العنوان هل هناك مشروع لبناء الفرد والأمة؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997
مشاهدات 73
نشر في العدد 1264
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 26-أغسطس-1997
هل هناك مشروع حقيقي في الأمة العربية والإسلامية لبناء الفرد والأسرة والأمة عقليًّا، وفكريًّا، وثقافيًّا، واجتماعيًّا، وجسميًّا، وتزويد الفرد بالخبرة والمعرفة التي تجعله قادرًا على التكيف مع هويته وبنيته التراثية، وبيئته المحلية والعربية والإسلامية والعالمية؟
وهل هناك أهداف عامة للأمة تريد تحقيقها في المدى القريب أو البعيد للنهضة بالأمة، واللحاق بالركب الإنساني والحضاري والعلمي والتكنولوجي الذي تتسابق إليه الأمم كفرس رهان اليوم؟
وهل الأمة حقيقة تعتبر أن أفرادها وشعبها هو رأس مالها الحقيقي الذي به تنهض وبه تقوى وتعز، وإن في رفعة إنسانها رفعة لها، وأن بنيها هم حياتهاومقوماتها وعمدها ورايتها؟
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت لدى المجد حتى عُدَ ألف بواحد
أم أن الأمة تعيش حياة القطيع تأكلوتنام وتسفد، لا يرعاها أو يرودها ويقودها أهداف وغايات حقيقية لها وسائلها وطرقها الصحيحة والمنتجة التي توصلها إلى تقدم فعلي في جوانب الحياة المختلفة؟
قد تقول: إن عندنا أهدافًا ووسائل مخطوطة في الصحائف، ومدونة في الكتب ومبرمجة في دور العلم. نعم.. ولكن الواقع غير ذلك تمامًا، وقد ينظر إليها شذرًا، ويقال لها: عليك اللعنة، ولا رادك الله من كتبك وصحائفك، وتلعنها أفعالنا، وتعاديها تصرفاتنا، وتسخر منها أيامنا، وتتعامى عنها:
ولما تعامى الدهرُ وهو أبو الورى عن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعاميت حتى قيل إني أخو العمى ولا غرو إذ يحذو الفتى حذو والده
قد تتلهى الأمم المنحدرة عن الإنسان، وقد تلتفت إلى قضايا جانبية وآنية، وهذا هو الخسران المبين، وقد لا تلتفت إلى عقله وتربيته وتكوينه، وهذا هو الضياع القاتل.
إن قضية المشروع الثقافي والتطوير التربوي أصبح اليوم ضرورة وفريضة إذا كانت هناك نية صادقة للنهوض من تلك الكبوة التي وقعت فيها الأمة؛ لأن الإنسان يحركه الفكر، ويقاد من داخله، ويشعل من عزمه ونفسه، ولهذا يلزمه لبنائه الحضاري ونهضته الفكرية والحضارية ما يلي:
- إعلان مشروع الهوية وتأصيلها، فالهوية قادرة على شحذ العزائم ومواجهة الانهزام النفسي أمام الأعداء والمتربصين بالأمة، وأمام الغزو الثقافي الغربي، وأمام حضارة الجنس والضياع الذي يراد سوق الأمة إليه بالإعلام الخليع، والعادات الهابطة، والنسيب المتهالك الذي يودي بالرجولة، ويذهب بالنخوة، ويكرس الهبوط والتسفل.
2 - رفع وعي الفرد والمجتمع بالمنهج الحضاري الإسلامي وببعده العالمي والخلقي والعلمي، وتنمية الوعي لدى الإنسان المسلم بأن الإسلام هو الحضارة الحقيقية التي يحتاجها العالم، وهي بالضرورة تثمر الحضارة المادية إذا فهمت فهمًا صحيحًا، وعندها القدرة على تنظيم الحياة في كل زمان ومكان.
3-تكوين اتجاه إيجابي نحو الثبات على الولاء للإسلام منهجًا وفكرًا وأسلوب حياة وأن يعيش الفرد لفكرة يعمل على تحقيقها، وغاية يسعى إلى تحصيلها ورسالة يقوم بها، وأن ينمي فكره ووعيه لمواجهة مشكلات العصر وتحدياته بحلول إسلامية، ودواء من صيدليتها.
4- تنمية اتجاه الفرد المسلم الإيجابي نحو ربه وعقيدته ووطنه الإسلامي، وتعزيز الاهتمام بالسلوك الإسلامي في إشباع حاجات الفرد والمجتمع، وإعداد الفرد للحياة الإيجابية وتربيته على قيم العلم؛ لأن الإسلام جعله فريضة على كل مسلم ومسلمة، كما ينبغي الكشف عن استعداداته وقدراته وميوله، وتنميتها بما يساعده على اختيار ما ينبغ فيه ويبدع ليؤدي دوره كاملًا في نفع أمته، وذلك يكون بتوفير الخبرات التي تنمي لدى الفرد مهارات التفكير العلمي والابتكار والتعليم الذاتي كركيزة لاستمرار نموه المتكامل.
5- يجب توعية الفرد بطبيعة العصر الذي يعيشه، وتعويده الانتفاع بمنجزاته العلمية مع دعم عقيدته دعمًا يحميه من الشك والقلق والصراع النفسي، ويساعده على مواجهة الغزو الفكري والتيارات المعادية، وتوعيته وإعلامه بما للعلوم والمعارف من أصول وغايات إسلامية.
6 - تربية الفرد على الحرية في كشف الأخطاء وقول كلمة الحق، واحترام الذات الإنسانية التي كرمها الله سبحانه، وتنمية المشاعر الإنسانية بما يكفي لتقبل المحيطين به والتآخي معهم وتنمية القدرات على المشاركة الجماعية والتعامل الناضج مع الآخرين في شؤون الحياة، وإحياء دور المسؤول القدوة من طهارة اليد والمساواة والإيثار.. إلخ.
7- تدريب الفرد على إدراك جوانب القوة والضعف لديه، وتبصيره بالخصائص النفسية للمراحل المختلفة وما يصحبها من تغيرات، وما يجب أن تعامل به، بما يعينه ذلك على تصور واقعي لذاته، وعلى تصور حقيقي لمن حوله، ويمكنه بعد ذلك مواجهة المشكلات الفكرية والنفسية له وللآخرين.
هذا شيء من أشياء، وقليل من كثير يجب أن تربى عليه الشعوب والأفراد والأسر؛ لتقوم الأمة بدورها في الحياة، ويؤدي الفرد فيها ما عليه من واجبات وأعباء، وهل تنهض أمم وترتقي دول إلا بذلك؟ وقد ارتقت الأمة العربية وسادت المعمورة بتربية سليمة، وهوية عظيمة، ومازالت وما برح تراثها شاهد حي على ذلك لا ينكره إلا فاجر جاحد.
ومن قال للمسك أين الشذا يُكَذِّبه ريحه الطيب
فهل يُفسَح المجال لأصحاب القدرات والمخلصين في الأمة أن يقوموا بدورهم في إيقاظ الأمة والأخذ بيدها؟ وهل يلتفت إلى مشروع ثقافي وقيمي ونفسي وإيماني لبناء الفرد والمجتمع، أم أن دعاة الاستئصال مازالوا مصرين على تهميش الأمة، وتجفيف ينابيع ثقافتها الأصيلة، ووأد كل بادرة لخير أو نهضة، وهؤلاء في الحقيقة يحرثون البحر ويحاولون إطفاء نور الله بأفواههم ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ (الصف: 8).