; هل يرضى الغرب بقيام دولة إسلامية أصولية نموذجية؟ (2) | مجلة المجتمع

العنوان هل يرضى الغرب بقيام دولة إسلامية أصولية نموذجية؟ (2)

الكاتب د. محمد البصيري

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994

مشاهدات 64

نشر في العدد 1099

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 10-مايو-1994

ذكرت في المقالة السابقة بأن كل الدراسات الاستراتيجية الغربية تتفق على أن الدولة الإسلامية الأصولية قادمة لا محالة، وأنه لا سبيل للوقوف في وجهها ومنع قيامها، وأن الاختلاف الذي عندهم هو فقط كيف يمكن تأخير نشوء مثل هذه الدولة وكيفية التعامل معها عند قيامها.

ومنطلقات الغرب وأسباب محاربته ومعارضته الشديدة لقيام دولة إسلامية أصولية نموذجية عديدة ومتشعبة، متناسقة ومتفاهمة في بعض الأحيان ومختلفة ومتعارضة في أحيان أخرى، تبعًا لاختلاف المصالح والمنطلقات، وسأركز على أربعة عوامل رئيسية يشترك بها الغرب في معارضته ومحاربته لقيام هذه الدولة الإسلامية.

أولاً: المصالح

يظن كثير من الساسة الغربيين بأن الدولة الإسلامية الأصولية القادمة ستعمل على تدمير المصالح الغربية في أراضيها، وفي بقية البلدان الإسلامية الأخرى، وستعلن حربًا لا هوادة فيها على كل ما يمت إلى الغرب والمصالح الغربية بصلة، وهذا الظن لا أساس له من الصحة، فكلنا يعلم بأنه لا يمكن لأي دولة في العالم أن تعيش بمعزل عن بقية العالم من حولها، وأن العلاقات الدولية والانفتاح على الأسواق العالمية أصبح من ضروريات ومسلمات بقاء الدول واستمرارية نمائها.

بل إن المنظمات الدولية وبعض الدول الغربية إذا أرادت أن تعاقب دولة ما فرضت عليها حصارًا اقتصاديًا وعزلتها دوليًا، فهل يعقل أن تعاقب الدولة الإسلامية نفسها بنفسها، وتضرب مصالحها وعلاقاتها الدولية بحجة محاربة المصالح الغربية؟!

ثانياً: المنطلقات الأيديولوجية

وهذا العامل هو من أخطر العوامل والمسببات في ارتفاع بعض الأصوات في الغرب المنادية بضرب كل الجماعات الإسلامية التي تنادي وتبشر بظهور الدولة الإسلامية الأصولية النموذج، وتصف كل هذه الجماعات بالتطرف والإرهاب.

فهذا المستشار الألماني هلموت كول يكشف عن عدائه وعداء بعض القادة الغربيين في كلمة ألقاها يوم السبت التاسع والعشرين من يناير الماضي، غداة عودته من واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، في مؤتمر للخبراء الألمان في الشؤون الدفاعية والأمنية في مدينة ميونيخ، يقول فيها: «إن الحركات الإسلامية الأصولية في شمال أفريقيا تثير قلقًا متزايدًا في بون وباريس، ويتم رصدها ودراستها بعناية ودقة. إن الخطط الأمنية لأوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط في حاجة إلى إعادة نظر في ضوء ما يجري في الجزائر والمغرب ومصر وتونس».

وحذر كول المتخصصين الألمان في القضايا الأمنية من احتمال حصول الإسلاميين المتطرفين في منطقة البحر المتوسط على صواريخ متوسطة المدى، يمكنها ضرب أهداف على بعد ألف كيلو متر، حيث سيواجه الأمن الأوروبي من جراء ذلك خطرًا بالغًا، وأكد الزعيم الألماني أن ألمانيا وفرنسا تتبادلان المعلومات وتتعاونان عن كثب في متابعة الأنشطة الإسلامية.

وأبدى خشيته من أن يسيطر المسلمون المتطرفون على الحكم في الجزائر، وأن تجد فرنسا نفسها بعد ذلك وجهاً لوجه مع جبهة عريضة تتألف من أربعة ملايين لاجئ، درسوا كلهم في أوروبا، وفي هذه الحالة قال الزعيم الألماني: «من الطبيعي أن تستعين فرنسا عسكريًا بألمانيا، وهذا شيء يمكن تصوره مسبقًا».

وطلب المستشار كول من المتخصصين الألمان في المجالات الدفاعية والأمنية أن يعدوا الجيش الألماني لمواجهة المسلمين المتطرفين في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن يدربوه نفسيًا ومعنويًا لمثل هذه المواجهة، وتوسع كول في خطابه العجيب الغريب موضحًا أن الأزمة التي سيخلقها المسلمون المتطرفون لن تكون محدودة بالمواجهة في نطاق دول البحر الأبيض المتوسط، وإنما -حسب معلومات أجهزة المخابرات- ستتسع دائرة الحرب العقائدية، بحيث ستبلغ عمق أوروبا.

وبين كول أن أكبر عدد من المسلمين المتطرفين موجودون في ألمانيا، ولكن خطر الإرهاب الإسلامي هو أكبر في الآونة الحالية في فرنسا وبلجيكا منه في ألمانيا.. انتهى.

وفي باريس اعتبر وزير الخارجية الفرنسي رولان دوما أن تصاعد الموجة الأصولية في الشرق الأوسط وفي حوض المتوسط سيكون الظاهرة الأخطر والأكثر أهمية خلال السنوات المقبلة، وقال دوما في تصريح لـ«مونتي كارلو» في مارس من العام الماضي ردًا على سؤال حول الوضع في الجزائر ومصر: «ولابد من الأخذ بعين الاعتبار تفاقم الوضع والتصاعد الكبير للأصولية في كل مكان، وفي كل أنحاء الشرق الأوسط في حوض المتوسط وفي إفريقيا».

وفي روما قال وزير الداخلية الإيطالي السابق نيكولا مانشينو للإذاعة: «إن الخطر الإرهابي الرئيسي الذي نواجهه يأتي من الأصولية الإسلامية»، وأضاف: «إننا نشهد تصعيدًا للأصولية في الولايات المتحدة وسويسرا وألمانيا وفرنسا، وهو مرتبط أيضًا بالتوترات العرقية في البلقان وأجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق». وقال الوزير أمام البرلمان الإيطالي: «أنا لا أعبر عن آراء شخصية وإنما أنقل إليكم رأي أجهزة مخابراتنا ولجنة النظام والأمن القومي» انتهى.

واختتم هذه النقولات بتصريح أدلى به نيقولاي شيشلين، أحد المستشارين السياسيين للرئيس الروسي بوريس يلتسين للإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 5/1/1992م قال فيه: «لقد أثبتت حرب الخليج أن وجود عالم عربي موحد لم يكن إلا مجرد خيال، وحتى ذلك لم يعد له وجود»، وأضاف: «إن الخطورة تكمن اليوم في إيجاد قوة إسلامية موحدة».

لا شك أن هذه التصريحات للسياسيين الغربيين والشرقيين توضح وبجلاء نظرة الشرق والغرب للدولة الإسلامية القادمة، وهي تؤكد قول الباري عز وجل في محكم التنزيل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة 120). فالمنطلقات الأيديولوجية الدينية الصليبية والصهيونية لا يمكن أن تلتقي مع الدولة الإسلامية الأصولية، ولذلك كانت هذه المنطلقات هي الأخطر والأكثر حدة في معارضتها لقيام دولة الإسلام المنتظرة.

والحديث بقية.. والله المستعان.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان