العنوان هل يصبح البحر الأحمر منطقة نفوذ إسرائيلية؟
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997
مشاهدات 81
نشر في العدد 1234
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 14-يناير-1997
ندوات
العرب يسيطرون على ٩٠% من شواطئ البحر الأحمر ولا يملكون استراتيجية موحدة لحمايته
عمان: عاطف الجولاني
يُعد البحر الأحمر أحد أهم الشرايين البحرية؛ حيث يقع عند ملتقى ثلاث قارات، فهو بمثابة جسر يصل الشرق بالغرب، وهو الطريق الأقصر للتجارة الدولية بين الشرق والغرب، ويقع بالقرب من أهم منابع النفط في العالم، كما أنه يزخر بالثروات الغذائية والمعدنية ومصادر الطاقة والصناعة، ويبلغ طول السواحل العربية عليه نحو ٢٦٣٧ ميلًا، ويعتبر بحيرة عربية نظرًا لسيطرة الدول العربية على منافذه البحرية.
وقد أجمع الخبراء والباحثون الذين شاركوا في ندوة مغلقة نظمها مركز دراسات الشرق الأوسط في عمان بالتعاون مع مكتب الآفاق المتحدة بالرياض وعقدت في العاصمة الأردنية الشهر الماضي، على خطورة الأطماع والتهديدات الصهيونية وتزايد النفوذ الصهيوني العسكري والسياسي في منطقة البحر الأحمر وانعكاساتها السلبية على الأمن العربي.
وقد تناولت الندوة خمسة محاور هي:
● مفهوم الأمن القومي العربي والأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر.
● الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية والصراعات التي تدور حوله.
● الأطماع الدولية والصهيونية في البحر الأحمر واستراتيجيتها في السيطرة عليه.
● التواجد العسكري الصهيوني والدولي في البحر الأحمر وانعكاساته على الأمن العربي.
● نحو مشروع قومي عربي لأمن البحر الأحمر.
● الاهتمام العربي بأمن البحر الأحمر تزايد في التسعينيات.
مدير مركز الدراسات الآسيوية في القاهرة الدكتور محمد السيد سليم أشار في ورقته التي قدمها في الندوة إلى الأهمية الاستراتيجية التي يحتلها البحر الأحمر بالنسبة للأمن القومي العربي، وقال: إن الاهتمام العربي بأمن البحر الأحمر بدأ في أعقاب حرب أكتوبر ۱۹۷۳م، ثم تراجع في أواخر السبعينيات بسبب انطلاق العملية السلمية بين مصر وإسرائيل، والتي أدت إلى انقسام في الموقف العربي حول مصادر تهديد أمن البحر الأحمر وسبل مواجهتها، وكذلك بسبب تراجع التنافس الدولي في المنطقة جراء ضعف نفوذ الاتحاد السوفييتي.
وأضاف سليم أن الاهتمام العربي بأمن البحر الأحمر عاد للظهور مجددًا في التسعينيات بسبب عودة الاهتمام الدولي بالبحار كمناطق تعاون إقليمية، وظهور نوع من الحرب الباردة في البحر الأحمر بعد تطور علاقات إريتريا وإسرائيل واحتلال إريتريا لجزيرة حنيش اليمنية، وأشار إلى أنه لا توجد نظرية للأمن القومي العربي، وأن البحر الأحمر يكاد يكون غائبًا عن أدبيات الفكر الاستراتيجي العربي حتى الآن.
الدكتور أحمد سعيد نوفل -أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية- استعرض العوامل التي يستمد منها البحر الأحمر أهميته وأشار إلى موقعه بين شبه الجزيرة العربية وإفريقيا، وقربه من منطقة تحوي أعلى مخزون نفطي في العالم.
وأضاف نوفل أنه على الرغم من أن ٩٠٪ من شواطئ البحر الأحمر تعود لدول عربية، فإنه لا يوجد لتلك الدول استراتيجية موحدة أو حتى مواقف متقاربة لحماية الأمن القومي العربي، مشيرًا إلى أن هذا الأمر لا يقتصر على الدول المحيطة بالبحر الأحمر، حيث لا توجد استراتيجية عربية موحدة لا في البحر الأحمر ولا في مناطق أخرى.
وقال د. نوفل: إن السياسة الإسرائيلية على البحر الأحمر تستند إلى ثلاثة مرتكزات هي:
1- العمل بشكل مباشر لتقوية نفوذها وقوتها البحرية لمنع أي مساس بأمنها، وللحيلولة دون سيطرة العرب على منافذ البحر.
2- الطلب من الولايات المتحدة التدخل لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر.
3- إقامة تحالفات مع الدول غير العربية مثل إثيوبيا وإريتريا ودول إفريقية أخرى لمحاصرة الدول العربية وتهديد أمنها القومي بصورة مستمرة.
وأوضح د. نوفل أن التناقض بين المصالح الإسرائيلية والمصالح العربية في البحر الأحمر لم يقتصر على سنوات الصراع العربي - الإسرائيلي قبل عملية التسوية، بل استمر بعدها، وأكد على أهمية إدراك أن التهديدات الإسرائيلية لن تنتهي حتى بعد توقيع اتفاقات ومعاهدات عربية - إسرائيلية.
● الأطماع الصهيونية بدأت في وقت مبكر:
وأكد وزير الخارجية اليمني السابق الدكتور أحمد الأصبحي في ورقة قدمها حول أهمية البحر الأحمر من الناحية الاستراتيجية، ضرورة الانتباه إلى الأخطار الصهيونية على البحر الأحمر، وقال: إن الأطماع الصهيونية بدأت في وقت مبكر، وأشار إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا اجتمعت عام ١٩٧٥ في روما لمواجهة النفوذ العربي في البحر الأحمر على إثر نتائج حرب أكتوبر ۱۹۷۳م.
واستعرض الأصبحي الدور الإسرائيلي المشبوه في الاعتداء على جزيرة حنيش الكبرى، وقال: إن وحدات إسرائيلية دعمت القوات الإريترية في احتلال الجزيرة. وأشار إلى أن إسرائيل زودت إريتريا بأسلحة استخدمت في احتلال الجزيرة شملت ست طائرات هليكوبتر من طراز هوك ودولفين، وطائرة من طراز عربة المستخدمة في مهمات الدفاع الجوي ومنظومة رادار بحري، ومجموعة صواريخ بحر/ بحر من طراز جبرائيل، وأكد الأصبحي أن التكتيك الذي استخدمه الإريتريون في العمليات البحرية يفوق قدراتهم المحدودة.
● دور إسرائيلي مشبوه في النزاع الإرتيري – اليمني:
وقال الدكتور حسن أبو طالب -رئيس وحدة العلاقات الدولية في مركز الدراسات الاستراتيجية في القاهرة- إن البحر الأحمر يمثل أهمية كبرى للأمن القومي العربي، لأن سبع دول عربية لها شواطئ عليه، منها ثلاث ليس لها منفذ بحري آخر، كما أن مضائقه الثلاثة: باب المندب وتيران وجويال بالإضافة إلى قناة السويس التي تتحكم بمداخل ومخارج البحر، تقع كلها في مياه إقليمية عربية، الأمر الذي يمكنها من تقييد حركة مرور السفن المعادية التي قد تشكل تهديدًا للأمن القومي الدول المنطقة.
وأشار أبو طالب إلى أن احتلال إريتريا لجزيرة حنيش الكبرى في ١٦/١٢/١٩٩٥م قد زاد من أهمية أمن البحر الأحمر إقليميًّا ودوليًّا، ونوه إلى خطورة الدور الصهيوني في النزاع الإريتري - اليمني، خصوصًا مع استلام حزب الليكود للسلطة في إسرائيل، وتأزم العملية السلمية. وأكد أبو طالب أن الأطماع الصهيونية في البحر الأحمر تثير الكثير من الأخطار على الأمن القومي العربي بشكل عام وعلى الأمن القطري للدول العربية بشكل خاص.
وقال الدكتور منصور الزنداني -أمين عام جامعة صنعاء- إن التغلغل الصهيوني في البحر الأحمر يشكل مصدر تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة، خاصة في ظل النظرة المستقبلية للسياسة الإريترية التي عبر عنها التنسيق مع إسرائيل في احتلال جزيرة حنيش من أجل السيطرة على مضيق باب المندب، الذي يعتبر أرخبيل حنيش صمام التحكم والأمان فيه. وأضاف الزنداني أن التعاون الأمريكي - الصهيوني في البحر الأحمر هو صورة من صور التهديد للأمن القومي العربي.
● أسباب الاهتمام الإسرائيلي بالبحر الأحمر:
وشرح الدكتور ذياب مخادمة -أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية- مبررات الاهتمام الإسرائيلي المبكر بالتواجد على شواطئ البحر الأحمر بوصفه متنفسًا هامًّا خارج البيئة الجغرافية المحيطة، وكونه يفتح آفاقًا للتعاون مع القارة الإفريقية وجنوب وشرق آسيا، خاصة أن إسرائيل كثفت تواجدها في القارة الإفريقية في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية، كما عملت على توطيد علاقات قوية مع دول إفريقية غير عربية.
وأكد مخادمة في ورقة قدمها حول الأطماع الصهيونية في البحر الأحمر أن مستقبل الوضع في البحر الأحمر سيكون ذا طابع تنافسي عربي – إسرائيلي، وأن السياسة الإسرائيلية تسعى لجعل البحر الأحمر منطقة نفوذ صهيونية.
وفي ورقته حول التواجد العسكري الإسرائيلي الدولي في البحر الأحمر وانعكاساته على الأمن القومي العربي، قال اللواء طلعت مسلم -مدير عام تحرير صحيفة الشعب المصرية- إن إسرائيل تسعى إلى تطوير علاقاتها العسكرية مع بعض دول البحر الأحمر بشكل معلن وغير معلن وعلى الأخص مع إريتريا وإثيوبيا، وذلك بسبب شعورها بالأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ورغبتها في شق الحصار العربي عليها في هذا البحر، وحذر من انعكاسات التواجد الإسرائيلي والدولي على أمن الدول العربية عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وقال: إنها تهدد الأمن القومي العربي بشكل كامل وليس فقط أمن الدول العربية المطلة على البحر الأحمر.
● تهديدات إقليمية ودولية:
رئيس هيئة الموانئ في السودان اللواء محمد عبد القادر عمر، أكد أن الخلافات العربية في المنطقة والنزاعات القومية والخلافات الحدودية بين بعض دول البحر الأحمر تعد من أبرز الأمور التي تؤثر على أمنه، إضافة إلى التهديدات الإسرائيلية والأمريكية. وحض اللواء عمر الدول العربية المحيطة بالبحر الأحمر على بناء استراتيجية عربية موحدة تعتمد على توفير الحماية للدول العربية منفردة ومجتمعة، ودعا إلى جعل البحر الأحمر بحيرة عربية من خلال تعزيز القوة العربية وإنشاء مؤسسات بحثية علمية واقتصادية وعسكرية ذات طبيعة استراتيجية.
ودعا أحمد بن حلي -مستشار الأمين العام لجامعة الدول العربية- لتحقيق الأمن الجماعي لدول البحر الأحمر والتعاون العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي لحماية الأمن القومي العربي.
وقال الدكتور محمد صفي الدين -أستاذ العلوم السياسية في جامعة آل البيت- إن هناك إجماعًا على أن كلًّا من إسرائيل وأطماع الدول العظمى وأطماع دول الجوار تعد أهم مصادر التهديد للأمن القومي العربي في البحر الأحمر. وأكد على ضرورة إنهاء الخلافات العربية وضمان الاستقرار السياسي، وتحييد بعض القوى الإقليمية، وتأسيس مجلس مشترك للدول العربية المطلة على البحر الأحمر من أجل تنسيق الجهود الأمنية العسكرية المشتركة لحماية الأمن العربي.
وحذر الدكتور توفيق القصير مدير -عام مكتب الآفاق المتحدة للاستشارات بالرياض- من تفاقم خطر الوجود العسكري الأجنبي في البحر الأحمر خصوصًا ما يتعلق بالقواعد والتسهيلات العسكرية التي حصلت عليها إسرائيل وبعض الدول الغربية في مياهه، معتبرًا أن إقدام إريتريا على احتلال جزيرة حنيش اليمنية دليل على ضعف الترتيبات الأمنية العربية في البحر الأحمر. وأكد القصير أن عدم وجود استراتيجية عربية واضحة لأمن البحر الأحمر يجعله عُرضة للطامحين ويزيد من التهديدات والأخطار التي تستهدفه، وقال: إن هذا الممر المائي الحيوي أصبح مهددًا من قوى إقليمية عدة في مقدمتها إسرائيل، مما يوجب على الدول العربية أن تعيد حساباتها السياسية والاستراتيجية، وأن يكون لها رؤية استراتيجية واضحة لأمن البحر الأحمر مدعومة بوجود عسكري عربي يتناسب في مستواه مع حجم الأخطار المحدقة.
الأستاذ جواد الحمد -مدير مركز دراسات الشرق الأوسط- الذي نظم الندوة، أشار إلى حجم الخطورة التي يتعرض لها الأمن العربي في البحر الأحمر نتيجة التواجد والنفوذ الصهيوني العسكري الذي يشكل نقطة اختراق في مكونات وموازين القوى بين العرب وإسرائيل، ويمثل تهديدًا للأمن القومي العربي وللأمن القطري للدول المحيطة بالبحر الأحمر.
● البيان الختامي:
وأكد المشاركون في الندوة في بيانها الختامي على أهمية أمن البحر الأحمر في نظرية الأمن القومي العربي، وحذروا من تزايد الأطماع والتواجد الصهيوني العسكري في منطقته، ودعوا إلى تفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك بين دول البحر الأحمر العربية، وإلى منح تسهيلات عربية للأساطيل العربية بديلًا عن تواجد الأساطيل الأجنبية، كما دعوا إلى تكثيف المناورات المشتركة بين الدول العربية، وإلى إنشاء قوة عربية لتأمين مصالح العرب في البحر الأحمر.