العنوان هل نوم الأمة عبادة؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2011
مشاهدات 65
نشر في العدد 1946
نشر في الصفحة 48
السبت 02-أبريل-2011
حين تصبح الديانات طقوسًا معجمة والشرائع شعائر مبهمة، والتعاليم تراثًا متوارثًا والملل عنصريات بغيضة تكون العقائد قد صارت رسومًا باهتة على الشفاه ويكون الإيمان قد غدًا نوعًا من الادعاء الذي ليس عليه دليل أو شاهد، والتقوى شيئًا من الخداع النفسي الذي يرضي العادات والتقاليد والعبادة ضربًا من الأنماط الميتة التي لا تزكي روحًا، أو ترفع قدرًا، ويصير حملتها حملة للبخور، وطهاة للقدور، ويصبح الدعاة حراثًا في البحور، وصراخًا في الصحاري، يرجون المستحيل، ويطلبون المحال.
ومُكَلِّفُ الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار
فحين كانت الديانة برنامجًا للعمل، والشعائر وقودًا للحركة، والعقائد طاقة للكفاح والصعود، والعبادة تطهرًا وتزكية، ورقيًا للطاقات، كانت الأمة صاروخًا منطلقًا إلى هدفه بكفاءة واقتدار، وكانت صباحًا مشرقًا على دنيا الظلام منيرًا للدروب والفيافي والقفار، وكانت الرسالة حضارة غازية مغذية لجفاف الأرواح والنفوس، وكانت هداية تملك القلوب والعقول والأفكار، وكان المؤمن حركة قرآنية، ودعوة ربانية، ومصدرًا إشعاعيًا وعزمًا إيمانيًا، وقدرًا إلهيا، كان المؤمن يذهب إلى المسجد ليتزود بالتقوى، ويشحن بالإيمان ليتقوى على العمل، وينهض بالأعباء الكبار وكان يصوم ليتعود الصبر في المواطن ويحكم النفس بأمر الله، ويجاهد الشهوات ليسير إلى الطيبات، ويصعد إلى الدرجات العلا، ولهذا ما بنى دولة الإسلام إلا عباد القوم، وما قهر الأعداء إلا رهبان الليل، وما انتصر في غزوة بدر في رمضان إلا صوامه، وما فتح مكة وقهر الشرك إلا قوامه، ومازال التاريخ يحفظ مقولة عمير بن الحمام في بدر:
ركضا إلى الله بغير زاد إلى التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد ما كانت الصلاة عندهم ستارًا للكسالى، ولا ذريعة للتأخر عن الكفاح، وما كان الصيام عندهم موسمًا للتعطل والتبطل، ولا مدعاة للتسيب وقلة الإنتاج يحكى أن عبد الله بن المبارك كان كثيرًا ما يخرج للرباط والجهاد في سبيل الله، فخرج مرابطًا للجهاد بأرض الشام، وبلغه أن الفضيل بن عياض قد لزم العبادة بحرم مكة ولم يخرج فكتب قصيدته المشهورة التي يقول فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لوجدت أنـك بـالـعـبـــادة تلعب
مَنْ كان يُتْعِب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب
أو كان يَخْضِبُ خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضّبُ
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
فلما بلغ ذلك الفضيل بن عياض بكي وقال: صدق أخي ونصحني، رضي الله عنهما. على هذا عاش السلف الأول، وسار الركب الصالح معتزًا بنسبته إلى الله، قويا بمدده واثقًا بوعده: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٥)، غير هياب من باطل ولا وجل من ضلال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: ۱۷۳)، ولأمر ما كان الواحد من أولئك القلائل المؤمنين بالله والمتوكلين عليه يقف أمام الجحفل اللجب، والجيش اللهام، فلا يرهب صولته، ولا يخشى أذاه، لأنه لا يخشى أحدًا إلا الله، فأي شيء أعظم من تلك القوة التي كانت تسكبها العبادة في قلب الرجل المؤمن، وأي ثبات أروع من هذا البأس الذي تزرعه العقيدة في صدر الإنسان المسلم الذي يجيش بقوله تعالى: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (آل عمران: ١٦٠).
لهذا المعنى وعلى هذا الأساس وصف أصحاب محمد ﷺ بـ «رهبان الليل فرسان النهار»، ترى أحدهم في ليله ماثلا في محرابه، قابضًا على لحيته يتململ تململ العليل، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، فإذا انفلق الإصباح ودوى النفير يدعو للجهاد، رأيته رئبالًا على صهوة جواده يزار الزأرة فتدوي لها جنبات الميدان ويصيح الصيحة فتنخلع لها أفئدة الفرسان، كما كان الإيمان رباطًا بين القلوب، وإخًاء بين الأرواح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات:١٠)، كما كان حياة وتعاونًا وإيثارًا بين الأفراد والجماعات: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ۹) ، وكان علما وبحثًا وكشفًا وامتلاكًا النواصي الكون وتسخيرًا لنواميس الحياة:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:۱۱)، ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس ١٠١).
فلما أصبح الدين رسمًا بعد عين، وظلالًا بعد أن كان حقائق، وصارت التعاليم تراثًا يحترم أو لا يُحترم، ضاع أثره في النفوس، ودفعه للقلوب، وتحريكه للهمم، واضحت الشعائر والمواسم والمناسبات عواطف وميولًا وعادات وطقوسًا تمثل مظهرًا من مظاهر التراث الشعبي وتأتي الأيام العظيمة التي تحمل في طياتها الخير والإيمان والتجليات، فلا تحرك ساكنًا أو تمثل دافعًا نحو عزة، أو كرامة، أو نصر، أو تشعل فكرًا، وتوقد ذهنًا إلى بحث، أو علم، أو اكتشاف وتمضي العظات واللفتات فلا تمسح درنا، أو تزيل هجرًا، أو تصلح مجتمعًا، ويظل يأتي رمضان وراء رمضان، فلا ترى بدرًا، ولا تسمع نصرًا، أو تحس فتحًا، أو تشعر بأثر الإيمان العملي لا في الأفراد، ولا في الأسر ولا في الأمم، قد تجد القطيعة بين الناس كما تجدها بين الأمم الإسلامية، بل قد تجد التقاتل والمحاربة والدماء، واستحلال الحرمات من أهل الصيام، وأهل القيام، وأمة الوحدة والرسالة ووقعت الواقعة، وتكالبت على الأمة النوازل، وركعت أمام الأيام، وصارت مهيضة بغير جناح، كسيحة بغير قوام، يُضْرَب بها المثل في الضعف والهزال:
وكنا كذي رجلين رجل سقيمة ورجل رَمَى فيها الزمان فشلت
فهل ستظل الأمة عبادتها رسمًا وشعائرها سهوًا حتى قال القائل: «نوم الصائم عبادة»، أم تستيقظ وتتفاعل مع رسالتها وعقيدتها وتؤدي دورها في الحياة؟ نسأل الله ذلك.