; هل وصل المنكر اليوم إلى درجة الكفر؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل وصل المنكر اليوم إلى درجة الكفر؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2005

مشاهدات 91

نشر في العدد 1669

نشر في الصفحة 56

السبت 17-سبتمبر-2005

الخروج المسلح ضد الدولة والمجتمع «٢ من ٣»

غالبية أهل السنة والجماعة اتفقوا على عدم جواز الخروج المسلح

مسألة التكفير رافقها كثير من الغلو وأصبحت من أهم وسائل الفتنة وتمزيق الأمة

السلف تركوا الخروج على الحكام الفسقة عندما وجدوا أنه أفضى إلى فتنة أكبر

يعتبر بعض الناس أن المنكر في المجتمع المسلم وصل إلى درجة الكفر، سواء من الحكام أو من الأفراد أو من الأحزاب وفي هذه الحالة قد لا تؤدي فريضة «النهي عن المنكر»دورها في الإصلاح، فيطرح بعض الشباب مسألة القتال أو الجهاد، منطلقين من فكرتين المستشار الشيخ فيصل مولوي.

الأولى: جواز مقاتلة الكافر لمجرد كفره، وهذا غير صحيح في رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، فهم يقولون بأن «علة القتال المحاربة» وليس الكفر. 

الثانية: الظن بأن القتل والقتال هو أنجع وسيلة لإزالة هذا المنكر وهو الكفر، وقد تبين من خلال التاريخ الإسلامي كله أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. والجدال بالتي هي أحسن والعفو عن الأعداء خاصة بعد القدرة عليهم، هي الوسيلة الأنجع. بل تبين من جميع مراحل التاريخ الإنساني أن «الاقتناع الحر هو وسيلة التغيير الفردي والجماعي»، وأن استعمال القوة يؤدي عادة إلى الإصرار على الرأي. ولذلك لم يبح الله تعالى لنا الإكراه، بل ترك لكل إنسان أن يؤمن بما يشاء، وأن يحاسب على ذلك في الآخرة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ﴾ (البقرة: 256)﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ﴾ (الكهف: 29).

ومن المعروف أن الوصول بالخلاف إلى درجة القتال يعني انقسام الناس إلى طرفين، وأن كل وسائل الدعوة والإقناع قد استنفدت أغراضها، ولم يعد هناك مجال للتعايش بين هاتين الفئتين، إلا إذا تغلبت إحداهما على الأخرى. وفي ظل الظروف المعاصرة، وفي ظل تأييد القوى الأجنبية المهيمنة لكل أنواع المنكرات في بلادنا، فإن استعمال القوة في الغالب لن يؤدي إلى إزالة المنكر، بل إلى محاصرة الدعاة وإضعافهم، خاصة إذا تطرفوا في استعمال القوة واستباحوا القتل، والنماذج كثيرة في تاريخنا المعاصر.

على أننا نقول: إن مسألة التكفير رافقها كثير من الغلو وأصبحت اليوم من أهم وسائل الفتنة وتمزيق وحدة الأمة والأصل فيها أنها مسؤولية الدولة، إذ تكفير المسلم إعلان ردتهوالردة لها أحكام شرعية يناط بالإمام تنفيذها.

أما شيوع الاتهام بالتكفير والردة دون وجود سلطة تحسم الموضوع، فهذا من شأنه تمزيق وحدة المجتمع الإسلامي دون. التمكن من تطبيق أحكام الردة. وقد نهى رسول الله ﷺ عن تكفير المسلم وقال: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال، وإلا رجعت إليه» (1)

أما استباحة الخروج على الحاكم بحجة التكفير أو الردة - فقد وضع لها الرسول ﷺ شرطًا صعبًا جدًا، هو أن يكون الكفر - بواحًا، عندكم من الله فيه برهان. والكفر بالتأويل الذي يغوص  فيه الكثيرون اليوم ليس من الكفر البواح، فضلًا عن أن أكثرالفقهاء والمحققين لا يعتبرونه كفرًا. 

ولقد اعتبر رسول الله ﷺ أن مجرد إقامة الصلاة أو الصيام يمنع الاتهام بالكفر، ولا يجيز الخروج، ولا أعتقد أن أحدًا من حكام المسلمين اليوم. رغم شدة انحراف البعض منهم. ينطبق عليه هذا الشرط.

اختلاف العلماء على مذهبين:

في مسألة الخروج المسلح على أئمة الجور ظهرت الخلافات السياسية بين المسلمين منذ وفاة رسول الله ﷺ، وتم حسم بعضها، وتفاقم البعض الآخر حتى أدى إلى ثورات مسلحة وحروب داخلية تسببت بقتل مئات الألوف من المسلمين وباستنزاف طاقات الأمة كانت جميع الثورات ترفع لواء الإصلاح وتقويم الانحراف، وكان الانحراف عن تطبيق شريعة الله قائمًا في بعض المجالات، لكن النتائج المأساوية لخروج الناس على السلطة، بحجة انحرافها عن الجادة، ووجوب النهي عن المنكر باليد، جعلت الفقهاء يتعمقون في دراسة هذه المسألة. وقد انقسم الرأي (۲) بينهم إلى مذهبين:

1. مذهب جواز الخروج المسلح على أئمة الجورواستخدام القوة في تغيير المنكر، إذا لم يمكن دفعه إلا بذلك، ولو لم يصل هؤلاء الأئمة إلى درجة الكفر، بل بالغ ابن حزم، واعتبر الخروج في هذه الحالة واجبًا فقال: إن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك. والقائلون بهذا الرأي هم الخوارج والزيدية والمعتزلة وكثير من المرجئة وبعض أهل السنة. وقد استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة لا نرى الآن حاجة لعرضها ومناقشتها.

2. مذهب عدم جواز الخروج المسلح على الأئمةالمنحرفين وهو مذهب أغلب أهل السنة والجماعة، طالما أن الانحراف لم يصل إلى درجة الكفر البواح. وقد ادعى النووي في شرحه لصحيح مسلم الإجماع على هذا الرأي، لكن من المعروف أن هناك من خالف ذلك من أهل السنة ومن غيرهم. ولأن هذا المذهب هو الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة، لذلك فإني أذكر أهم الأدلة التي استند إليها وهي:

1-أن الأحاديث في الأمر بالطاعة، والصبر على جور الحكام، ومنها:حديث عبادة بن الصامت دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا تنازع الأمر أهله، إلا أنتروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان (۳).

وقول رسول الله ﷺ:«إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع» قالوا: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا» (٤). 

ب ـ الأحاديث الدالة على تحريم اقتتال المسلمين فيما بينهم، وأن الخروج على الأئمة بالسيف يؤدي حتمًا إلى وقوع هذا الاقتتال، فهو حرام من هذه الأحاديث، «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار».

قيل: يا رسول الله: «هذا القاتل، فما بال المقتول؟» قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٥)، «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٦).

ج. أحاديث النهي عن القتال في الفتنة والخروج على الأئمة يؤدي يقينًا إلى وقوع الفتنة، فيكون النهي عن القتال في الفتنة نهيًا عن الخروج على الأئمة، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًا، وهي مذكورة في باب الفتن وفي أكثر كتب الحديث. تذكر واحدًا منها، وهو ما رواه أبو موسى عن النبي ﷺ: أنه قال في الفتن اكسروا فيها سيوفكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم (7).

دـ مراعاة مقاصد الشريعة، وذلك بتحقيق أكمل المصلحتين ولو بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما. قال ابن تيمية: وقل من خرج على إمام ذي سلطان، إلا كان ما تولد على فعله من الشر، أعظم مما تولد من الخير واعتبر الخروج على أئمة الجور بمثابة إنكار للمنكر بما هو أنكر منه قال: ولكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه، صارت إزالته على هذا الوجه منكرًا، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر. مفسدته أعظم من ذلك المعروف، كان تحصيل المعروف على هذا الوجه منكرًا ... (۸).

 ويقول ابن القيم: إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله. فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله. وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر (۹).

تطور رأي الفقهاء من عهد الصحابة حتى العصر الحاضر:

 أـ في عهد الخلافة الراشدة أنكر أكثر الصحابة الخروج المسلح على الإمام الشرعي، وكانوا يرون القتال مع الإمام. وعندما قام الثوار على عثمان رضي الله عنه وقتلوه، كان الصحابة يريدون القتال دفاعًا عنه إلا أنه منعهم من ذلك، وعندما خرج الثوار على علي رضي الله عنه قاتل معه أكثر الصحابة، ولم يتوقف البعض عن ذلك إلا تخوفًا من الفتنة التي حذرهم منها رسول الله ﷺ. 

ب ـ ابتداء من العهد الأموي بدأ الفقهاء ينظرون إلى معظم الخلفاء على أنهم أئمة جور، وكان أكثرهم يبيح الخروج عليهم. وقد خرج من الصحابة فعلًا الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ومن معهما، وخرج جمع عظيم من التابعين مع ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف وعبد الملك بن مروان بموافقة  جميع من في البصرة من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب، حتى قيل: إنه خرج معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومائة وعشرون ألف راجل (۱۰). وقال ابن حجر عن الخروج بالسيف على أئمة الجور: هذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما هو أشد منه (۱۱).

ج. ولذلك جاءت النقول عن أئمة المذاهب الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي بجواز الخروج المسلح على أئمة الجور. يقول أبو بكر الجصاص عن أبي حنيفة: ... وكان مذهبه رحمه الله مشهورًا في قتال الظلمة وأئمة الجور (۱۲). ويقول ابن العربي: روى ابن القاسم عن مالك: إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفع عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله، ثم ينتقم من كليهما (۱۳) وينسب التفتازاني إلى الإمام الشافعي القول بجواز الخروج المسلح على أئمة الجور، وذلك في شرحه للعقائد النسفية (١٤). واختلفت الروايات عن الإمام أحمد بين المذهبين، لكن المشهور عنه القول بعدم جواز الخروج على الأئمة الفسقة (١٥).

د. لما كثرت الثورات ضد الأئمة الفسقة، وكان مال أكثرها الفشل وإشاعة الفتنة بين المسلمين، استقر رأي جمهور أهل السنة والجماعة على ترك القتال في الفتنة، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم (١٦). ذكر الطحاوي في عقيدته المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، ولا ترى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم.ولا تنزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة (۱۷).

(5) مختصر دراسة قدمت إلى مؤتمر العلماء بشرم الشيخ في٢١ أغسطس ٢٠٠٥م

الهوامش

(۱) متفق عليه.

(۲) تلخيص هذين المذهبين مأخوذ بتصرف من كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة تأليف: عبد الله الدميحي.دار طيبة - الرياض.

(۳) رواه مسلم.

(٤) رواه مسلم. 

(٥) رواه البخاري في «كتاب الإيمان» ومسلم في «كتاب الفتن» وأبوداود والنسائي وابن ماجه وأحمد.

(6) رواه البخاري في كتاب العلم وهو جزء من خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع.

 (7) رواه ابن ماجه في «كتاب الفتن»، وأبو داود في «كتاب الفتن»والترمذي في «كتاب الفتن»وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.

(۸) منهاج السنة لابن تيمية «ص ٢٤١ وما بعدها».

(9) إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية (٤/٣).

(١٠) البداية والنهاية لابن كثير - الجزء التاسع.

(۱۱) تهذيب التهذيب ۲/۲۸۸.

(۱۲) أحكام القرآن للجصاص 1/۷۰.

(۱۳) أحكام القرآن لابن العربي 4/١٧٢١

(١٤) ص ١٤٥ نقلًا عن النظريات السياسية الإسلامية ص ٣٣٩.

(١٥) طبقات الحنابلة 1/24 وما بعدها.

(١٦) منهاج السنة لابن تيمية ٢/241 وراجع أكثر كتب العقائد تجد ذلك واضحًا.

(۱۷) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز. ص ٥٤٠. مؤسسة الرسالة - بيروت - ۱۹۸۷م.

الرابط المختصر :