العنوان هل نجح الأفارقة وفشل العرب في التعامل مع الأزمة
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر الجمعة 17-سبتمبر-2004
مشاهدات 77
نشر في العدد 1618
نشر في الصفحة 30
الجمعة 17-سبتمبر-2004
أثار تعامل الاتحاد الإفريقي الواضح مع أزمة دار فور عدة تساؤلات خاصة حول إمكانية احتواء الأزمة إفريقيًا، ولماذا برزت بعض الدول الإفريقية على السطح مثل نيجيريا التي قامت بإرسال قوات حماية للمراقبين الأفارقة، فضلا عن استضافتها لمحادثات السلام بين طرفي الصراع «الحكومة – المتمردين»، وفي المقابل عدم بروز دور بعض الدول العربية بشكل واضح خاصة على الصعيدين السياسي والعسكري من ناحية ثالثة، وهو ما يدفع بدوره إلى التساؤل عن موقف الجامعة العربية باعتبار السودان بلدًا عربيًا مسلمًا وعضوًا بها؟!
تحرك مبكر: لعل أول ملاحظة تتعلق بدور الاتحاد في التعامل مع أزمة دار فور هو التحرك المبكر لمحاولة احتواء الأزمة خاصة بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين الفرقاء في نجامينا عاصمة تشاد في الثامن من أبريل الماضي، حيث وافق الاتحاد على تشكيل لجنة مراقبة وقف إطلاق النار cease fire commissionوالتي عرفت اختصارًا باسم CFC، هذه اللجنة يرأسها ممثل عن الاتحاد الإفريقي، ونائبه من الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن مبعوث الاتحاد الإفريقي «قام رئيس مفوضية الاتحاد بتعيين رئيس وزراء النيجر السابق حامد العابد مبعوثًا خاصًا له لدارفور»، ويشارك فيها عضوان عن كل من الحكومة وحركتي التمرد «حركة تحرير السودان، وحركة العدالة والمساواة»، وعضوان عن الوسيط التشادي.
وفي الرابع عشر من مايو طلب مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد - وهو الجهاز المنوط بتسوية النزاعات في القارة - من لجنة وقف إطلاق النار اتخاذ التدابير اللازمة لعملية المراقبة، ومن أبرز هذه التدابير نشر بعثة مراقبة تضم بالأساس أفرادًا مدنيين، ويمكن أن تضم عسكريين لحماية اللجنة، وتم الاتفاق على أن تتشكل البعثة من أعضاء لجنة وقف إطلاق النار - 132 مراقبًا «60 منهم - أي قرابة النصف - من الاتحاد الإفريقي، 36 عضوًا من الأطراف السودانية الثلاثة بواقع 12 عضوًا لكل طرف، 18 عضوًا من تشاد باعتبارها وسيط السلام، والعدد الباقي «18» من المجتمع الدولي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة».[1]
ومعنى هذا أن التحرك الإفريقي جاء مبكرًا عن التحرك الدولي ممثلًا في الأمم المتحدة التي باركت التدخل الإفريقي أول الأمر، وذلك أثناء زيارة كوفي عنان للسودان أوائل يوليو الماضي، وإقراره لخطة الحكومة للنهوض بالإقليم خلال 90 يومًا، لكن فجأة انقلب الموقف - لحسابات أمريكية وبريطانية وصهيونية - رأسًا على عقب من خلال تبني مجلس الأمن القرار الأمريكي بشأن إعطاء مهلة لحكومة الخرطوم مدتها شهر لنزع أسلحة الجنجويد، وإلا تعرض لعقوبات اقتصادية ودبلوماسية قد تكون مقدمة لتدخل عسكري، وهو القرار الذي حمل رقم 1556 والصادر في 30/7/2004م.
إلا أن الاتحاد أبدى رغبته في ضرورة احتواء الأزمة في الإطار الإفريقي ومنع تدويلها، فقرر إرسال قوة قوامها 2400 جندي لحماية بعثة المراقبين الموجودين في الإقليم، مع سعيه لتحويل هذه القوات إلى قوات حفظ سلام بمعنى أنها تقوم بحماية المدنيين من أبناء الإقليم الموجودين في نطاق تواجدها.
بروز إفريقي وتراجع عربي: ومع وصول طلائع القوات الإفريقية لدارفور «وهي عبارة عن وحدات رواندية وأخرى نيجيرية» منتصف الشهر الماضي ثارت عدة تساؤلات تحتاج إلى إجابة منها:
مدة بقاء هذه القوات: إذ لم يحدد الاتحاد مدة بقاء هذه القوات، وهي نقطة قد تؤدي إلى حدوث مزيد من المشكلات مع حكومة الخرطوم، فإذا كان الاتحاد قد حدد مهام هذه القوات، فمن باب أولى تحديد مدة بقائها.
تمويل هذه القوات: وتعد مشكلة التمويل إحدى أهم المشكلات التي تواجه أي عملية إفريقية لحفظ السلام، صحيح أن هناك صندوقًا خاصًا تم إنشاؤه لتمويل عملية إرسال قوات إفريقية لحفظ السلام، إلا أنه لا يزال حبرًا على ورق، وهنا يبرز التمويل الأجنبي لهذه العملية وغيرها، فقد تعهدت الدول الأوروبية على سبيل المثال بنقل القوات الإفريقية إلى دارفور، ويأتي ذلك في إطار تعهد أمريكي أوروبي سابق منذ عام 1997م، يقضي بإنشاء مراكز تدريب وتأهيل وإعداد قوات حفظ سلام إفريقية لحفظ السلام، وهو ما تم تأكيده في قمة الدول الثماني الكبرى في يونيو 2004م بالولايات المتحدة، حيث أكدت هذه الدول التزامها بدفع نفقات الخدمات اللوجستية من إمداد وتموين - نقل بري وجوي، وهو الأمر الذي حدث في جميع الصراعات السابقة في إفريقيا جنوب الصحراء[2]، ولا شك أنه يحمل مخاطرة كبيرة لعل أهمها أنه يخضع عمل هذه القوات المصالح وأهواء هذه الدول التي يمكن أن توقف دعمها لها في أي وقت.
أن بروز بعض الدول كنيجيريا يرجع لعدة اعتبارات لعل من أهمها أن نيجيريا دولة ذات ثقل كبير في القارة - خاصة في غرب إفريقيا - وتحظى بقبول لدى المتمردين على اعتبار أنها دولة إفريقية وليست عربية، كما أن رئاسة نيجيريا للدورة الحالية للاتحاد جعلها معنية أكثر بالأمر، فضلًا عن خبرة نيجيريا في التعامل مع قوى التمرد، خاصة إبان أزمة إقليم بيافرا في ستينيات القرن الماضي.
وفي المقابل يلاحظ تراجع دور الدول العربية - خاصة الإفريقية - في عملية إرسال قوات للسودان وفي مقدمتها مصر، ويرجع ذلك لعدة اعتبارات لعل من أبرزها ذلك التهديد الذي وجهته جماعة العدل والمساواة في دارفور على لسان رئيسها خليل إبراهيم للجامعة العربية عامة، ولبعض الدول مثل مصر واليمن خصوصًا بشأن عدم إرسال قوات لها للإقليم وإلا اعتبرتها قوات معادية سيتم مواجهتها، كما رفضت الجماعة مشاركة أي دولة عربية لها اتفاقات أمنية مع حكومة الخرطوم على اعتبار أنها ستنحاز لحكومة الخرطوم، ومن ثم أعلنت الجماعة أنها لن تسمح إلا لقوات خمس دول إفريقية فقط بدخول الإقليم - بناءً على اتفاق مسبق مع الاتحاد الإفريقي. وهي نيجيريا – رواندا - غانا - جنوب إفريقيا – السنغال[3].
وتجدر الإشارة إلى أن الدور الرئيس لتسوية الأزمة يقع على عاتق الحكومة السودانية وليس قوات حفظ السلام الإفريقية، ومن ثم لا بد من تقديم المزيد من الدعم للحكومة في هذا الشأن، خاصة وأنها اتخذت عدة خطوات إيجابية في إطار تحسين الأوضاع المعيشية لأبناء الإقليم قبل نزع أسلحة بعض ميليشيات الجنجويد وتقديمهم للمحاكمة وزيادة عدد قوات الشرطة بالإقليم والسماح بعودة اللاجئين، وتسهيل دخول منظمات الإغاثة، ولعل ذلك هو أفضل أسلوب لاحتواء الأزمة.
[1] لمزيد من التفاصيل حول تشكيل هذه البعثة انظر تقرير رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي بخصوص الاجتماع رقم 12 لمجلس السلم والأمن الإفريقي في: reporter of the chairperson of the commission on the situation in darfur
(The Sudan), choosa 12's meeting of peace and security council, 4 July 2004 Addis Ababa.
[2] دكتور عبد الله عودة: التفكير والتدبير في أمور السودان - الأهرام 4/8/2004.
[3] تصريحات رئيس حركة العدل والمساواة، إسلام أون لاين 8/8/2004