ودادي
وهذا في الحقيقة لا يخفى على عقلاء الأمة ولا على قادتها، ولكن ما نراه اليوم شيء عجيب وواضح الدلالة على أن الأمة يبيت لها أمر ماحق، ويُدبر لها واقعة مهلكة، إذ كيف يوصف الدفاع عن الأرض والوطن والعرض بالإرهاب ومازالت الصهيونية تراوغ وتقتل وتسفك دماء المسلمين، ومازالت الشعوب العربية لم تسالم إسرائيل»، بل مازال الميثاق الفلسطيني يدعو إلى تدمير «إسرائيل» بل ما زالت سورية ولبنان أراضيها تحت الاحتلال الإسرائيلي، والضفة والقطاع والقدس تئن تحت الاحتلال، وقد نصب عرفات شرطيا بدرجة جاويش عند «إسرائيل» لقمع المجاهدين، ويقوم والحق يقال بكل أمانة بذلك، ويحاول أن يزيد عليه، فقد فعل ويفعل الآن ما عجزت عنه العسكرية الإسرائيلية والموساد اليهودي، ويحاول أن يستدرج المجاهدين إلى العنف معه ليسيل الدم المسلم، ويقتتل الأشقاء حسب الخطة الإسرائيلية الموضوعة، حتى ينشغل الفلسطينيون بأنفسهم عن قتال أعدائهم وإلا فكيف يفسر الإنسان العاقل ما يفعله «عرفات» في الناشطين الإسلاميين الذين كانوا سببًا في الانتفاضة المباركة التي حركت القضية التي يزايد عليها «عرفات» حتى تفتح السجون ذراعيها لا للجواسيس الذين كانوا حربًا على امتهم الصالح «إسرائيل» وصاروا اليوم هم أدوات السلطة الفلسطينية، مكافاة لهم على العمالة ولكن ليزج فيها المخلصون، ثم يعاملون بامتهان غير مسبوق حتى من أعداء الأمة، ليكون ذلك دافعًا لهم على الانتقام والاشتباك مع السلطة الفلسطينية، وإلا فقل لي ما معنى أن تنتف نقون قادة العمل الإسلامي ولحاهم، وأن تشرد عائلاتهم، وتهدم بيوتهم من قبل السلطة، ألا يحرك ذلك اتباعهم لعمل انتقامي يستشهد به على أنهم إرهابيون خرجوا عن الخط الجهادي فلابد من ردعهم وعقابهم وتأديبهم، ولكن ذلك لم يُخرج هؤلاء المجاهدين عن صوابهم، ولا عن أصالتهم وأهدافهم وانتمائهم.
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدًا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدًا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا عني هويت لهم رشدًا
لما لم تجد استثارتهم ضد إخوانهم رغم الاستفزازات والتحرشات العاصفة الضاغطة ورغم تخريب البيوت، وتشريد الأطفال والنساء الذين لا ذنب لهم، وتركهم بغير عائل أو كفالة، أو حتى معونة للبيوت التي انقطعت أرزاقها، ورغم المؤامرات المتتالية والمحاولات لخلق ظروف وملابسات يمكن بها إيقاع مذبحة كبرى في الوسط الفلسطيني المجاهد، ورغم مطاردة اليهود لقادة العمل الإسلامي وقتلهم في وسط القطاع الذي يفترض أن يكون تحت مسؤولية عرفات وسلطته وقد يكون بعلمه رغم ذلك سيطر المجاهدون على أعصابهم، وتجنبوا الاصطدام بالسلطة، وفرغوا انفسهم لجهاد العدو الذي لا يعرف إلا لغة القتل والدمار والإرهاب، ولا يتوانى لحظة من ليل أو نهار في تعقب المجاهدين والعاملين في الحقل الإسلامي، وتدمير المقومات الأساسية للعناصر البشرية الإسلامية الفاعلة في المنطقة، بحيث تصبح هذه الملايين حطامًا منهارا. لا يملك المقاومة حتى ولو وضعت في يديه اقوى الأسلحة، فالرجال هم الذين يحركون الأسلحة وليست الأسلحة هي التي تحرك الرجال والمجتمعات حين تنهار عقديًا وخلقيًا تصبح الملايين غثاء لا يقف في وجه التيار.
ولكن فوجئ المسلمون في الساحة الإسلامية بان الجهاد أصبح إرهابًا، وأن الدفاع عن النفس والعرض أصبح جريمة يجب أن يُعاقب فاعلها بأقسى العقوبات، بل ويجب أن تشترك الدول الكبرى في ذلك، ونقول ذلك نحن وندعو إليه ونقوم بالدور الإسرائيلي نيابة عنها، ونرضى لأنفسنا صراحة وعيانًا وبيانًا وفي هرولة تدعو إلى الاستغراب أن تكون النها الضاربة، وعشاقها المتيمين بها:
يا قوم قلبي عند زهراء بغرفة السامع والرائي
لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمـــــــــــــائي
فهل يظن من يقول بالاستقرار ويريده في الشرق الأوسط أن ذلك الظلم يجلب الاستقرار، وأن قهر الشعوب وامتهانها وضرب روادها والناشطين الوطنيين والإسلاميين فيها يقضي على المقاومة ويفرض الاستسلام عليها؟ لا يقول بذلك عالم بالتاريخ ولا بأحوال الأمم، وإنما يقول به غر يخدع نفسه ويودي بها إلى التهلكة فللشعوب قومة يستجيب لها القدر ويفرح بها المؤمنون، وإن غدًا لناظره قريب.