العنوان هل هناك من يريد اغتيال الأمة؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996
مشاهدات 79
نشر في العدد 1192
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 19-مارس-1996
لا يجوز أن تعيش أمة بدون ذاكرة، ولا شخصية، ولا رجولة، ولا هوية، ولا هدف، ولا كرامة، ولا يجوز أن يباح دمها كل يوم بدون ثمن، ولا أن تضيع أرضها بدون جهاد.
لا يجوز أن تقتل النخوة في الشباب بغير حق، وتذبح الوطنية في الرجال بغير جريرة.
لا يجوز أن يصبح النهار ليلًا، والليل نهارًا، والمظلوم متهمًا، والمتهم قاضيًا.
لا يجوز أن نهدم بيوتنا بأيدينا وأيدي اليهود أو نخرب ديارنا بسواعدنا وسواعدهم، أو نقتل عزتنا بأفعالنا وأعمالهم.
يا قوم، ليس هناك أحد يكره السلام، ولكن أي سلام هذا؟ سلام الشجعان كما يقولون؟ أم سلام الخيبان؟ وصلح الرجال أم صلح الخذلان؟ وما أظن أن هناك أحدًا يحب الإرهاب أو يميل إليه، ولكن ما هو الإرهاب يا قوم؟ أهو الدفاع عن النفس؟ أم هو رد العدوان؟ أم هو الجهاد ضد الظلم؟ نعم.. إذا كان ذلك من مسلم، أما إذا كان الإرهاب من اليهود، بقتل أصحاب الديار، واستباحة أهل البلاد، وطحن عظام الأبرياء العزل، فإن ذلك يكون حقًّا مشروعًا، وليس ممنوعًا، ولا مجرمًا، وهذا وإن نافق العالم «إسرائيل»، فلا يجوز لنا أن ننافق على دمائنا وأعراضنا وديارنا، وتاريخ القهر والبغي يصرخ في أسماعنا وأعماقنا، حيث كان اليهود يجدون المتعة المفضلة في قتل العربي المسلم، وفي ضياعه وتشريده، ويحس مع كثرة الإرهاب والإبادة بالثبات والأمن، وبهذا قد اغتصبت أرض "فلسطين"، وتوالت مذابح أهلها المذعورين على أرضها، وما زالت مجزرة "دير ياسين" تولول على قتلاها، حين دخلتها عصابتان من اليهود: «عصابة الأرغون» و«عصابة الهاجاناة» في الرابعة من صباح 10 إبريل «نيسان» ١٩٤٨م، وداهموا القوم العزل في القرية الآمنة، وكان عدد سكانها لا يتجاوز ثلاثمائة نسمة، معظمهم من النساء والشيوخ والأطفال، ودارت مذبحة رهيبة استمرت ثلاث عشرة ساعة قتل فيها اليهود ٢٥٠ شخصًا من النساء والشباب والشيوخ والأطفال، وأخذوا يبقرون بطون الحبالى، ويقطعون الأجنة، ويطلقون صيحات الظفر والانتصار، وتوالت المذابح بغير رحمة ولا مجير، فكانت مذبحة قرية "شرفات"، ومذبحة قرية "بيت جالا"، ومجزرة "قبية"، ومذبحة "غزة"، و"طبريا"، و"عرندل"، و"كفر قاسم"، وقد سأل أحد الصحفيين قائدًا من قواد مجزرة "كفر قاسم" فقال له: هل أنت نادم على ما فعلت؟ فقال: بالعكس؛ لأن الموت لأي عربي في «إسرائيل» معناه الحياة لأي إسرائيلي، والموت لأي عربي خارج «إسرائيل» معناه الحياة لـ«إسرائيل» كلها.
وسئل الملازم "غبريال دهان" أحد المشاركين في المذبحة: كم عربيًّا اصطدت في المجزرة وحدك؟ فقال: ١٣، وماذا كان شعورك أثناء المجزرة؟ فقال: كنت متعطشًا للدم العربي، وقد شربت حتى سكرت، وهل في نيتك معاودة الشراب؟ فقال: نعم.. إذا سمحت الظروف.
وسئل الشاويش "شالوم" الذي شارك هو الآخر في المذبحة وكان من أبطالها: كم عدد الضحايا الذين قتلتهم في المجزرة؟ قال: ١٥، ولقد ضربت الرقم القياسي وحدي، وكان حظي أفضل من زملائي في اختيار المكان الذي وقفت فيه.
ثم توالت مئات المذابح اليهودية للمسلمين، وكان هذا شعور تلك الذئاب الكاسرة التي تدعي الإنسانية، والتي يناصرها العالم المتوحش اليوم، وليس المتمدين، وهذه هي عقائدهم ودياناتهم، ففي سفر التثنية: «حين تقترب من مدينة لكي تحاربها فإن فتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذکورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة غنيمة لك، كذلك المدن التي يعطيها الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة ما»، وقد نفذ اليهود ومن عاونهم في المجزرة التي هزت العالم «صبرا وشاتيلا»، حيث دخلوا على العزل في المخيمات وذبحوهم ذبح الخراف وأفرغوا دانات المدافع والبنادق في صدورهم، واستمر القتل لساعات طوال حتى قضي على ۳۲۰۰ ضحية كتب «أمنون كابليوك» يقول: «بدأت المذبحة بقتل كل من يتحرك في الأزقة، ثم حطموا أبواب المنازل، وقتلوا من فيها، وصفوا أسرًا بكاملها كانت تتناول العشاء وقتلوهم، وقد قتل بعض الأهالي في أسرتهم بلباس النوم، وفي حالات عديدة كان المعتدون يبترون أعضاء الضحايا قبل القضاء عليهم، وكانوا يسحقون رؤوس الأطفال والرضع على الجدران، ونساء وصبايا اغتصبن قبل أن يذبحن بالبلط، وأحيانًا كان يساق الرجال للإعدام الجماعي، وكذلك النساء والأطفال والشيوخ، ولقد عثروا على أيد نسائية بترت من المعصم كي يمكن سرقة المجوهرات! وقد كان يطلق على مثل هذه العمليات في «إسرائيل» «تحطيم البنية التحتية للإرهاب الفلسطيني»».
ومما يذكر هنا أن «مناحم بيجن» رئيس وزراء «إسرائيل» قد بدأ حياته بمجزرة «دير ياسين» وأراد أن ينهي حياته بمجزرة «صبرا وشاتيلا»، وتوالت المذابح.. وكان منها مذبحة الخليل في رمضان في ليلة القدر، حين دخل الضابط الإسرائيلي «جولدشتاين» إلى المسجد وأباد العشرات في مذبحة رهيبة للركع السجود في أفضل الشهور والليالي، وليس هذا وحسب كان يقتصر على داخل "فلسطين"، بل تعقب الإرهاب الصهيوني الفلسطينيين والعرب خارج "فلسطين"، وكان منهم الكاتب «غسان كنفاني» الذي كان لا يتحاور إلا بالقلم، لغمت سيارته فانفجرت به وطيرته أشلاء هو وابنته، و"كمال ناصر"، و"كمال عدوان"، و"محمد يوسف النجار"، دخل عليهم الإسرائيليون في بيوتهم بعد منتصف الليل ومزقوهم بأسلحتهم وقنابلهم، وغيرهم وغيرهم، ثم تتبعوا العلماء فدخلوا على الدكتور "إسماعيل الفاروقي" وزوجته وذبحوهما في منزلهما "بالولايات المتحدة الأمريكية"، ولم ينج منهم علماء الذرة، فدخلوا على عالم الذرة الفلسطيني نبيل فليفل ابن الثلاثين وخطفوه وأعدموه، كما حصل للعالم المصري الذي اختفى في براغ ثم عثر على جثته في 28/ 4/ 1984م في منطقة "بيت عور"، ثم قتلوا من علماء الذرة الدكتور "يحيى المشد" «مصري»، والدكتورة "سميرة موسى" قتلت في "أمريكا" عام ١٩٥٠م، وكانت أهدافهم وما زالت معروفة، وإن سترت بغلالة من المكر، ويقرر كاهان تلك السياسة فيقول: بضرورة إبادة العرب عن طريق تنظيم جماعات مسلحة، وضرورة ضم "الضفة وغزة" وطرد العرب منها وإبادتهم، وهدم "المسجد الأقصى"، وإقامة مستوطنات في "الضفة والقطاع"... إلخ.
وما زالت سياسة الإرهاب والقمع والتصفية مستمرة وآخرها اغتيال الدكتور "فتحي الشقاقي" من "الجهاد"، والمهندس "يحيى عياش" من "حماس" بعدما أعلنوا الإقلاع عن مهاجمة «إسرائيل»، فهل يا قوم كل هذا لا يسمى إرهابًا؟ وهل الأم الثكلى التي لا تدين بالديانة اليهودية ليس لها نفس المشاعر والأحاسيس مثل الأم اليهودية؟ وهل الشعب الفلسطيني فاقد للشعور، لا يحس، ولا يعي، ويجب أن يتبلد ويتحمل الإرهاب بغير حدود؟ وإذا عامل القتلة بالمثل قامت الدنيا ولم تقعد، وهرعنا وهرعت أجهزة العالم إلى اصطياد المجاهدين واتهامهم، وتأليب العالم الحاقد على المسلمين عليهم، وجر أنظمة أخرى واتهامها بالإرهاب، وإمداده وإيوائه ليزيد الخلاف في الأمة والتمزق لجسدها، فقولوها بصراحة: من يريد اغتيال الأمة؟ وإذا أراد ذلك فلحساب من؟!