; هل يعلنون وفاة العرب؟ لا.. لن يموت العرب | مجلة المجتمع

العنوان هل يعلنون وفاة العرب؟ لا.. لن يموت العرب

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1995

مشاهدات 68

نشر في العدد 1135

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 24-يناير-1995

جهات كثيرة، وأيدٍ كثيرة، ومحن كثيرة تريد إعلان وفاة العرب، وأوجاع كبيرة، وأمراض عجيبة، وأعمال رهيبة، تريد إعلان وفاة العرب، وأنا أحاول بالحب أن أفعل المستحيل، وأزرع غصنًا، وأغرس كل النخيل، ولكنهم في بلادي يقصون شعر النخيل، أحاول أن أجعل المجد أعلى سبيل، أحاول أن أجعل الخيل أعلى صهيل، ولكنهم يقطعون السبيل ويمنعون الصهيل.

فرد علي جليسي القريب يقول: أحاول مذ كنت طفلًا أن أقول الحقيقة، رفضت النفاق، رفضت الكلام المعلب، رفضت عبادة وثن القبيلة رمز الضلال، ولكنهم يريدون مني زرع الضلال، ونفسي العليلة، أحاول إحراق كل النصوص التي أرتديها، فبعض الكتابات قبر، وبعض اللغات كفن، فواعدت آخر عزم، وقابلت آخر جهد، ولكنني جئت للميدان بعد مرور الزمن - أحاول أن أتبرأ من مفرداتي، ومن لعنة الفعل ونكبة الاسم، وقسوة المبتدأ والخبر، وأنفض عني غباري وأغسل وجهي بماء المطر، أحاول من سلطة الطين والرمل أن أستقيل، وأغسل ثوبي ببرد الروابي وماء المطر، وداعًا نفاقي، وداعًا متاعي، وداعًا عُجر.

أحاول مذ كنت شابًا قراءة كتاب الحقيقة، فلم أر إلا كتابًا تحدث عن الملهمين العرب عباقرة العرب، فقهاء العرب، أبطال العرب، أنبياء العرب، فلم أر إلا قصائد تلحس رجل الخليفة، ونعل الخليفة، فيا للعجب، ولم أر إلا رجالًا ليست تفرق بين لحوم النساء وأكل الرطب، فيا للعجب، ولم أر إلا جرائد تخلع أثوابها الداخلية لأي رئيس من الغيب يأتي، وأي عقيد على جثة الشعب يمشي، وأي مرابٍ يكدس في راحتيه الذهب، فيا للعجب، فكم حاولت رسم بلادي الحبيبة بلاد العرب، بلاد لها برلمان من الياسمين، وشعب عظيم يصول بدنيا ودين، تنام حمائمها فوق رأسي، وتضحك مآذنها في عيوني، أحاول رسم بلاد تكون صديقة حبي ولا تتدخل بيني وبين ضميري وظنوني، ولا يجلس فيها عسكر فوق جبيني، أحاول أن أتصور شكل الوطن، أحاول أن أتخيل جنة عدن وأركض مثل العصافير بين نهور اللبن، وحين أفقت اكتشفت هشاشة حلمي، فلا قمر، ولا عدن، ولا لبن، ولا وطن!!

فقلت: يا صديقي الحبيب أهذا حصل؟

فرد عليّ جليسي الأديب الأريب، يقول: أنا منذ خمسين عامًا، أحاول رسم بلاد تسمى - مجازًا - بلاد العرب، رسمت بلون الشرايين حينًا، وحينًا رسمت بلون الغضب، وحين انتهى الرسم ساءلت نفسي: إذا أعلنوا يومًا وفاة العرب ففي أية مقبرة يُدفنون؟ ومن سوف يبكي عليهم وليس لديهم بنات وليس لديهم بنون، لأنهم يقتلون، وليس هناك حزن وليس هنالك من يحزنون!!

أحاول منذ بدأت كتابة شعري، قياس المسافات بيني وبين جدودي العرب، البون كبير، رأيت جيوشًا، ولا من جيوش، رأيت فتوحًا، ولا من فتوح، تابعت كل المعارك ولكن على شاشة التلفزة، بطولات على شاشة التلفزة، بلاغات على شاشة التلفزة، ونصر من الله يأتينا على شاشة التلفزة وكل صراخ، وكل عويل!!

أيا وطني جعلوك مسلسل لعب بل مسلسل رعب، نتابع أحداثه في المساء، فكيف نراك إذا قطعوا الكهرباء، أنا بعد خمسين عامًا، أحاول تسجيل ما قد رأيت، رأيت شعوبًا تظن بأن رجال المباحث قدر من الله، مثل الصداع، مثل الزكام، مثل الجذام، ومثل الجرب، رأيت العروبة معروضة في مزاد الأثاث القديم، ولكنني ما رأيت العرب!!

فقلت: صديقي العزيز: لا تبتئس، فقد يموت أبو جهل، ولكن لن يموت عمر، وقد تنضب المستنقعات ولكن لن ينقطع ماء المطر، وقد يطول الليل ولكن سيبزغ نور الفجر، فأمة لها هذا التاريخ لن تندثر، وشعوب لها هذا المجد لن تنحسر، وأجيال تحمل هذا الكتاب لن تنكسر.

غدًا نخوض الوغى تترا كتائبنا *** ويزهق الباطل الباغي ودعواه

غدًا سيطوي الهدى طغيان قيصره *** وتنطفي بالهدى نيران كسراه

التائهون هوى الطاغوت منهجهم *** والقاصدون الهدى يهديهم الله

سيشرق الفجر المبين ويرتوي القلب الظمي

واللمسة السمحاء تزحف بالهدى والبلسم

بشريعة الله العظيم وبالنظام المحكم

بشريعة القرآن دستور الحياة الأكرم

أنا مؤمن بالنصر للإيمان للوعي الأبي المسلم

أنا مؤمن بالنصر يملأ مهجتي

بعقيدة التوحيد بالإيمان أعذب نشوة

بالنور يزحف رغم أنف الظلمة

لينبه الوسنان للفتح الأبي للعزة

أنا مؤمن بالعاصف المهدار يجتاح الحنايا

أنا مؤمن بالحق بالإعصار يقذف بالعطايا

أنا مؤمن بالصبر يهزأ بالخطوب وبالرزايا

أنا مؤمن بالحق يصرع باطلا ظلم الرعايا

أنا مؤمن بالمجد، بكتيبة التوحيد، بالفجر الوضيء، بالنصر المبين مسكتًا صوت الدنايا.

فلا تقل مات العرب فهم أمتي، ولا تقل قبر العرب، وهم وإن ضعفوا ووهنوا وتاهوا وضلوا، فإن لهم تاريخًا سيوقظهم وعقيدة ستجمعهم و.....

الخلق مجتمع طورًا ومفترق *** والحادثات فنون ذات أطوار

لا تعجبن لأضداد إذا اجتمعت *** فالله يجمع بين الماء والنار

ولكن يا صديقي متى يكون ذلك وكيف؟ (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا) (الإسراء: 51)!!

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل