العنوان هل يسقط ياسر عرفات؟
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1993
مشاهدات 140
نشر في العدد 1056
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 06-يوليو-1993
· أنباء تؤكد طلب الإدارة الأمريكية حل منظمة التحرير تمهيدًا للبدء
في مرحلة الحكم الذاتي.
· عندما طالب عرفات بتقديم هاني الحسن للمحاكمة تصدى له أعضاء اللجنة
المركزية وطالبوا بمحاكمته هو أيضًا.
تحولات دراماتيكية في المشهد الفلسطيني
شهدت الساحة الفلسطينية خلال الآونة الأخيرة مجموعة من التطورات
الدراماتيكية الهامة على المستويين التنظيمي والسياسي، وصفها أحد المحللين
السياسيين بأنها ربما كانت بداية لمرحلة مخاض قد تؤدي إلى إحداث تغييرات
واسعة وجذرية في معالم الواقع الفلسطيني المتردي، والذي تجمع مختلف الأوساط
السياسية على أنه يمر بأدق مراحله وأخطرها على الإطلاق، خاصة في ظل حالة الانقسام
والتمزق التي تسود الساحة الفلسطينية وتهدد بحدوث شروخات خطيرة في المستقبل القريب. وعلى الرغم من أن قيادة المنظمة الفلسطينية نجحت
خلال العقود 3 الماضية في تجاوز العديد من الأزمات والتحديات التي شكلت تهديدًا
جديًّا ومباشرًا لمصير المؤسسة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات، إلا أن الأزمة
الحالية التي تمر بها تلك القيادة تختلف كثيرًا عن سابقاتها من حيث حجم وطبيعة تلك
التحديات ومن حيث الظروف والأوضاع التي تأتي في ظلها.
استقالة السائح وصاعق التفجير
فبعد مرور أقل من شهر على الأزمة الحادة التي واجهها عرفات في اتخاذه
لقراره الخطير بالمشاركة في جولة المفاوضات 9، والتي كانت مثار جدل واسع في الساحة
الفلسطينية وخاصة في ظل الأزمة التي ظهرت بشكل واضح بين عرفات وبين رئيس الوفد
الفلسطيني المفاوض الذي رفض في بداية الأمر المشاركة في تلك الجولة. فقد جاءت
استقالة الشيخ عبد الحميد السائح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني- الذي كان يصنف ضمن
الموالين وبلا تحفظ لسياسات عرفات- من منصبه في قمة هرم السلطة التشريعية لتشكل
ضربة قوية وتحديًا خطيرًا لموقف ياسر عرفات الذي يمر بأسوأ أوضاعه، ولتفجر الكثير
من الأزمات داخل المؤسسة الفلسطينية. فاستقالة
السائح غير المتوقعة فاجأت عرفات ووضعته في موقف حرج للغاية بعد الاتهامات
والانتقادات الحادة التي برر بها السائح استقالته. فقد عزا خطوته تلك إلى أخطاء
القيادة الفلسطينية والتنازلات الخطيرة التي قدمتها في عملية المفاوضات، وقال إنه
يريد تسليم الأمانة التي يحملها دون أن يسجل عليه أنه استسلم أو فرّط في قضية
الشعب الفلسطيني، وهي إشارة واضحة إلى موقفه من التنازلات التي قدمتها قيادة
المنظمة من أجل الحفاظ على موقعها في العملية التفاوضية.
أزمات تنظيمية ومالية عاصفة
ولم تكن استقالة السائح وردود الفعل الواسعة التي أثارتها داخل
الأوساط الفلسطينية هي الحدث الوحيد الذي أثار الكثير من علامات الاستفهام حول
مستقبل المؤسسة الفلسطينية وزعامتها، فهناك الكثير من الأزمات التي تتفاعل داخل
أوساط المنظمة وإن كان الكثير منها لا يحظى باهتمام إعلامي مماثل. فخلال نفس
الفترة التي قدم فيها السائح استقالته، شهدت أوساط منظمة التحرير جدلًا حادًّا حول
القرار الفردي الذي اتخذه عرفات بنقل حوالي 4000 من كوادر وموظفي المنظمة الذين
يتلقون رواتبهم من الصندوق القومي الفلسطيني، من تونس إلى منطقة «السارة» في
الصحراء الليبية.. وقد أثارت هذه الخطوة استياء واسعًا داخل أوساط المنظمة التي
فسرت هذا القرار بأنه ربما كان بداية خطة لتفكيك منظمة التحرير انسجامًا مع
استحقاقات العملية التفاوضية فعرفات كان يدرك مسبقًا أن الغالبية العظمى من كوادر
المنظمة التي تقرر نقلها سترفض تنفيذ هذا القرار وبالتالي ستفقد مواقعها التنظيمية
داخل المؤسسة الفلسطينية لا سيما وأن عرفات قرر ربط صرف مخصصاتهم بالامتثال لقرار
النقل الذي اعتبرته أوساط فلسطينية بمثابة نفي إجباري لتلك الكوادر.
ويضاف إلى تلك الخطوة القرارات التي اتخذت تحت غطاء ما يسمى بالأزمة
المالية التي تمر بها مجموعة أخرى من منظمة التحرير وتتعلق بوقف المخصصات المالية
لأسر الشهداء والمعتقلين، وتقليص نفقات المؤسسات التعليمية وتجميد تقديم التأمينات
الصحية داخل الأراضي المحتلة، ولا شك أن هذه القرارات ستكون لها نتائج سلبية على
آلاف الأسر داخل الأراضي الفلسطينية التي تعاني وضعًا اقتصاديًّا خانقًا. وقد شككت بعض المصادر الفلسطينية المطلعة على
حقيقة الوضع الداخلي للمؤسسة الفلسطينية، بصحة ما يشيعه عرفات حول وجود أزمة مالية
فعلية- تعاني منها المنظمة- وأشارت تلك المصادر إلى أنه في الوقت الذي تقطع فيه
المخصصات المالية عن أسر الشهداء والمعتقلين، فإن المسؤولين المتنفذين في منظمة
التحرير لا يزالون يحافظون على جميع امتيازاتهم المالية الضخمة التي ترهق ميزانية
المنظمة، كما أن النفقات الباهظة للوفد الفلسطيني التي تجاوزت الـ 6 ملايين دولار
قبل أكثر من نصف عام لم تتأثر بالأزمة المالية التي يتحدث عنها عرفات، بل إن الرشا
وشراء الذمم التي ينفقها عرفات لأركان المعارضين وضمان استمرارية ولاء المتنفذين
داخل المنظمة والتي تستهلك جزءًا كبيرًا من أموال المنظمة، لم تتأثر هي أيضًا بتلك
الأزمة الخانقة. وأشارت تلك المصادر إلى أن الإجراءات الأخيرة التي أقدم عليها
عرفات تؤكد إلى حد كبير الأنباء التي صدرت عن عدة مصادر فلسطينية وعربية حول
مطالبة الإدارة الأمريكية عن طريق وسيط عربي بضرورة البدء بحل منظمة التحرير
تمهيدًا للمباشرة في ترتيبات المرحلة الانتقالية وتسليم السلطات إلى إدارة الحكم
الذاتي.
تصدعات في جدار حركة فتح
فقد بدأت حركة فتح التي استند إليها عرفات في مواجهته لجميع التحديات
والعواصف التي مرت به في المراحل السابقة، والتي لم تشهد منذ عام 1983 أية
انشقاقات مؤثرة داخل أطرها وتمكنت خلال السنوات الـ 10 الماضية من الحفاظ على
وحدتها وتماسكها، بدأت بالتململ مؤخرًا، وعلى الرغم من أن الاغتيالات المتكررة
لقيادات فتح التاريخية- والتي كان آخرها اغتيال خليل الوزير «أبو جهاد» وصلاح خلف
«أبو إياد» وهايل عبد الحميد «أبو الهول»- قد أدت إلى خلو الحركة من قيادات قوية
تملك القدرة والجرأة على مواجهة عرفات، إلا أن الأمر بدأ بالتغير مؤخرًا، وبات
عرفات يشعر بأن نفوذه داخل الحركة أصبح مهددًا أكثر من أي وقت مضى.
وقد تسربت لعرفات معلومات مؤكدة عن اجتماع عقد خلال الشهر الماضي في
عمان حضره عضو اللجنة المركزية لحركة فتح هاني الحسن «أبرز المنافسين لعرفات داخل
الحركة» وعدد كبير من قيادات فتح في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأنهم ناقشوا
عددًا من القضايا السياسية والتنظيمية وخاصة فيما يتعلق بالوضع التنظيمي للحركة
وموضوع المفاوضات، وأنه تم بحث خطة للتحرك التنظيمي من أجل إعادة الاعتبار للحركة
كأحد أكبر التنظيمات الفلسطينية، كما وجه المجتمعون اتهامات أمنية ووطنية لعدد من
زعامات فتح المرتبطة بعرفات كفيصل الحسيني وحنان عشراوي وسري نسيبة.
وفور سماع عرفات تفاصيل ما دار في ذلك اللقاء، دعا إلى عقد اجتماع
طارئ للجنة المركزية لحركة فتح التي تعتبر الهيئة القيادية العليا للحركة في 19
حزيران الماضي. وقد انعقد اجتماع اللجنة برئاسة عرفات الذي فجر اللقاء منذ البداية
وطالب بمحاسبة هاني الحسن وتقديمه للمحاكمة بتهمة العمل على شق وحدة الحركة، وعقد
تحالفات مع حركة حماس وبعض قوى المعارضة الفلسطينية وتسريب معلومات ووثائق خاصة
بفتح إلى تلك القوى. وعند ذلك تصدى عدد من أعضاء اللجنة المركزية لعرفات وطالبوا
بتقديمه هو أيضًا للمحاكمة بتهمة تشجيع الفساد المالي والإداري والتستر على بعض
الذين تحوم حولهم شكوك مالية، كما هاجموا بعنف تفرده في اتخاذ القرارات السياسية والتنظيمية
دون الرجوع إليهم أو استشارتهم، وأعربوا عن قلقهم على مصير أموال المنظمة بعد زواج
ياسر عرفات من سهى الطويل، وقد انسحب عرفات على الفور من الجلسة ولوح بتقديم
استقالته من رئاسة الحركة بعد مشادات حادة خرج عرفات منها خاسرًا بشكل لم يكن
يتوقعه أبدًا، خاصة وأنه لم يتعود على مثل هذه المعارضة الحادة لتوجهاته، وهو ما
اعتبره بداية لانقلاب حقيقي ضده من داخل الحركة التي وقفت إلى جانبه دائمًا في
مواجهة خصومه السابقين.
معارضة داخلية وتمرد عسكري
ومع أن البعض يرى أن عرفات قد استطاع تجاوز أزمته الحالية مع اللجنة
المركزية لفتح من خلال تقديم بعض التنازلات وخاصة في موضوع الفساد المالي
والإداري، حيث تم تشكيل لجان تحقيق ومتابعة لعدد من القضايا المالية والتنظيمية،
إلا أن عرفات يدرك جيدًا أن الأمر يتجاوز حدود الخلاف داخل الأطر القيادية، فهو
يتابع وبقلق بالغ تنامي المعارضة الداخلية في فتح لتوجهاته وسياساته ويشعر بأنها
لم تعد تقتصر على توجيه اللوم لبعض ممارساته التنظيمية أو السياسية، بل تجاوزت ذلك
لتأخذ شكلًا منظمًا. فقد أعاد المعارضون لسياسات عرفات داخل فتح إصدار نشرة «نداء
العاصفة» داخل الأراضي المحتلة وتبنوا فيها مواقف معارضة تمامًا لتوجهاته وخاصة
فيما يتعلق بالمفاوضات التي تشعر كوادر فتح في الداخل أنها تتحمل أكثر من غيرها
تبعات المشاركة فيها.
ورغم استخدام عرفات لشعار الأزمة المالية لتحجيم الاتجاهات المعارضة
داخل فتح والضغط عليها، فإن حالة السخط والتذمر تتفاقم داخل صفوف الحركة، وقد أكدت
الأخبار الواردة من الأراضي المحتلة أن كوادر فتح قامت بعزل قيادة ما يسمى باللجان
السياسية التي شكلها بعض المحسوبين على عرفات داخل فتح من أجل التمهيد لنقل سلطات
الحكم الذاتي. وقد أدى قرار
عرفات الذي اتخذه مؤخرًا بحل التشكيلات العسكرية لحركة فتح إلى ما يشبه حالة
التمرد داخل تلك التشكيلات التي عبرت عن غضبها من خلال تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة
مع حركة حماس وينظر عرفات بقلق بالغ إلى هذا التطور الخطير الذي يخشى أن يشكل في
حال تصاعده تحديًا جديدًا لنفوذه داخل حركة فتح وفي أوساط الشارع الفلسطيني الذي
رحب بشدة بهذه الخطوة التنسيقية بين الكوادر العسكرية للحركتين.
الهروب من خلال افتعال الأزمات
وللتخفيف من حدة الأزمات التي يواجهها داخل حركته المؤسسية
الفلسطينية، فقد حاول عرفات خلال الفترة الماضية فتح مواجهات إعلامية وسياسية مع
حركة حماس والحركة الإسلامية في الأردن.
حيث وجه خلال شهر مايو الماضي رسالة حادة إلى نواب الحركة الإسلامية
في الأردن اتهمهم فيها بالتدخل في الشؤون الفلسطينية الخاصة وبتحريض حركة حماس ضد
قيادة المنظمة وقد أعرب مسؤول في جماعة الإخوان في الأردن لـ«المجتمع» عن دهشته
واستيائه من تصرفات عرفات وسعيه لفتح مواجهة غير مبررة معهم، وقال إن عرفات الذي
يعتبر دعوتهم له للانسحاب من المفاوضات تدخلًا في الشؤون الفلسطينية الداخلية،
يسمح في الوقت نفسه لجميع القوى الخارجية أمريكية وعربية بالضغط عليه من أجل اتخاذ
قرارات عارضتها الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني وقواه السياسية.
كما أعاد عرفات مجددًا توجيه اتهامات سابقة لحركة حماس حول علاقتها مع
إيران وارتباط قرارها السياسي والتنظيمي بجماعة الإخوان في الأردن ورد محمد نزال لـ«المجتمع»
على تلك الاتهامات بقوله: «إن عرفات يواجه أزمة حادة داخل فتح ومنظمة التحرير، وهو
يحاول الخروج منها من خلال افتعال مواجهات جانبية للتغطية على حالة التذمر الناتجة
عن هيمنته وتفرده في اتخاذ القرار داخل مؤسسات المنظمة»، وأضاف نزال في تصريحه
لـ«المجتمع»: «إن حماس تدرك جيدًا أهداف عرفات من افتعال مثل هذه الأزمات. أعضاء
اللجنة المركزية واجهوا عرفات بمخاوفهم على أموال المنظمة بعد زواجه من سهى الطويل
فاحتج وانسحب من الجلسة وإنها لن تنساق وراء استفزازاته». أما الدكتور عبد العزيز الرنتيسي المتحدث الرسمي باسم المبعدين
الفلسطينيين في جنوب لبنان، فقد اعتبر أن أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الحالية
التي تمر بها الساحة الفلسطينية تكمن في أن قلة مستغلة تمسك في يدها قدرات المنظمة
وتتحكم في مقدراتها. وأضاف في
تصريحه لـ«المجتمع» أن القرارات الأخيرة التي اتخذتها قيادة المنظمة وخاصة قرار
استئناف الجولة العاشرة للمفاوضات، تؤكد بشكل واضح أن تلك القرارات جاءت
بشكل فوقي ودون الرجوع إلى رأي الشعب الفلسطيني أو حتى الوفد المفاوض نفسه الذي
ازداد التناقض في مواقف أعضائه، وأعرب الرنتيسي عن خشيته من أن تكون تلك القلة
المتنفذة قد أقدمت على إبرام اتفاق سري سقفه الأعلى مشروع المبادئ الإسرائيلي.
احتمالات المستقبل
ربما يكون من الصعب التكهن في المرحلة الحالية بمستقبل قيادة المنظمة
المتمثلة في ياسر عرفات في ظل الأزمات التي تشهدها على أكثر من صعيد، ولكن الأمر
المؤكد هو أن قدرتها على تخطي تلك التحديات سيرتبط إلى حد كبير بطريقة تعاملها مع
قضية المفاوضات، ومدى قدرتها على إقناع الشارع الفلسطيني بجدوى استمرار مشاركتها
في التسوية السياسية الراهنة. ولا شك أن
استمرار المفاوضات بشكلها الحالي دون تحقيق أي تقدم على المسار الفلسطيني، سيعزز
موقف التيارات السياسة المعارضة لنهج المفاوضات وفي مقدمتها حركة حماس وسيجعل فرصة
عرفات في البقاء ضعيفة، لكن الأيام القادمة كفيلة وحدها بكشف هذه التكهنات.
اقرأ أيضا: