; هل نحن مسلمون أم قوميون؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل نحن مسلمون أم قوميون؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1981

مشاهدات 60

نشر في العدد 535

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 07-يوليو-1981

كثيرة هي المبادئ والنظريات والدعوات التي طرحت في وسط أمتنا منذ نهاية الحرب العالمية الأولي حتى الآن.. وكثيرة هي الأغراض التي أوجدت هذه المبادئ من أجلها وكأننا أمة خالية خاوية من المبادئ.. ولعلنا التمسنا خيطًا يسلك أو ينظم تلك الدعوات التي بدأ طارحوها يطرحونها منذ بداية القرن العشرين وللآن.. فإننا سنجد تلك الخيط هو اللادينية، فالقومية ابتداء هي أولى الدعوات التي طرحت في أوساط الأمة بصورة من صور ردة الفعل على سياسة التتريك التي نادي بها الكماليون أتباع مصطفى كمال أتاتورك.. الأمر الذي أدى إلى تجزئة بلدان الخلافة الإسلامية.. ثم تتالت الويلات والمآسي على الأمة العربية خاصةً والعالم الإسلامي عامة.. وذلك بعد أن تمكن المستعمر من تمكين دعاة الإقليمية في كل بلد للتحكم بأهله.. وبقيت الشعارات نفسها محل اجترار أدعياء المبادئ المختلفة التي تربط فيما بينها «اللادينية العلمانية» ليجتمع الجميع في نهاية المطاف على حرب الإسلام وقهر الدعوات المنادية بتحكيم هذا الدين في شؤون الحياة كلها بعيدًا عن عقول أبناء الأمة.. ثم وضعت مبادئ متنوعة وكثيرة بين يدي الأجيال.. وكان منها الاشتراكي الماركسي... ومنها الرأسمالي الحر، وبين هذا وذاك مبادئ شتى ليس للدين والعقيدة والشريعة الإسلامية فيها من رصيد.. ويفيدنا من أجل معرفة الدوافع من وراء طرح تلك المبادئ اللادينية أن نقف على منشئها.. ولنأخذ المنشأ القومي على سبيل المثال:

المنشأ القومي

منذ أيام حاول أحد العاملين بسلك الصحافة أن يصور هوية أمتنا من وراء منظاره القومي.. وخلص في تشخيصه لتلك الهوية بأن أمتنا أمة قومية وما علينا إلا أن نكون قوميين! وقد كتب هذا وهو يوضح أن ارتباطاتنا القومية هي فوق ما يسمى باليمين وفوق ما يسمى باليسار.. ويبدو أن الكاتب تغافل عمدًا وهو يدافع عن أحد الصليبيين أن المنشأ القومي في البلدان العربية إنما هو منشأ نصراني..

فقد بدأت فكرة القومية العربية في أوساط المثقفين المسيحيين قبل أن تبدأ عند المسلمين.. إذ كان المسيحيون على صلة وثيقة بالثقافة الغربية.. وهم أقرب إلى التأثر بتياراتها.. وفي فترة الترويج القومي بأقلام هؤلاء النصارى انضم المستشرقون إلى جانبهم بكل قواهم لبحث النواحي الدنيوية في تاريخ الأمة العربية أكثر مما اهتموا بالنواحي اللاهوتية من تاريخنا، ليصل أولئك كما أشار الدكتور حازم نسبية- وهو وزير أردني سابق- إلى: «أن الأمة العربية أقامت حضارة متقدمة راقية قبل الإسلام وبعده على السواء».

وقد خلص مروجو القومية من النصارى إلى نتيجة جعلوها حتمية.. وهي التي يقولون فيها:

«بهذا لم تكن الحضارة العربية إذن حادثًا دينيًا صرفًا لا يملك العرب النصارى أن يشاركوا بعد فيه- بل العكس هو الصحيح، وهو أن لتلك الحضارة ملامح مُنقطعة الصلة بالدين كما أثبت الواقع الذي انصب الباحثون الغربيون على كشفه» - القومية العربية- ترجمة عبد اللطيف شرارة- ط٢-ص٤٧.

المنشأ وحرب الإسلام

يذهب المفكرون والصحافيون الإسلاميون إلى أن تلك الجهود النصرانية في التأصيل القومي للأمة العربية يهدف إلى شيئين اثنين:

الأول: هدف فكري بعيد المدى مؤداه إزاحة الإسلام نهائيًا عن مقاليد الحكم حيثما يلقى في روع المسلمين أن الحضارة والمدنية إنما تفرض على الشعوب أن تنشئ لنفسها دولًا لها كيانات سياسية مستقلة مرتكزة على الدساتير والقوانين الوضعية، لأن الدين لله والوطن للجميع «أي لابد وأن تحكمه تشريعات مدنية وضعية» كي لا يسمح- لما يسمونه- بالتعصب الديني بأن يظهر متمثلًا في تطبيق الشريعة الإسلامية حتى ولو كانت الأغلبية الساحقة من السكان تدين بها.

ومن خلال هذه الرؤية- التي لا نشك في أنها رؤية ذات طبيعة استعمارية- نفذ المستعمر وقسّم العالم الإسلامي إلى قوميات عنصرية وسياسية بحيث ضمن ألا تعود الأمة الإسلامية تشكل خطرًا على العالم الصليبي من جديد.

الثاني: وكان هدفًا سياسيًا قريبًا أو مباشرًا لبث الفكرة القومية في بداية القرن العشرين، ويذهب المؤرخون الإسلاميون إلى أن ذلك الهدف كان يرنو إلى فصل شبه الجزيرة ومصر وشمال إفريقيا لتقطيع أوصال الدولة الإسلامية، ثم الإجهاز عليها كلية واقتسام تركتها الضخمة.. وجاءت آنذاك الحرب العالمية الأولى لتسرع في إنجاز المهمة.. وكان أن تحقق كل ذلك على أتم ما خططه الاستعمار القديم، فقسمت بلاد المسلمين من ثم إلى أشتات من القوميات العنصرية والسياسية، ثم استعمرت معظمها بعد أن نحي الإسلام بالقوة عن قيادة الأمة المسلمة، وكانت البداية العملية لكل هذا عام ١٩١٤‏.

الدين لله والوطن للجميع

وهي المقولة.. بل الشعار الذي طرحه القوميون.. وهو نفسه القول الذي يروجه القوميون الآن لتبرير ما يسميه الإسلاميون «الشعوب العربية».

إن هذه النقمة هي النقمة التي ترنم بها صليبيو أوروبا ومازالوا يترنمون، ولهذا الشعار قصة بدأت منذ أكثر من قرنين؛ فقد كان من المستحيل أن تتقبل عقول الأوربيين في عصر النهضة مجموعة الخزعبلات والمتناقضات التي فرضتها الكنيسة على الناس بالقوة، الأمر الذي حول العلاقة بين رجال العلم والكنيسة إلى صراع مرير.. ثم تمخض الصراع هناك عن مرحلة جديدة وقف فيها دور الديانة النصرانية عند حد الصلوات والشعائر الكنسية، كما اقتصرت مهمة رجال الدين النصارى على جمع التبرعات وتعميد الأطفال والقيام ببعض المراسم الكنسية الأخرى.

وانتقلت هذه العدوى مع المستعمر إلى بلادنا.. وطرح زمن الاستعمار وللأسف- على ألسنة القوميين- شعار "الدين لله والوطن للجميع".. وكان مؤدى جهود أولئك فصل الدين عن الدولة.

القومية بوابة عبور الأحزاب الشيطانية

عندما علت أصوات الأبواق الداعية إلى الترابط القومي العنصري بين شعوب الدول العربية مع خروج الاستعمار في الأربعينات والخمسينات؛ بدأت تطل على الساحة العربية شعارات جديدة.. ‎‏كان كل منها يفسر القومية من منظوره الخاص.. وعلى الرغم من أن أحزاب اليسار الاشتراكي والشيوعي في الوطن العربي لا تؤمن بالقومية رابطة للشعوب العربية في حقيقة الأمر إلا أنهم لم يجدوا مدخلًا غير القومية لتجاوز الإسلام كرابطة بين شعوب المسلمين.

* فالتحزب الذي بدأ على الساحة العربية انطلق من بعض الرؤى القومية ليوزع شعارات الوحدة التي تبين للشعوب أنها ليست إلا وحدة الأنظمة في مواجهة الشعوب.

* وصفوف الأحزاب العابرة من اليمين إلى اليسار دخلت من البوابة القومية وهدفها ترسيخ الفكر البديل عن الفكر الإسلامي؛ لإكمال المقولة المنادية بإبعاد الدين عن الدولة.

* ثم ظهرت آراء تقول- على الرغم من تضاربها- إن بناء الوطن والمواطن العربي لا يكون إلا بطريقتين لا ثالث لهما: الرأسمالية (عند دعاتها والمنتفعين بها) والاشتراكية (عند إنصاف المتعلمين والسفسطائيين).

الإسلام هو الأصل ولا بديل عنه

إننا نقول: هناك طريق ثالث يتجاوز كلًا من الرأسمالية والاشتراكية.. وكذلك القومية.. وهو طريق لبلادنا والبلدان الإسلامية جميعًا.. ألا وهو طريق الإسلام.. الإسلام في مفهومه الصحيح.. عقيدة ونظام شامل للحياة..‏ ‏يستوعب كل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. أما الفهم الخاطئ الذي نشأ عن الإسلام في نفوس وعقول البعض.. إنما كان ذلك من تسرب الفهم الغربي للدين.. وهو مفهوم له خلفيات تاريخية تعود إلى عصر الإقطاع وسيطرة الكنيسة التي أدت إلى ثورة الجماهير على إرهابها الفكري؛ الأمر الذي أفرز فصل الدين عن الدولة، وإبقاء مجاله محصورًا فيما ينظم العلاقة بين العبد وربه، وهذا مناقض تمامًا لمفهوم الدين في الإسلام.. ذلك الإسلام الذي ينظم علاقات المواطن بأمور أساسية ثلاثة: علاقته بربه، ‏وعلاقته بمجتمعه، وعلاقته بالإنسانية قاطبة.. وإذا أردنا أن نتلمس عطاء الإسلام في حكم الناس فيجب أن نبتعد عن عملية الترقيع حيث يجب أخذ الإسلام جملة واحدة ككل.

 ذلك أن الإسلام يؤخذ جملة وتفصيلًا لا أجزاء وتفاريق موزعة.. كما أن أخذ حكم من هنا ورأي من هناك إنما هو عملية غير واردة في مفهوم الإسلام، قال تعالى﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة: 85).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

153

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6