; هل هيأت الأقدار خروج نيجيريا من النفق المظلم؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل هيأت الأقدار خروج نيجيريا من النفق المظلم؟

الكاتب محمد سالم الصوفي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998

مشاهدات 57

نشر في العدد 1310

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 28-يوليو-1998

قضى قطبان سياسيان - من أهم الشخصيات المؤثرة في تاريخ نيجيريا المعاصر - نحبهما بصورة مفاجئة، وهما: الجنرال ساني أباشا ومسعود أبيولا في مدة متقاربة لا تتعدى ٣٠ يومًا، وكأن الأقدار تهيئ الأذهان باقتران وفاتهما لبداية تشكل مرحلة جديدة لأكبر دولة إسلامية في القارة الأفريقية أو العملاق الأفريقي، كما تسميها وسائل الإعلام العالمية.

 وتنفس النيجيريون الصعداء بعد إعلان فريق من الأطباء الدوليين أن وفاة مسعود أبيولا كانت وفاة طبيعية بسبب نوبة قلبية، وكان رحيله في هذه الفترة الحساسة الحرجة والمنعطف الخطير قد أثار شكوكًا حول إمكانية أن يكون مديرًا وبخاصة من طرف أنصار الرئيس السابق ساني أباشا الذي حكم على أبيولا بالسجن بعد إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية سنة ١٩٩٣م.

وتنصيب نفسه رئيسًا للجمهورية، وربما عززت تلك الشكوك مشاعر الابتهاج والشماتة التي استقبل بها المعارضون الجنوبيون المؤيدون لأبيولا نبأ وفاة أباشا المفاجئ في الثامن من شهر يونيو المنصرم، وقد عبر الكثير من سكان المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية التي تسكنها قبائل اليوروبا التي ينتمي إليها مسعود أبيولا عن فرحتهم بموت أباشا، إلا أن فرحتهم سرعان ما تحولت إلى غضب وعنف بعد الإعلان عن موت أبيولا، وأوشكت شرارة الحرب الأهلية أن تتقد مستهدفة سكان المناطق الشمالية من «الهوسا والفلاني»، الذين ينتمي إليهم أباشا، والذين تركز الاتهام والتحريض والعنف ضدهم لتحميلهم مسؤولية موت مسعود أبيولا

ويبدو أن غياب القطبان الرئيسان في السياسة النيجيرية ساني أباشا ومسعود أبيولا في فترة متقاربة ساهم بشكل فاعل - لم يكن محسوبًا - في أن تأخذ خطوات الحاكم الحالي الجنرال أبو بكر مداها في السرعة لإعادة الحياة الديمقراطية إلى نيجيريا. 

وقد لاقت إجراءات الجنرال أبو بكر تأييدًا ودعمًا عالميين ستمنحه فرصة نادرة في استعادة الدور النيجيري المتميز على الصعيدين الوطني والإقليمي وتجاوز الأزمة المعقدة الخانقة التي ورثها من حكم أباشا على مدى خمس سنوات متتالية، ويستند اتساع الآمال في نجاح خطوات الجنرال أبوبكر إلى عدة إجراءات حدثت متلاحقة من أهمها الإعلان عن إطلاق سراح السجناء السياسيين بعد ثلاثة أسابيع فقط من تسلمه للسلطة، وزيارة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في بداية شهر يوليو الحالي، ثم زيارة الأمين العام لمجموعة الكومنولث البريطاني مكا أنا يوكا الذي تتمتع نيجيريا بعضويته، كل هذه الأحداث السياسية المهمة تؤكد الاهتمام العالمي والإقليمي بنيجريا باعتبارها دولة أفريقية كبرى.

 ولا  شك في أن الخشية من انفراط الأمور واردة، حيث إن زعزعة كيان نيجيريا المتكون من نحو ست وثلاثين ولاية وثلاث مجموعات قبلية كبرى، فزعزعة هذا الكيان ستشكل كارثة حقيقية، ومازالت الذكريات المؤلمة للحرب الأهلية التي شهدتها نيجيريا في نهاية الستينيات والمعروفة« بحرت بيا فرا» ماثلة للأذهان، كما أن الحروب الممتدة على طول وعرض القارة الأفريقية سواء في البحيرات العظمى أو في القرن الأفريقي ماثلة كذلك للعيان وتدفع القارة إلى مزيد من التفكك والهلاك والتقهقر.

وعودة إلى رحيل الزعيمين النيجيريين أباشا وأبيولا وما خلفه رحيلهما من فراغ وفتحه من احتمالات، فإن محاولات القوى السياسية المختلفة تركزت حول إمكانية أن يكون ذلك اتجاه فتح المجال لحكم مدني يضع حدًا للأزمات المزمنة، إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم بشكل قسري استعجالي، ولا بالقضاء الفوري على المؤسسة العسكرية، وبخاصة أنه بدأت أصوات معارضة تطالب بمحاكمة الضباط الكبار في الجيش، وهذا الرأي يفتقر إلى كثير من الموضوعية، فليس من السهل استبعاد المؤسسة العسكرية في نيجيريا من أي حسابات، حيث حكم العسكريون نيجيريا منذ استقلالها عن بريطانيا سنة ١٩٦٠م، وقد امتدت فترة حكمهم على مدى ٢٨ عامًا، وهذا التاريخ الطويل رغم كل ما يتسم به من دكتاتورية  وحيف يجعل من الصعوبة بمكان تجاهل المؤسسة العسكرية أو تجاوزها.

كما أن جنوح أطراف معارضة مهمة إلى لمس الأوتار القبلية والعرقية والجهوية ومحاولة إلغاء الآخر بحجة أنه يمثل ظهيرًا للمؤسسة العسكرية كل ذلك لا يمكن أن يكون منطقًا مقبولًا أو معقولًا في معالجة الأزمة في نيجيريا .. 

ومن هنا يجب على الجنرال عبد السلام أبوبكر وعلى القوى السياسية في نيجيريا أن تقطع الطريق على العناصر المتطرفة المتعصبة سواء من الجنوبيين أو من الشماليين التي تمارس أسلوب التحريض العلني الذي يهدد بالانزلاق نحو كارثة حرب أهلية قد جربها النيجيريون من قبل على مدى ثلاث سنوات خلفت مئات الألوف من القتلى والمعوقين ودمرت الاقتصاد النيجيري على مدى عقود طويلة .

الرابط المختصر :