العنوان هل يكون للاتحاد السوفياتي دور في الشرق الأوسط؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1984
مشاهدات 61
نشر في العدد 663
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 20-مارس-1984
-الموقف السوفياتي في الشرق الأوسط يتركز في الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام.
- أمريكا بانتظار مبادرة تشيرنينكو.
- لا للولاء لغير الله ولابد للأمة الإسلامية في التمييز و الاستقلال.
في أعقاب إلغاء الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي وأجواء انسحاب القوات المتعددة الجنسيات من لبنان ذهبت تحليلات مراقبين أجانب وعرب إلى أن سوريا والاتحاد السوفياتي سَجَّلا مكسبًا سياسيًا ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؛ وبناءً عليه انطلقت دعوات لإشراك الاتحاد السوفياتي في تسوية أزمة الشرق الأوسط؛ فهل يكون للسوفيات دور في التسوية وماهو هذا الدور؟! وقد انطرح هذا السؤال مجددًا بمناسبة زيارة عضو المكتب السياسي والنائب الأول لرئيس الوزراء السوفياتي علييف لدمشق في بداية الأسبوع الماضي وصدور بيان مشترك عن الزيارة.
نظرة:
إن نظرة سريعة في تاريخ النفوذ السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط تبين أن هذا النفوذ الذي بدأ بصفقة الأسلحة التشيكية المصرية عام «٥٤»أخذ يتراجع بعد هزيمة عام «١٩٦٧»التي كان للسوفيات دور فيها، ويكاد يكون قد تلاشى أثره السياسي في المنطقة مع طرد الخبراء الروس من مصر عام «١٩٧٤»وقد تعامل الروس مع المنطقة على أساس معاهدة يالطا، إذ اعتبروا الشرق الأوسط من نصيب أمريكا، ولكن الاتحاد السوفياتي الذي نجحت الولايات المتحدة في عزله عن أية مشاركة في ترتيب الأوضاع السياسية في المنطقة، ظل يُعيد الكرة بين فترة وأخرى. ولعل توقيع اتفاقية التعاون والصداقة مع النظام السوري عام «۱۹۸۰» فتحت له بابًا من الأمل؛فراح يزود سوريا بالأسلحة والخبراء الذين وصل عددهم في تقدير مصادر غربية حوالي خمسة آلاف خبير.
ومع أن التَّسَلُّح السوري سوفياتي منذ بداية السبعينات إلا أن حجم تأثيره على القرار السياسي السوري كان ضئيلًا. بل إن العلاقات بين الطرفين وصلت أحيانًا إلى حد الأزمة، وذلك بسبب قبول قيام سوريا بحماية النظام اللبناني الماروني في لبنان والانتصار له من القوى الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين الاشتراكيين وذلك في الأعوام ٧٦ ، ۱۹۷۷م.
ومع أن الاتحاد السوفياتي له نظام حليف تمامًا في عدن وعلاقات لا بأس بها مع نظام القذافي،إلا أن معيار مقدرته على التأثير في مجريات الأحداث في الشرق الأوسط يظل مرهونًا بمدى علاقته مع سوريا.
ومن هنا ينبغي تحليل طبيعة العلاقة السورية السوفياتية واحتمالات توجه السياسة العربية نحو الاتحاد السوفياتي.
سوريا والسوفيات:
فيما يتعلق بالعلاقة السورية – السوفياتية المرتكزة على التسليح والخبراء يجمع المراقبون السياسيون على أن هذه العلاقة لم تؤثر بعد على القرار السوري. ويؤكد هذه المقولة هذه الأيام مسؤولون أمريكان كشولتز ومسؤولون سابقون ككسينجر ووليام كوانت وغيرهم. بل أن صحيفة كريستيان سانيس مونيتر ذهبت في عددها يوم ٨٤/٢/٦م إلى امتداح حافظ أسد قائلة «مهارة الرئيس الأسد في استراتيجية إدارة الدولة ليس لها ما يُضاهيها منذ قام بسمارك بتوحيد ألمانيا قبل قرنمن الزمان».
وهذا الطرح من قبل الإعلام الغربي والإعلام العربي التابع لابد أن يكون وراءه أحد أمرين:إما أن يكون متعلقًا بدور له علاقة بدور حلفاء أمريكا، وإما أن يكون القصد منه الاستمالة مع لفت انتباه الإدارة الأمريكية بشكل خاص إلى ضرورة عدم الإهمال الأمريكي للدور السوري في أية تسوية سِلمية لأزمة الشرق الأوسط، خاصةً وأن جناح وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز كان يرى إهمال عكس هذا.
لكن كما يرى مراقبون غربيون فإن نجاح المطلب السوري بإلغاء اتفاق «۱۷»مايو بين لبنان وإسرائيل، وانحسام معارك بيروت الغربية لصالح حلفاء النظام السوري بالإضافة إلى انسحاب قوات المارينز اللبنانية والقوات متعددة الجنسيات في بيروت، نَجَّح النظام السوري في الإمساك بالورقة اللبنانية، الأمر الذي يجعله - إذا أمام أحكام الإمساك بالورقة الفلسطينية وتعطيل المحادثات الأردنية -الفلسطينية - جديرًا بأن تأخذ القوى الدولية أهميته في الاعتبار.
بيان مشترك:
في مثل هذه الظروف، وفي ظروف تباكى حلفاء أمريكا على عدم مصداقية سياستها في الشرق الأوسط جاءت زيارة علييف إلى دمشق خلال الفترة ١٠ - ١٣ مارس الجاري.
ولاستبانة ما إذا كانت هذه الزيارة تُشكل تطورًافي تقوية العلاقات السورية- السوفياتية وبالتالي تنامي الدور السوفياتي في الشرق الأوسط، فلابد من تناول البيان الختامي المشترك الذي صدر فينهاية الزيارة.
القضية الأساس التي رَكَّز عليها البيان هي العلاقات السورية - الفلسطينية حيث دعا البيان إلى «ضرورة الحفاظ على وحدة حركة المقاومة الفلسطينية والتغلب العاجل على الخلافات داخل منظمة التحرير الفلسطينية على أساس وطني تَقَدُّمِي مُعاد للإمبريالية»! وأكَّد أن تحقيق الأماني الوطنية للفلسطينيين في مواجهة العدوان الإسرائيلي و رفض سياسة كامب ديفيد والصفقات المنفردة، ومشروع ريغان وذلك بتعاون منظمة التحرير الفلسطينية الوثيق مع سوريا والدول العربية التقدمية وجميع القوى الوطنية في البلاد العربية!
ويعتبر هذا النص مقارنة بمواقف سوفياتية سابقة متقدمًا وصريحًا في الانحياز لجانب سوريا ضد قيادة عرفات كما يُشير إلى احتمال أن يتعزز دور سوريا في تكوين محور مُناهض لمحور حسين عرفات.
ولما لم يوضح البيان مسألة التزام السوفيات بالدفاع عن الجيش السوري في حالة تعرضه لهجوم إسرائيلي في لبنان، في الوقت الذي أكد فيه على «تحقيق سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط، فإنه يمكن القول إن الغرض من الزيارة بالإضافة إلى توطيد العلاقات الثنائية بين سوريا والاتحاد السوفياتي في ظروف ملائمة، هو تعزيز الموقف السوري بحيث تدخل بقوة في عملية التسوية في الشرق الأوسط.
مؤتمر دولي:
إن هذا الأمر يدعم الفكرة الرئيسة للسياسة السوفياتية في الشرق الأوسط وهي عقد مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة وباشتراك جميعالأطراف المعنية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي.
ومما يعزز هذا الاستنتاج استخدام الاتحاد السوفياتي لحق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن ضد دعوة فرنسية لإعادة القوات الدولية إلى لبنان.
ولكن السؤال هل يكون للسوفيات دور في حل أزمة الشرق الأوسط يظل قائمًا، فماهي احتمالاتهذا الدور؟!
تقول مصادر دبلوماسية خليجية مطلعة إن سوريا ستكون جادة من الآن فصاعدًا في التحالف مع الاتحاد السوفياتي. وإذا صَحَّت هذه المعلومات فإن المراقب له أن يتصور تطور تناقض الموقف السوري المدعوم سوفياتيًا مع الموقف الإسرائيلي إلى حد الصراع المسلح سواء في لبنان أو على الحدود المشتركة.
ولكن زيارة علييف لدمشق التي لم تأخذ بُعدًا إعلاميًا كبيرًا، لم تُشر بوضوح إلى مدى التزام السوفيات تجاه سوريا إذا ما تعرضت لهجوم إسرائيلي. الأمر الذي يجعل المراقب يتشكك في احتمال تطور الموقف السوفياتي إلى هذا الحد.
عودة للمفاوضات:
من جهة أخرى فإن المراقبين يُجمعون على أن طبيعة العلاقة بين العملاقين تميل في الوقت الحاضر إلى العودة لمرحلة التفاوض، بعد المتغيرات التي حصلت في موازين القوى في أكثر من محور من محاور الصراع الساخن في العالم.
وفي الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأمريكية تنتظر مواقف القيادة السوفياتية الجديدة، دعا الزعيم السوفياتي تشيرنينكو إلى إعادة الحوار معالغرب حول نشر الأسلحة النووية.
وفي مثل هذه الظروف، وفي ظروف أمريكا الانتخابية التي دعتها لعدم الاهتمام بالمشكلة اللبنانية ستسعى سوريا لتعزيز موقفها التفاوضي عن طريق الإمساك بأوراق لبنان والثورة الفلسطينية وعرقلة محادثات حسين عرفات، ولكن يُتَوَقَّع أن يلجأ معسكر الاعتدال العربي إلى استرضاء سوريا و إبداء الرغبة في التعاون معها ولو عن طريق المزايدة عليها في إدانة السياسة الأمريكية.
وتشير بعض المعلومات التي تناقلتها الصحافة العربية خلال الأسبوعين الماضيين إلى هذا الخيار، فقد نقلت الصحف تصريحات أردنية.
على لسان وزير الخارجية طاهر المصري وتصريحات أخرى لياسر عرفات و أبو إياد حول أهمية ترميم العلاقات السورية- الأردنية والعلاقات السورية الفلسطينية.
ولكن سوريا مازالت تصر على إقالة عرفات الأمر الذي يجعلنا نتوقع فشل هذه المساعي، وهذا ما يجعلنا نميل إلى ما ذهبت إليه صحيفة الايكونومست في عددها ليوم ٣ مارس الجاري من أن سوريا تتحرك بحذر باتجاه التسوية الشاملة. ولما كان الموقف السوفياتي ودوره في المنطقة مرتبط بالدور السوري، فإن المراقب يخرج إلى نتيجة مفادها أن الاتحاد السوفياتي لا يزال يهدف إلى أن يكون له دور في تسوية أزمة الشرق الأوسط عن طريق عقد مؤتمر دولي.
ومن المحتمل أن تصير الأمور في المنطقة لصالح هذه الفكرة، إذا ما كان حلفاء أمريكا صادقين في نقدهم وتذمرهم للسياسة الأمريكية من جهة، وإذا لم تبدل أمريكا في سياستها بحيث تأخذ في الاعتبار المتغيرات في موازين القوى في المنطقة، كما يُحتمل أن تتغير خريطة القوى السياسية في ذلك البلد المعني بحيث تميل كفة الجهات الموالية لأمريكا؛ الأمر الذي يقلب سياسة البلد المشار إليه رأسًا على عقب.
العيش بسلام:
ولكن المراقب للسياسة الدولية في الشرق الأوسط يدرك أن المتحاورين مع أمريكا مهما بالغوا في العتب أو النقد، لا يمكن أن يذهبوا إلى حد تغيير الولاء؛ لأن قلب الواحد منهم لا يتسع لأكثر من حبيب واحد من جهة، ولأن نتيجة الولاء لأي من الطرفين ستؤدي إلى نفس النتيجة بالنسبة للشرق الأوسط، باعتبار أن العملاقين يؤكدان على حق إسرائيل في العيش بسلام وحل الأزمة بطريق المفاوضات بين طرفين أحدهما قوي وهو إسرائيل والآخر ضعيف وهم العرب.
من هنا فإننا على الرغم من معاداتنا للولاء لأي جهة كانت انطلاقًا من عقيدتنا الإسلامية فإننا نحذر المتيمنين بأمريكا أو المضبوعين بجبروتها من مغبة الارتماء في أحضانها في أجواء العزف الأمريكي على مقولة الخطر السوفياتي على المنطقة.
أما المضللون بالدعاية السوفياتية ودعوى نصرتها للقضايا العربية فلهم منا الدعاء بالهداية والرشاد.
وفي مثل هذه الظروف لا يسع المراقب المسلم الا أن ينبه أُمته لضرورة التمييز والاستقلال والمضي في الطريق الصحيح؛ تحقيقًا لقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة ال عمران: 110)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل