العنوان هل نحن مقتدون...؟ التضحية في سبيل الدين
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998
مشاهدات 103
نشر في العدد 1283
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 06-يناير-1998
نقوش على جدار الدعوة
«الإنسان القدوة» هو النموذج الواقعي المتجسد الذي يحمل من القيم والفضائل والمكارم ما يعلو به على نوازع الأرض وثقلة الطين، لأن له بالله صلة قوية تمنعه من التردي والسقوط، فهو مشدود إلى العلا، بعيد عن الهوى، أسلم قياده لله فحماه وأواه، وأمده بنصره ورعاه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7) والذين يقتدي بهم لهم في الفضائل والمكارم درجات بحسب استمساكهم بمنهج الله، ولذا كان خير قدوة مأمور باتباعها النبي -صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 10) ويظل الناس يحاولون الارتقاء نحو هذا المرتقى الصاعد، لعلهم يتقربون من هذه القمة السامقة التي يقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم في ذلك متفاوتون أشد التفاوت بحسب القدرة والإخلاص والاستمرار والعلم والمعرفة والاشتغال بالعمل الإسلامي العام، الذي يقوم به بعض الدعاة سواء على المستوى الرسمي أم على المستوى الشعبي المتمثل في أصحاب المشروع الإسلامي، هؤلاء الذين ينبغي أن يتجردوا من كل ما يمس ذواتهم، ويجعلوا أنفسهم مذللة للدين، تمثله سلوكًا وعملًا والتزامًا قبل أن تتحدث به أو تعلن للناس عنه ليكونوا قدوة لغيرهم، وسراجًا منيرًا ينير الدرب، ويزيل الغبش أو الظلام، فهل نحن- الدعاة- كذلك؟.
هل نحن- حقًا- نضحي التضحية الواجبة في سبيل نصرة هذا الدين؟ إن الغايات العظيمة تتطلب تضحيات جسمية، وأي تضحية تكون هينة بسيطة أمام عظمة هذا الدين، لأنه النعمة الكبرى التي امتن الله بها على المؤمنين ورضيها لهم ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3) وقد فهم المسلمون الأولون قيمة هذه النعمة «الدين» في حياتهم وآخرتهم فاسترخصوا كل شيء في سبيله، قدموا أموالهم وأولادهم وأنفسهم لإعلاء كلمة الله، وجعلوا حياتهم وقفًا على نصرته، وتحملوا ما تحملوا من جهاد لينتشر نور الدين بين العالمين، وأي تضحية تأتي بعد تضحيتهم لن تكون على مثال ما قدموه، ولا قريبة مما فعلوه وأحداث الصدر الأول من المسلمين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده لا تترك مجالًا لمقارنة ولا حتى لمقاربة في الأفعال مع الذين يظنون- اليوم- أنهم يضحون وهم يجنون ويحصدون ثمرة ما يعملون، حيث يجدون أنفسهم وقد صار لهم أتباع وصارت لهم كلمة مسموعة بين مجموعات من الناس، ولا يحرمون من السفر هنا أو هناك، ليؤدوا بعض المحاضرات، ويتم الاتفاق معهم على كتابة بعض المقالات، أو يحضرون بعض الاجتماعات، ثم يظنون أنهم قد ضحوا وأنهم قد بذلوا وأدوا لهذا الدين بعض ما يجب عليهم أداؤه، وأن تضحياتهم قد تجاوزت الحد، وبلغت الأوج، فيعتزون بما فعلوا، وهم لم يفعلوا شيئًا إلا أنهم خرجوا عن إطار العرف الفاسد، الذي أصبح الدين آخر ما يتصل به أو يعبر عنه، وهذه ليست تضحية، لأنها واجب من واجبات المسلم التي تجعله ينأى بنفسه عن كل ما يرتضيه العرف الفاسد، ويرتفع بنفسه وبغيره عن السفاسف والدنايا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (القصص: 55)، ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء: 140)، فهل إن تجنبنا أمثال هذه الأشياء نكون قد ضحينا أم نكون قد التزمنا بشيء ديني أوجبه الله علينا؟
وهل التضحية ترك المعصية أم هي التسابق في حمل الأعباء وتخفيف اللأواء على المسلمين؟ هل التضحية عند المسلمين غير بذل وعطاء يتفاوت فيه المسلمون ابتداء من شق تمرة «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وانتهاء بتقديم النفس في سبيل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).
وبين البدء والانتهاء في سبيل الحق ومن أجله درجات كثيرة يتفاوت فيها المؤمنون وتتنوع وتتعدد من أجلها التضحيات، التي تتجمع لتصد عن الدين شرًا قادمًا، أو تدفع بالدين شرًا قائمًا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18) وبدون هذه التضحيات يبقى الشر منتفشًا والحق منكمشًا.
وكان السابقون في الإسلام هم أكثر الناس تضحية بالمال والوطن والأهل والولد والعشيرة والتجارة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24)، لقد أحبوا الله ورسوله فقدموا كل شيء، قدم أبو بكر كل ماله، وقدم عثمان الكثير من المال، وسمع أبو طلحة الآية الكريمة: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92)، فجعل بستانًا له من أجمل بساتين المدينة تجري فيه عين ماء في سبيل الله، وقسم عبد الرحمن بن عوف ماله نصفين جاء بأحدهما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لينفقه حيث شاء في مصالح المسلمين، وفعل مثله أحد فقراء المسلمين، وحملوا جميعهم السلاح في وجه البغاة المتجبرين ليردوهم إلى الحق الذي جاء من عند رب العالمين فأين نحن من هذه الأعمال؟ ومتى نقوم بها أو نؤدي بعضها؟