العنوان هل نترك «الفتن» ونشمّر «للعمل»
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1875
نشر في الصفحة 31
السبت 31-أكتوبر-2009
نفسك التي بين جنبيك أمانة عندك ترفعها أو توبقها، وصدق الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس9:10)، وتزكية النفس تكون بالإيمان والعمل الصالح، إذن، فالإيمان والعمل الصالح، هو طريق الفلاح والهداية، وقد حذرنا الله ورسوله من الضلال عن الصراط المستقيم فقال صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل والجدل آفة تأكل الإخلاص، وتبعد الإنسان عن الحق»، ولهذا كثرت النصوص في النهي عنه، قال عليه السلام ما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل، فكان الجدل هو نتيجة حتمية للضلال وحصيلة للتيه عن الصراط المستقيم، قال تعالى
في بيان حجة الكافرين: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا﴾ (الزخرف: ٥٨)، والجدل في كلام العرب هو المبالغة في الخصومة والمراء، وإذا أراد الله بعبد شرًا، أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل، ولهذا ما ألهم قوم الجدل إلا حرموا العمل، ومن طلب الدين بالكلام ألحد، وما أتى الجدل بخير قط، وقال العلماء: لا يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يذر المراء «الجدل» وإن كان محقًا، والمؤمن الحق هو الذي يبتعد عن الجدل، والخصومة عن المبطلين جريمة قال تعالى: ﴿... وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء:105)، أي مدافعًا، ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَن الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ (النساء: ۱۰۷)، وقد نزهت الأعمال التعبدية عن الجدل ﴿... وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ﴾ (البقرة: ۱۹۷)، وقرر العلماء أن المجادل يعد من الجاهلين فقالوا: آفة الجهل الجدل، وآفة العمل رؤية النفس.
والجدل كما قرر العلماء نوعان: جدل يوجب تقرير الحق، وهذا مطلوب ولكن الناس بعدوا عنه وجدل يوجب تقرير الباطل وقد خاض الناس فيه إلى الأذقان وهو منهي عنه؛ لما يسببه من تدمير وإلهاء عن العمل الصالح، ونحن كأمة مهزومة تحتاج إلى العمل الصالح الذي يرفع الإنسان في الدنيا ﴿والآخرة مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ (الجاثية ١٥)، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7)،
وللعمل ثمرات يطمح كل إنسان إليها، ومنها:
1- أنه يبعد الإنسان عن غضب الله ولعنته، فإذا تعلم الناس العلم وتركوا العمل، وتحابوا بالألسنة وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم.
٢- كما أنه حرث الآخرة، حرث الدنيا المال وحرث الآخرة العمل الصالح، ومن أراد حرث الآخرة نزد له في حرثه ...
٣- عمل مرفوع كرامة وفضلًا من الله ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: ۱۰).
٤- نتيجة الطيبات ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (المؤمنون: ٥١).
5- شرط من شروط التوبة عن المعاصي والآثام - العمل الصالح ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَتَكَفَرَتْ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (العنكبوت:7)، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ (العنكبوت:9)، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ (العنكبوت ٥٨)، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَهُ يُحْبَرُونَ﴾ (الروم:15)، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (فاطر:7).
-٦- تحسر المبطلين وندمهم بترك العمل الصالح يوم القيامة ﴿رَبِّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (السجدة:12).
هذا، وثمرات العمل الصالح كثيرة نفعها في الدنيا والآخرة ﴿إن الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (مريم:96)، وكذلك سيستخلفهم في الأرض وَعَدَ اللَّهُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٥).
فهل نستطيع أن ندع الموبقات وعلى رأسها الجدل، ونشمر للعمل حتى ننال رضا الله وفضله بالاستخلاف والعزة في الأرض؟ أم نظل نرزح في الوقيعة ونلتمس للبرءاء العيب، ونقلب المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، إن حالنا صار أضحوكة للأمم، وسخرية للمراقبين والباحثين في كل ناحية من نواحي الحياة، ولا حياة لمن تنادي يقول حافظ أبو سعدة الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان إن أشكال الفساد في مصر تتمثل في أمور كثيرة منها الرشوة والابتزاز والاتجار بالنفوذ وإساءة استغلال الوظائف والإثراء غير المشروع فضلا عن غسل الأموال المتحصلة من الفساد وإخفائها، وعرقلة سير العدالة.
وأضاف «أبو سعدة»: إن أسباب انتشار الفساد في مصر وكثير من البلاد العربية تتلخص فيما يلي:
١- غياب الديمقراطية بمعناها الحقيقي المتضمن مبادئ المحاسبة والشفافية، وقيم الفصل بين السلطات، ومعايير تداول السلطة والتغيير.
٢- تدني مرتبات الوظيفة العامة في مصر، التي لا تضاهي بأية حال من الأحوال الارتفاع الكبير في الأسعار، فضلًل عن عدم تماثل المرتبات بين كافة العاملين في الدولة.
3 - عدم وجود آليات واضحة لمنع تضارب المصالح؛ مما أدى إلى سيطرة قلة من رجال الأعمال على الاقتصاد المصري وعلى مجريات العملية السياسية.
4- التوسع في الحصول على القروض والمعونات الأجنبية، وما سببته من إفساد لموظفي الدولة على جميع المستويات.
5 - سياسة الخصخصة وتحويل شركات القطاع العام إلى القطاع الخاص، وما يشوب هذه السياسة من فساد في تقييم الشركات بشكل فاضح لصالح بعض المستثمرين سواء في الداخل أو الخارج.
6- تخلي الدولة عن تقديم الخدمات العامة خاصة في مجالي التعليم والصحة، فضلًا عن غياب رقابتها على الخدمات المقدمة من القطاع الخاص؛ مما أدى إلى خدمات رديئة بتكاليف باهظة.
7- انتشار الواسطة والمحسوبية، وسيادة الشعور بأن القانون لا يطبق إلا على الفقراء.
وفي نفس السياق، قال فاروق «العشري» عضو لجنة الدفاع عن الديمقراطية حينما ينتشر الفساد، يغيب لعدل، وتزداد حدة الصراع الاجتماعي الداخلي، ويسود الإحباط، وينمو العنف، وتسقط القيم الاجتماعية؛ مما يؤدي إلى ضعف الانتماء الوطني وتهديد السلام الاجتماعي.
اجتثاث الرجال الصالحين والصاق التهم الباطلة بأشخاصهم وزجهم في السجون والمعتقلات وإبعادهم بشتى الطرق عن المجتمع والحياة العامة وتحريض الفاسدين والمنافقين لتلويث سمعتهم والتشهير بهم، واستعمال البلطجية والمسجلين الخطرين في الاعتداء عليهم، وإبعادهم ومطاردتهم في كل نشاط أو عمل اجتماعي مع محاصرتهم بحزم من القوانين الظالمة.
وبعد، فهل في استمرار هذه الأوضاع ما يدعو إلى الريادة والتقدم وإصلاح ما أفسده الباطل حتى تنهض الأمة من كبوتها؟ لا أظن لا أظن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل