العنوان هل يروي السراب ظمأ العطشان؟!
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الأحد 24-مايو-1992
مشاهدات 62
نشر في العدد 1002
نشر في الصفحة 35
الأحد 24-مايو-1992
«شبكة
بحر الإيمان» اسم لموجة جديدة من التمرد على الإيمان بالعقيدة المسيحية في شأن
المسيح عليه السلام، يضم هذا التجمع القوي نحو ۲۰۰ من رجال الدين النصارى في بريطانيا من مختلف الفرق
النصرانية.. أعلن هؤلاء على الملأ، وعبر الشاشة الصغيرة، أنهم لا يؤمنون بالبعث
الجسماني للمسيح ولا بألوهيته كما أعلنوا أنهم لا يؤمنون بحقيقة العقيدة التي
يدعون إليها.. من أبرز هؤلاء الرافضين تحت مسمى حرية العقيدة المبجل دون كوبيت Don Cupitt عميد كلية عمانويل في كمبردج، وقال أحدهم: إن
الكنيسة منشأة بشرية ربما يتوجب عليها أن تتدبر احتمال موتها. وحين سئل أحدهم-
المبجل ديفيد باترسون- قسيس كنيسة القديس بطرس في لاف بورو لمدة ٢٨ سنة – عما إذا
كان يؤمن بالبعث الجسماني للمسيح. قال: «لا أظن ذلك، يبدو من الصعب علميًا الإيمان
بذلك. ويبدو الأمر من حيث الأسس الدينية، غريبًا، بل ضارًا» (التايمز اللندنية ١٨/
٤/ ١٩٩٢ ص ١)
وتعليقًا
على هذا التمرد، قال أحد الكتاب في «التايمز» إن النظرة الأرثوذكسية الرسمية لم
توضح على الإطلاق بشكل كافٍ خلال المناقشات الدائرة، فإذا كان ما يقوله القسيس غير
صحيح، فما هو الصحيح؟ (التايمز ١٨/ ٤/ ١٩٩٢ ص ١٢).
وتخشى
«التايمز» في مقالها الافتتاحي من الانشقاق الذي يتهدد الكنيسة من خلال هذه
الانشقاقات في العقيدة فكتبت تدعو إلى وحدة الاثنين (التايمز ٢٠/٤/١٩٩٢) وجاء في
المقال: إن تعيين د.جورج كاري (قسًّا) أعظم في كانتربري ۱۹۹۰ صاحبه أمل أن يتمكن، بسبب خبرته التبشيرية
وقدراته الأكاديمية المعروفة، أن يقود مواجهة قوية ضد الليبرالية (التحررية)
اللاهوتية في الكنيسة. لكن مجرة العقيدة الإنجيلية مستمرة في التمدد مع أشد حالات
التطرف الآخذة في التباعد عن بعضها بسرعة كبيرة إلى حد أنه أصبح من الصعب أن نتحدث
عن كنيسة واحدة أو عقيدة واحدة. (التايمز 1992/4/20)
ما السر وراء ذلك التشقق؟
عزا
مقال التحرير ذلك إلى الحرية (الليبرالية) في العقيدة، وذكر أن ثمن هذه الحرية على
الكنيسة باهظ، وأن غالبية الأمة أصبح لديها انطباع أن كنيسة إنجلترا أصبحت تعمل من
أجل أشياء كثيرة متناقضة في وقت واحد وأنها من هنا تعمل من أجل لا شيء (المصدر
السابق نفسه) وأبدى كاتب المقال إعجابه بملاحظة قسيس سالزبوري «إذا لم تؤمن فلا حق
لك في تمثيل الكنيسة المسيحية».
أما
السبب الحقيقي فلم يتعرض له أحد.. إنه الزيف الذي خالط العقيدة التي أوحاها الله
صافية إلى عبده ورسوله عيسى ابن مريم فحولها شاؤول اليهودي وغيره إلى مجموعة من
العقد تأبى الفطرة السوية قبولها، ولا تجد غرابة في رفضها كما فعل أولئك القسس
الذي صرحوا بما في نفوسهم، أما الحرية– بالمفهوم الغربي العلماني– فقد تكون سببًا
فيما حدث، لكنها هي نفسها ثمرة لعزل الدين الصحيح عن الحياة، ولعدم وجود العقيدة
الصحيحة مما سوغ للناس أن يزعموا أن تمردهم على العقيدة حق لهم تحت مظلة الحرية،
قد يكونون على حق فيما فعلوا، نظرًا لظروف العقيدة عندهم، إلا أن المبدأ من حيث هو
غير صحيح ولا حق لأحد فيه إذا كان الأمر يتعلق بالحقائق الثابتة، فهل من حق أحد أن
ينكر الشمس الساطعة بحجة الحرية؟ أو أن ينكر حق الآخرين في الحياة، أو في الدفاع
عن حقوقهم أو أن يحترموا عقولهم ويصدقوا مع فطرهم حين يؤمنون بالله ربًّا ومعبودًا
ومشرعًا؟!
قد يكون
أولئك القسس المتمردون قد ملوا البقاء على الزيف ولما يهتدوا إلى الحق، فندعو الله
أن يهديهم وكل من على شاكلتهم وعلى المسلمين خاصة في بريطانيا مسؤولية تبليغ رسالة
الحق إليهم لعلهم يهتدون.
وإذا
كان الغيورون على النصرانية يخشون على وحدتها من تلك الدعوات الانشقاقية، فما الذي
يجب على المسلمين أهل الدين الحق أن يفعلوا؟ ليس في الإسلام إرهاب ولا إكراه في
الدين، وإنما فيه جهاد ودعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وجدال بالتي هي أحسن، وحرص
على هداية من يضل، فهداية واحد خير من الدنيا وما فيها، أما ما هو سائد بين معظم
المسلمين اليوم من الجهل بالإسلام واللامبالاة بما يصيبه فأمر يحزن ولكنه يستوجب
الحركة لإصلاح المعوج.. فهل نحن فاعلون؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل