; هل هناك لبنان واحد؟ أو لبنانان اثنان؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل هناك لبنان واحد؟ أو لبنانان اثنان؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1978

مشاهدات 59

نشر في العدد 418

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 31-أكتوبر-1978

  • يجب أن يتسلح المسلمون بالوعي والحذر. 
  • هل انتهت مبررات الوجود اللبناني؟
  • ما موقف "إسرائيل" في لبنان؟
  • هل مؤتمر بيت الدين استمرار لمؤتمري القاهرة والرياض؟
  • ما الدور السوري في لبنان؟

لبنان الموحد، كلمة ليس لها اليوم وجود إلا اسمًا فقط، وإنما في الواقع هناك لبنانان اثنان، وهناك بيروتان اثنتان، وليست بيروتًا واحدة. 

بيروت غربية مسلمة تنهال عليها قذائف الانعزاليين النصارى وقذائف اليهود، وهناك بيروت شرقية نصرانية تنظر إلى المسلمين والعرب جميعًا نظرة عداوة لدودة، فكشرت لهم عن أنيابها ومدت يدها إلى "إسرائيل"، فوجدت في مرآتها اليهودية السوداء صورة لها، ورأت "إسرائيل" فيها أيضًا "إسرائيل" ثانية، ولكنها ليست يهودية وإنما "إسرائيل" نصرانية جديدة.

إن هذا وضع مؤلم لكل المسلمين ولكل العرب، فبعدما كانت هذه المنطقة المسماة بلبنان جزءًا من سورية أصبحت الآن ضدها وأصبحنا نجد فيها من يساوون اليهود عداوة وكيدًا.

  • جذور المشكلة اللبنانية.

وهذا الوضع المزري لم نصل إليه بين عشية وضحاها.. إن له جذورًا تاريخية تعود إلى القسم الثاني من القرن التاسع عشر.

كان لبنان اسمًا يدل على الجبل فقط الذي كان يقطنه بعض النصارى، وتسري عليه جميع القوانين التي تسري على بلاد الشام في جميع العصور من الرومان إلى العثمانيين، ولكن الاستعمار الذي أراد أن يتسلل ويقضي على الخلافة العثمانية الإسلامية استغل الأقليات لتنفيذ خططه وبخاصة نصارى جبل لبنان، فنجح عام ١٨٦١ في جعله متصرفية ذات وضع خاص مرتبطة مباشرة بالباب العالي في إستانبول بعدما كانت مرتبطة ببلاد الشام، وقد استغلها الاستعمار أسوأ استغلال في حياكة المؤامرات ضد العثمانيين.

ولم يكن هذا سوى مقدمة لإقامة دولة نصرانية في قلب العالم الإسلامي، فقد أعلن الفرنسيون في ٣١-٨- ۱۹۲۰ قيام دولة لبنان الكبير، بعدما أضافوا إلى الجبل طرابلس وصيدا وصور، مع أربعة أقضية في منطقة البقاع كانت تابعة لولاية دمشق في العصر العثماني. 

وبهذا الشكل أصبح لبنان الكبير يضم مسلمين ونصارى معًا؛ الأمر الذي حدا بالاستعمار أن يساعد في إعلان ما يسمى بالميثاق الوطني على يد رئيس الجمهورية اللبنانية السابق بشارة الخوري ورئيس وزرائه رياض الصلح. وقضى هذا الميثاق الوطني أن يكون رئيس الجمهورية من النصارى المارونيين، ورئيس الوزراء من أهل السنة، ورئيس المجلس النيابي من الشيعة، بينما يتسلم الأرثوذكس والدروز وزارات معينة، وأن يوزع المجلس النيابي بين جميع الفئات لكل فئة عدد معلوم، وذلك بعد إحصاء مزيف لعدد سكان لبنان، وهكذا أعطى هذا الميثاق الغلبة للنصارى أولًا وكان سببًا لجميع الاضطرابات الطائفية التي رأيناها في الماضي ونراها اليوم في لبنان في أبشع صورها.

  • الجديد في المساحة اللبنانية المعاصرة 

ولكن القتال الطائفي هذه المرة له شكل جديد، إذ تميز بأمور عدة أهمها:

- الاستمرار الطويل.

- التدخل "الإسرائيلي" بشكل واضح وبصور عدة بأهدافه المعلنة والسرية.

- التهديد بإقامة لبنان نصراني طائفي.

- قيام منطقة في الجنوب اللبناني بقيادة شدياق حداد، انفصلت عن لبنان وانفتحت على "إسرائيل".

-التدخل السوري تحت لواء قوات الردع لحماية الانعزاليين أولًا ثم انقلب عليهم لأسباب عدة، الأمر الذي أنهك الجيش السوري في وقت هو في أشد الحاجة فيه إلى القوة.

ولقد استقر الأمر في لبنان الآن على وجود جبهتين:

- جبهة انعزالية نصرانية يتزعمها كميل شمعون وبيير الجميل.

- وجبهة تقودها سورية وتشمل باقي الطوائف والأطراف اللبنانية، وهناك بالإضافة إلى ذلك حكومة مشلولة أو شبه مشلولة لا حول لها ولا قوة فيما يدور حولها من أحداث على أرض لبنان.

  • سورية والمشكلة اللبنانية.

دخلت سورية المشكلة اللبنانية بعد ما شالت كفة الانعزاليين النصارى وانتصرت عليهم الفئات الثانية يؤيدها الفلسطينيون، فنصرتهم وأنقذتهم من فناء محتم، الأمر الذي جعلهم يرحبون بمؤتمر الرياض.

ولكن تغير الأمر فيما بعد فقد تخلت سورية عنهم ووقفت بكل ثقلها ضدهم بموافقة الحكومة الشرعية. فمد الانعزاليون أيديهم نحو "إسرائيل" التي ساعدتهم بالسلاح والخبراء، وبقصف القسم الغربي من بيروت بحجة أن هناك عملية فدائية تريد إحباطها، ولم تكتفِ بذلك بل إن طائراتها اخترقت جدار الصوت مرتين في أثناء انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية للدول المشاركة والمساندة لقوات الردع في بيت الدين.

  • المشكلة اللبنانية والعالم 

اشتدت الأزمة اللبنانية ضراوة وقتلًا وتدميًرا، وحاصرت القوات السورية في قوات الردع بيروت الشرقية حصارًا عنيفًا؛ الأمر الذي أدى إلى أمرين: 

أولًا- دعا مجلس الأمن الدولي للاجتماع وأصدر قراره رقم ٤٣٦ لوقف إطلاق النار بالإجماع، وذلك لأن أمريكا وضعت كل ثقلها ونفوذها وراءه، لأنها كانت تخشى من تطور قتال الأيام الثمانية فيشمل المنطقة بأسرها؛ الأمر الذي سوف يؤثر على سير محادثات كامب ديفيد. فسعى الرئيس كارتر لدى بريجنيف أن يضغط على حافظ الأسد ليضع حدًّا للحرب اللبنانية، ويقال إن كارتر سيكون على استعداد مقابل تحقيق أي نصر دبلوماسي- بتوقيع اتفاقية السلام بين مصر و"إسرائيل"- أن يقدم للسوفييت تعويضًا مناسبًا في اتفاقية (سالت ٢). 

ثانيًا: و الأمر الثاني هو قيام إلياس سركيس بزيارة دمشق ليعرض على حافظ الأسد خطة تتلخص في:

١- تجديد فترة انتداب قوات الردع لستة أشهر أخرى.

٢- انسحاب القوات السورية من المناطق الحساسة في شرقي بيروت واستبدالها بوحدات لبنانية تحت إمرة قوات الردع.

٣- تجديد المساعي لمصالحة وطنية لبنانية.

٤- تشكيل حكومة لبنانية جديدة تضم سياسيين معتدلين من المسلمين والنصارى.

٥- المبادرة لحوار بين سورية والمعتدلين من الانعزاليين.

٦- التنسيق بين سورية ولبنان في السياسة الخارجية. 

ومن دمشق توجه إلياس سركيس إلى العواصم العربية المشتركة في قوات الردع، ولعل هذا كان تعبيرًا عن رغبة سورية بذلك، وبخاصة بعدما قطعت محادثات كامب ديفيد وذيولها مراحل كثيرة.

  • عودة سركيس 

لم تستطع جولة سركيس أن تزيل سحب التشاؤم حول المشكلة اللبنانية؛ وذلك لأن السلام فيها مرتبط بدول عدة عربية وأجنبية، ومرتبط أيضًا باللبنانيين المنقسمين إلى فئات قد تحددت وتحجرت مواقفها بصورة عامة، فشمعون صرح برفضه لوجود جنود سوريين في لبنان أو أي جيش عربي، وأنه لن يقبل سوى قرارات الأمم المتحدة- أي التدويل- وكذلك بشير الجميل، بينما أكد سليمان فرنجية المعروف بولائه لسورية على أن قوات الردع تقوم بدورها بموافقة الشرعية اللبنانية. ومع هذا كله فلقد عاد الرئيس سركيس بالموافقة على مؤتمر بيت الدين.

  • مؤتمر بيت الدين

اجتمعت الوفود المشاركة في مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية، وهي الكويت وسورية والسعودية وقطر والإمارات والسودان ولبنان، برئاسة إلياس سركيس اجتماعات طويلة، منها الكثير من الاجتماعات الثنائية والثلاثية، وشدد المؤتمرون في مؤتمراتهم الصحفية على أن حل الأزمة اللبنانية يجب أن يكون عربيًّا، ونددوا بتفاهم الانعزاليين مع "إسرائيل".

هذا وقد اجتمع أيضًا إلياس سركيس ببيار الجميل وأمين الجميل وداني شمعون بحضور الأمير سعود الفيصل، كما اجتمع عبد الحليم خدام مع وليد جنبلاط الذي هدد بشن حرب ضد الميليشيات إذا انسحبت قوات الردع.

وأحيط المؤتمر بسرية كبيرة وإجراءات أمنية مشددة وسارت المناقشات فيه باتجاهين:

١- اتجاه عسكري: 

وهو إقرار خطة أمنية تنهي الحساسيات بين قوات الردع والانعزاليين وقد اختصت بها لبنان وسورية.

٢- اتجاه سياسي: 

وهو التوصل إلى وضع خطة سياسية توصل إلى الوفاق الوطني، وقد اختصت بها الكويت والسعودية وقطر والإمارات.

وهنا وجد المؤتمرون أنهم موافقون جميعًا على أن أهم الأمور هو الحلول الأمنية، ولكن من يضمن موافقة الجميع عليها؟ ومن يضمن نجاح تنفيذها ثانيًا؟  فالأطراف كثيرة والآراء أكثر. وهنا وجد المؤتمرون أنفسهم في دوامة رهيبة معقدة مثل تعقد الأزمة اللبنانية نفسها.

  • نتيجة مؤتمر بيت الدين.

ويختتم مؤتمر بيت الدين أعماله بإقراره ورقة عمل وضعها سليم الحص ووافقت عليها الوفود المشتركة، وساعده على الوصول إلى هذه النتيجة الدعم الأمريكي والغربي؛ وذلك لاعتبارات عدة تتعلق بدول البترول العربية، فقد كانت الولايات المتحدة تتصل "بإسرائيل" يوميًّا أو أكثر لتحذرها من التدخل في لبنان. وقد أعلن فانس أيضًا أن أمريكا لن تقبل بتقسيم لبنان، وهذا يعتبر ردًّا سلبيًّا على مقترحات الانعزاليين الذين اقترحوا تقسيمًا غير مباشر للبنان على أساس اتحادي. 

وأكد وزراء الخارجية في مؤتمرهم هذا على:

١- وحدة لبنان واستقلاله وسيادته وسلامة أراضيه في إطار نظام ديمقراطي، وممارسة الدولة لسلطانها على كافة الأراضي اللبنانية وإنهاء جميع المظاهر والعوائق أمام قيام سلطة مركزية قوية تعيد بناء أساسات الدولة.

٢- إنهاء المظاهر المسلحة وجمع السلاح وتحريم حمله خارج حدود القانون.

٣- التطبيق الدقيق والكامل لمقررات القمة في الرياض والقاهرة.

٤- حفاظًا على وحدة البلاد توقف الحملات الإعلامية ويطبق قانون المطبوعات وتمنع جميع وسائل الإعلام غير الشرعية.

٥- وضع برنامج زمني لبناء الجيش على أسس وطنية، بما يمكنه من القيام بدوره في تحقيق الأمن الوطني للبلاد، ومن تولي المهام التي تقوم بها قوات الردع العربية.

٦- العمل على تحقيق ميثاق وطني بين الأطراف والفئات اللبنانية المتنازعة، بما يكفل وحدة البلاد وإدخال الإصلاحات التي تحقق ترسيخ الوحدة الوطنية، وتسهم في إزالة أسباب التفجر في الساحة اللبنانية.

٧- تطبيق القانون ضد الذين يتعاملون مع "إسرائيل" وإدانتهم.

٨- تأليف لجنة متابعة من ممثل عن كل من السعودية وسورية والكويت توضع بتصرف رئيس الجمهورية، وتقوم بما يرى أن يعهد به إليها من مهمات، وأبدى المؤتمرون تقديرهم للظروف الدقيقة لقوات الردع في لبنان وأكدوا على تقديم العون والمساعدة إلى لبنان ليستعيد أوضاعه الطبيعية. 

ومن الجدير بالذكر أن تأخر مؤتمر بيت الدين نتج عن إقناع سورية ببعض التنازلات الجانبية لتجنب الاحتكاك المباشر مع الميليشيات، مع الحفاظ على جوهر مهمتها ومع تنسيق هذه المهمة مع هدف دعم السلطة الشرعية.

ومع أن الدكتور سليم الحص والشيخ صباح الأحمد وعبد الحليم خدام قد أعربوا عن أملهم في أن تؤدي قرارات المؤتمر إلى عودة الهدوء والاستقرار إلى لبنان، فإن الأمير سعود الفيصل قد أشار إلى أن التوصيات لا تشكل حلًّا نهائًّيا، وإنما هي متنفس يتيح للبنانيين أن يتحاوروا من أجل الحل، فمن هنا نرى أن مهمة المؤتمر أولها تجنب الاحتكاك الناجم عن تواجد قوات الردع والناجم عن عدم التنسيق بين السلطة الشرعية النظرية على الردع، وبين السلطة الحقيقية العملية التي يخضع لها. وإن تحميل المؤتمر مهمة إيجاد تسوية نهائية أو إیجاد خطوط عريضة لها إنما هو من قبيل الإغراق في تبسيط المشكلة اللبنانية، التي أصبحت ذات امتدادات متعادلة على الصعيد المحلي والدولي والعربي.

ومع ذلك فقد قوبلت نتائج المؤتمر بارتياح عام من المجلس المركزي للأحزاب، والقوى الوطنية والتقدمية والتجمع الإسلامي وجبهة المحافظة على الجنوب.

قرارات المؤتمر والانعزاليون.

رفض كميل شمعون قرارات المؤتمر ووصفها بأنها كلام بكلام وأنها لم تسفر عن شيء جديد، بينما كان موقف حزب الكتائب معتدلًا؛ إذ أعلن أنه يدرس القرارات وسوف يعطي رأيه بها.

والواقع أن الانعزاليين بكافة فرقهم خرجوا من هذه الجولة في لبنان مهزومين، على الرغم من بقائهم في مراكزهم، فإن قضيتهم لم تعزل محليًّا وعربيًّا وعالميًّا كما هي معزولة اليوم.

ما بعد المؤتمر 

على الرغم من أصوات الرشاشات فقد بدأ إلياس سركيس في وضع خطة أمنية تستند إلى قرارات المؤتمر معتمدًا في ذلك على:

۱- دعم عربي من الدول العربية المشتركة في المؤتمر.

٢- دعم ماروني يؤمنه له سليمان فرنجية.

٣- دعم دولي آتٍ من تصريحات وزير الخارجية الفرنسي لويس دي غرينغو، التي حمّل فيها الشمعونيين "وإسرائيل" مسئولية تفجير المعارك الأخيرة، وكذلك تهديدات وتحذيرات أمريكا لكل من "إسرائيل" وشمعون.

وبدأت القوات السورية التابعة لقوات الردع بالانسحاب من بعض المواقع الحصينة في شرق بيروت، وفكت بهذا حصارًا فرضته على المنطقة الشرقية من بيروت طال أسابيع ثلاثة، وحل جنود سعوديون من قوات الردع محل السوريين، وبذلك أصبحت القوات السعودية الشريك الأساسي للقوات السورية في المحافظة على الأمن في بيروت.

"إسرائيل" ومؤتمر بيت الدين 

لم تكن "إسرائيل" بعيدة عن ساحة مؤتمر بيت الدين؛ فعلى الرغم من التحذيرات الأمريكية لها فإنها أرادت أن تذكر المؤتمرين بوجودها، وأنها طرف هام في المشكلة اللبنانية ولكن بطريقتها الخاصة، إذ اخترقت طائرتان حربیتان "إسرائيليتان" حاجز الصوت فوق المؤتمرين، كما أنها أبدت قلقها أيضًا من تصريحات دي غرينغو .

ولقد حذر السفير الأمريكي والوسيط السابق لحل الأزمة اللبنانية دین براون أن "إسرائيل" تنتظر الذريعة المناسبة للقيام بهجوم عسكري شامل على لبنان، وبخاصة بعدما أمنت مصر بعد كامب ديفيد، وقد حدد براون الهجوم "الإسرائيلي" بين ٢٠-١٠-١٩٧٨ إلى ١٩-١١-١٩٧٨ والجدير بالذكر أن الأسطول الأمريكي السادس سيقوم في هذه الفترة في شرق المتوسط ووسطه بمناورات بالاشتراك مع الحلف الأطلسي، وقد يكون هذا غطاء جويًّا للهجوم "الإسرائيلي".

وهنا يعترضنا سؤال: كيف نوفق بين التحذيرات الأمريكية المستمرة "لإسرائيل" لمنعها من القيام بأي عملية عسكرية في لبنان وتأييدها لمؤتمرات الدين وبين هذا الرأي الأخير لدين براون؟ وجوابًا عليه نقول إن أمريكا تكون قد انتهت من إقامة السلام بين مصر "وإسرائيل" نهائيًّا، لذلك يجب أن ترغم بقية الدول العربية الشرقية بذلك، وسوف يكون هذا الإرغام عن طريق الهجوم "الإسرائيلي"، الذي لن يعكر صفو السلام بين مصر و"إسرائيل".

وفي هذه المناسبة يجب أن نذكر ما أعلنه بيغن أن "إسرائيل" لن تسمح بالقضاء على الأقلية النصرانية في لبنان، وأنها مسئولة عن مصير هذه الأقلية. وأن نذكر أيضًا زيارة شمعون لبيجين في القدس وذلك التعاون الوثيق بين حداد وشدياق و"الإسرائيليين"؛ لنرى صورة حقيقية واضحة عن ذلك الارتباط الوثيق والمصالح المتبادلة بين كلا الطرفين الصليبي واليهودي. 

مؤتمر بيت الدين والعالم. 

كانت أنظار العالم وبخاصة الدول التي تملك مصالح حيوية في هذه المنطقة الحيوية من العالم متجهة إلى مؤتمر بيت الدين.

ففي الأمم المتحدة أيد فالدهايم قراراته، ووجه احتجاجًا عنيفًا لوجود عسكريين "إسرائيليين" في جنوب لبنان، يساعدون الميليشيات الكتائبية في عدوانها الأخير على مكتب الأمم المتحدة واختطافهم لضابطين لبنانيين مسلمين. 

وفي فرنسا أيد لويس دي غرينغو المؤتمر وأدان كميل شمعون واتهم "إسرائيل" بتزويده بالأسلحة تمهيدًا لتقسيم لبنان، وقال: إن مستقبل النصارى في الوفاق مع المسلمين، وإن على الولايات المتحدة إقناع "إسرائيل" بوقف تدخلها في لبنان ورفض تدويل المشكلة اللبنانية. وقد جاء توقيت إطلاق تصريحاته هذه مدروسًا ومرسومًا ليدعم مقررات مؤتمر بيت الدين.

وفي واشنطن: نجد تأييدًا للموقف الفرنسي وتهديدًا لكل من يتسبب في استئناف القتال؛ الأمر الذي جعل شمعون يتهم كلًّا من فرنسا وأمريكا بالتآمر لتدمير لبنان، من أجل ضم سورية إلى اتفاقات كامب ديفيد.

وفي "إسرائيل": أثارت تصريحات دي غرينغو قلق "الإسرائيليين" وهاجمتها الصحف "الإسرائيلية" بعنف.

وفي الفاتيكان: كانت المشكلة اللبنانية من أول الأمور الهامة التي تناولها البابا يوحنا بولس الثاني في ندائه الأول بعد انتخابه، وقال: إنها لرغبة دفينة أن نرى رجوع السلام والحرية إلى لبنان.

وبعد دراسة مقررات بيت الدين نجد أنها هي مقررات الرياض والقاهرة في الناحية السياسية والعسكرية والإعلامية، وهي أيضًا مقررات الرئيس اللبناني أو بتعبير آخر هي مقررات عربية نالت رضا الرئيس اللبناني الكامل.

فهل تستطيع أن تحل المشكلة اللبنانية؟ وهل يوافق الغرب الصليبي على حل المشكلة اللبنانية حلًّا نهائيًّا لصالح المنطقة مع أنه أيد مؤتمر بيت الدين؟ 

إن المشكلة اللبنانية ليست وليدة يوم أو أيام، وإنما يرجع تاريخها إلى عام ١٨٦١ يوم تدخلت الصليبية الغربية، وفرضت على الدولة العثمانية أن تجعل جبل لبنان متصرفية تابعة مباشرة للباب العالي. وإنها أيضًا وليدة الأطماع والأحقاد الاستعمارية الصليبية في هذه المنطقة من العالم الإسلامي. وقد استفادت الصليبية كثيرًا من وضع لبنان بهذا الشكل الطائفي المعقد الغريب في تحطيم الخلافة العثمانية وتشتيت المسلمين وإضعافهم، وفي تأمين الحدود الشمالية "لإسرائيل" التي أمنت من الجيش اللبناني خلال السنوات الماضية كل الأمن، وفي حياكة المؤامرات على مسلمي هذه المنطقة من الناحية السياسية والأخلاقية والدينية والفكرية، إذ قلما نجد خطرًا على المسلمين في هذه المنطقة ولا يكون مصدره بيروت. 

فبعد هذا كله ليس من صالح الاستعمار أن تحل المشكلة اللبنانية حلًّا نهائًّيا تتحقق فيه مصالح سكان المنطقة، لا شك في ذلك وإنما الوضع اللبناني بهذا الشكل قد صار مرفوضًا على أكثر من مستوى؛ لذلك لا بد من التغيير، ولا بد من الإلهاء، ولكن لن يسمح الاستعمار بشكل من الأشكال أن يكون هذا التغيير لصالح المسلمين. وإنما هو شكل جديد أو صورة جديدة لمضمون قديم، ويمكن أن نستشف هذا بشكل ما من تلميح لبشير الجميل- المسئول العسكري عن الميليشيات الكتائبية المسلحة- إلى أن النصارى في لبنان قد يقبلون رئيسًا مسلمًا للجمهورية كوسيلة لتحقيق السلام.

هذا أمر.. وقد يكون هناك أمر آخر، إذ نحن على أبواب مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، فالصلح مع "إسرائيل" قد تم مع مصر على الأقل الآن، ومن هنا فقد صار "لإسرائيل" في المنطقة دور جديد في مرحلة السلام هذه، وهذا الدور الجديد إذا لم يمحُ دور لبنان الذي قامت به من نهاية القرن الماضي إلى الآن محوًا تامًّا نهائيًّا فإنه لا شك سوف يجعله دورًا باهتًا ضعيفًا من جميع النواحي العقائدية والفكرية والاقتصادية والسياسية، فلا بد لكل شيء في هذه المرحلة أن يكون ممهورًا بنجمة داود السداسية وإلا مصيره الرد، لذلك لقد آن للبنان أن يتقاعد ويستريح من عمله الذي أثر على المنطقة تأثيرًا سلبيًّا وأوصلها إلى ما وصلت إليه، آن للبنان الأخضر أن يتقاعد وينزل من خشبة المسرح أمام الموظف الصهيوني الجديد، بعدما ساعده على الوصول إلى السلام بشكل أو بآخر فلقد غابت شمسه وأفل نجمه.

وبعد هذا كله نجد أن الحكم على مقررات بيت الدين يجب أن نتأنى في إصداره وذلك حتى نرى:

۱- مؤتمر بغداد وما مدى ظلال المشكلة اللبنانية فيه، ولا يخفى مدى التلازم بين النجاح في أي أمر وبين دقة تنفيذه، مهما كان هذا الأمر جيدًا من الناحية النظرية، وكلمة أخيرة نقولها: لا شيء يدعو للاطمئنان، وإننا نتوقع في كل لحظة أن نرى جديدًا. وهذا الوضع يجب أن يترقبه المسلمون بعيون يقظة وعقل وصبر وإيمان، وأن يكونوا فيه على مستوى القضية.

الرابط المختصر :