العنوان هل هناك اكتشاف جديد للجندي الإسلامي؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000
مشاهدات 68
نشر في العدد 1384
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 18-يناير-2000
أظن أن العالم قد اكتشف من قديم جسارة المسلمين وعزائم المجاهدين، وهو اليوم يعيد اكتشافهم في الشيشان وجنوب لبنان وفلسطين، وكشمير وغيرها، وليدور الزمن دورته ويظهر من جديد جندي الحق، ورجل العقيدة وفتيان الصدق، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٤٢) ويقوم من مخدعه خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، والقعقاع بن عمرو، وأسامة بن زيد، والنعمان بن مقرن، ومحمد بن القاسم، وطارق بن زياد، ومن جاء على إثرهم، من أمثال صلاح الدين، ومحمد الفاتح، وسيظهر اليوم من أمثالهم وستجود الأيام بإخوانهم، فالإسلام معطاء، والأمة ولود، والأب واحد، والأم نجيبة والأجداد أمجاد، فكيف يكون الوليد؟
أسود غاب ولكن لا نيوب لهم
إلا الأسنة والهندية القضب
إذا التقين الأعادي يوم معركة
تركن جمعهم المغرور ينتهب
لنا النفوس وللطير اللحوم وللـ
ـوحش العظام وللخيالة السلب
إن فتية الإسلام اليوم يعودون إلى التاريخ ليضربوا الأمثال في النزال وليديروا المعارك على شتى الجبهات طلبًا لحقهم، وانتصارًا لعزتهم وكرامتهم، لا ظلمة ولا بغاة ولا مستعمرين، لا يرهبون قوة على وجه الأرض مهما عظمت وكثر جندها وعتادها، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩).
وأحسب أن الدرس الذي يلقنه الشيشانيون للمحتلين الروس سيكون قاسيًا رغم أن التكلفة ستكون باهظة لأسباب منها:
أولًا: لنذالة الروس وتجردهم من الإنسانية ومن الرحمة ومن أدنى مبادئ الخلق، حيث سيفعلون بالآمنين، والعزل، والمدنيين الأفاعيل انتقامًا من خسائرهم الحربية، وليوهنوا عزائم المقاتلين المسلمين، ويستغلوا عواطفهم لآبائهم وأبنائهم وأسرهم، ولأن هذه دائمًا تكون حيلة الجبان والقذر، والضعيف.
وثانيًا: لأن الأنظمة قد تخلت عنهم، بل باعتهم لأعدائهم بدون ثمن، بل قد حُرضت عليهم، وحفزت ضدهم وتناساهم إعلام الأمة المسلمة، ولم يساندهم حتى بالكلمة، ولقد يعد من الغريب أن منظمة مثل منظمة العالم الإسلامي تجمع أكثر من ٥٠ دولة إسلامية بخمسين رئيسًا، وخمسين جيشًا وأكثر من ثلاثمائة بنك، ويبلغ تعداد شعوبها حوالي ثلث العالم، لا تستطيع مساعدة شعب يباد عن آخره جوعًا، وحرقًا بالقنابل ورجمًا بالصواريخ، ودكًا بالدبابات والرواجم والطائرات، أليس هذا التناسي وهذا السكوت قد يدفع بعض الغيورين من الشباب أو حتى الشيوخ إلى التطرف ضد أممهم وسلطاتهم؟ ويومها يحصد الجميع الصاب والعلقم، والشوك والحنظل، وتموج أمتنا في فتن كقطع الليل الأسود، وقد يندم الجميع ولات ساعة مندم.
وثالثًا: تحريض القوى العالمية مجتمعة على الشيشانيين خصوصًا، وعلى المسلمين عمومًا في جرأة غريبة، ووقاحة ليس لها نظير بدعوى القضاء على الإرهاب، أو التطرف، وما هي إلا أسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان، ولكنها أسماء خاصة بالمسلمين فقط لا تتعداهم، وهل يكون شعب بأكمله بحكومته إرهابيًا وهو يدافع عن بلاده وعن وطنه وعن دينه وعقيدته وعرضه ودمه وماله، وهل يكون ذلك الشعب إرهابيًا وهو يقتل منه كل يوم بالآلاف تحت الأنقاض، ولم لا يكون إرهابيًا ذلك القاتل الغازي المدمر لأرض غيره، ووطن سواه، ولمَ لا يكون وحشيًا ذلك الذي يشرب الدماء، ويقطع الأشلاء، ولا يرحم الولدان والنساء والشيوخ، أین حقوق الإنسان التي ينافق بها المجرمون المتحضرون الذين يضحكون على البسطاء والبلهاء والسذج، ولم ظهرت حقوق الإنسان في تيمور الشرقية ولم تظهر في الشيشان أو فلسطين أو کشمير، أو البوسنة والهرسك أو في أي بلد من بلدان المسلمين؟ وأظن أن ليلة القدر قد تظهر ولو في العمر مرة، ولا تظهر تلك الحقوق في بلاد المسلمين، وكيف تظهر في وسط هذا العالم القذر، وهو الذي يمول الحملة لقتل المسلمين؟
رابعًا: مراهنات المناصب في الكرملين على قهر الشعب الشيشاني المسلم وإخضاعه، والمقامرة بدمائه ومقدراته ومستقبله في سوق الرئاسة السوفييتية، وبورصة الدوما، وبروبجندة الإعلام الروسي لكسب الشارع الغبي، وعندما ينعدم الضمير وتنحط النفوس وتفلس العقول من البرامج الإصلاحية التي تنقذ الشعوب وترضي الأمم، تتصدر الحيوانات المتوحشة، وتظهر الخيانات والكوارث على أيدي الأبالسة ورغم كل هذا، فإن الأمة المسلمة ستنتصر إن شاء الله والشعب الشيشاني لن يهزم وسيكون الغالب والقاهر بعون الله، لأن عزمته مضرية، وعزته إيمانية، وغايته ربانية، ولهذا فلن يهادن أو يضعف، ومن كان كذلك فلا بد أن يحالفه النصر، وفي هذا يقول بشار بن برد:
فإنك لا تستطرد الهم بالمنى
ولا تبلغ العليا بغير العزائم
فحارب إذا لم تعط إلا ظلامة
شبا الحرب خير من قبول المظالم
وخل الهوينا للضعيف ولا تكن
نؤوما فإن الحزم ليس بنائم
ومن كان يظن أنه سينصر بالمجان فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع، فلينظر هل يذهبن کیده ما يغيظ، ومن كان ينادي يا خيل الله انزلي بدلًا من أن يقول: يا خيل الله اركبي، فلينظر هل ينال عزة أو يفرح بنصر الله؟ ومن كان ينادي على ابن سلول، ويصادق مسيلمة، ويقترن بسجاح هل يأتيه فلاح ويصادفه نجاح؟ وهل صادفت نفوسًا مهزومة وقيادات خائرة، ودولًا منهارة تنتصر في الوغي، وتفوز في القتال؟ أم أنها وبحالتها تلك تهزم بغير حرب، وتستعمر بغير قتال، وتستعبد بدون تهديد، وتطاطئ الرأس بدون خوف؟
وهل تصدق ولو للحظة أن أمة تقتل فتيانها وتسجن نابهيها وتكره مبدعيها وتطارد مجاهديها وعامليها، تستطيع أن تتعرف إلى صلاح الدين، أو تشتاق إلى خالد بن الوليد، أو تنادي على القعقاع بن عمرو، أو تبصر طارق بن زياد، أو تربى أشبالًا كأسامة بن زيد، أو محمد بن القاسم أو محمد الفاتح، وأمثالهم؟ إن الأبطال لا تصنعهم العجزة، ولا تحملهم الأرحام الملوثة، ولا تربيهم البيئة العفنة أو الأيدي النجسة، وإنما هم صناعة إلهية، وتكوينات نورانية ربانية، وقد أذن الله أن تظهر تلك العزائم، وتشرق هذه الهمم وتبدو تباشير هذا الإصباح، فهل تحب أن تشاركهم الموكب وتسير معهم على الدرب، وتحمل معهم الراية لتنقذ أمتك وتبدل بأسها أملًا، وخضوعها عزًا، وكسرها نصرًا، ويكون لك فضل السبق وأجر الريادة، أظن أنك لن تتخلف أو تتوانى وسيفرح المؤمنون بنصر الله، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.