العنوان هل من سبيل إلى توحيد تقويم المسلمين؟
الكاتب محمد السيد علي بلاسي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-2000
مشاهدات 75
نشر في العدد 1427
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 21-نوفمبر-2000
- التقويم الهجري من بدايته كان محكومًا بضوابط غاية في الدقة.
- أجمع الصحابة رضي الله عنهم وفيهم الخليفة عمر على التقويم الهجري ولم يعترض أحد حتى اليوم.. فلماذا شذت الجماهيرية؟!
التقويم مظهر من مظاهر حضارة الأمة وسمة من سمات وحدتها، لاسيما أنه يتعلق بأخص شؤونها، ألا وهو التعامل فيما بينها أو مع غيرها.
ومما هو بين في أقطار المسلمين، أننا نجد تباينًا في تقويمها قل أن نجده عند غيرها، فمن الدول من يستخدم التقويم الميلادي مع الهجري، ومنها من يقتصر على التقويم الميلادي وعجيب أن ينفرد أحدها بتقويم يؤرخ من وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟!
التقويم والإنسان: في العصور القديمة كان الإنسان يعتمد في حساباته الحياتية والوقتية على ضياء الشمس، لما يحدثه هذا الضياء من ظلال تتغير بين فترة وأخرى، كذلك كان يعتمد على نور القمر من خلال هلاله وأدواره المختلفة، إلى جانب اعتماده على حركة النجوم المتحركة في حسابه الزمني والوقتي، ولكن تعذر في بعض الأحيان الاعتماد عليها، وذلك لكثرة الغبار والغيوم التي تكثر في فصل الشتاء وقبل وبعد هذا الفصل أي ما يقارب ثلث السنة، لذا فقد اتخذ الإنسان –ومنذ القدم– مقاييس طبيعية مستندًا إلى ما يلي:
١- حركة الأرض حول نفسها.
٢- حركة الأرض حول الشمس.
٣- حركة القمر حول الأرض.
ومن دراسة هذه المقاييس وضع الإنسان التقاويم.
التقويم الميلادي:
في سنة (٤٦) قبل الميلاد استدعى الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر من الإسكندرية الفلكي المصري «سوسيجينيس» طالبًا منه وضع تقويم حسابي، فوضع الفلكي المصري التقويم معتمدًا على السنة الشمسية وبعد إعداد هذا التقويم سمي بالتقويم اليولياني نسبة إلى الإمبراطور يوليوس قيصر، وقد اعتمد بعض الدول والشعوب هذا التقويم.
وبأمر من الإمبراطور قسطنطين انعقد المجمع الكنسي العام «المسكوني» في سنة (٣٢٥م)، وأقر المجمع الاعتماد على التقويم اليولياني المستعمل وقتذاك، وأن يبدأ من السنة الميلادية نسبة إلى ميلاد السيد المسيح –عليه السلام– وأن تكون بداية هذا التاريخ من ١/١/١م، وهو يوم ختان السيد المسيح –عليه السلام– كما يقولون.
وبعد إقرار التقويم من قبل المجمع اعتمدت عليه دول أوروبا كافة وغالبية الشعوب والأمم الأخرى، وحسب هذا التقويم تكون ثلاث سنوات بسيطة، بمعدل ٣٦٥ يومًا بكل سنة، والسنة الرابعة تكون كبيسة بمعدل ٣٦٦ يومًا.
واستمر هذا التقويم إلى سنة ١٥٨٢م، وبالضبط إلى يوم ٤/١٠/ ١٥٨٢م، حيث لاحظ الفلكيون في هذه السنة في عهد بابا الفاتيكان جوريجوري أن دوران الأرض حول الشمس في السنة الواحدة ليس (٢٥, ٣٦٥ يومًا)، إنما أقل بقليل من ذلك، حيث حسبت أن دوران الأرض حول الشمس في السنة الشمسية الواحدة تساوي (٢٤٢٢. ٣٦٥ يومًا)، وأن هذه الفترة الزمنية التي هي بمقدار (۰۰۷۸,. من اليوم في السنة الواحدة) قد غيرت فصول السنة على مدى السنين المنصرمة لذا أمر البابا جوريجوري بإجراء إصلاح على التقويم المقدم من الفلكيين حول هذا الفرق، فتقرر إصلاح التقويم كالآتي:
١- لتلافي الفرق الحاصل للفصل عبر السنين المنصرمة زيد التاريخ (۱۰أيام)، وجعل التاريخ بعد يوم ٤/١٠/ ١٥٨٢م – ١٥ / ١٠ / ١٥٨٢م بدل ٥/١٠/ ١٥٨٢م.
٢- تبقى السنوات الكبيسة كما هي حسب التقويم «اليولياني»، أي أن أي سنة تقبل القسمة على رقم ٤ بدون باق فهي كبيسة، وما عداها يكون سنة بسيطة، باستثناء رؤوس القرون السنوات التي يكون أحادها وعشراتها (..) لا تكون كبيسة إلا إذا قبلت القسمة على رقم (٤٠٠) بدون باق، أو إذا كانت السنة واقعة في رأس قرن فيحذف الصفران في أحادها وعشراتها، وباقي رقم السنة إذا قبل القسمة على رقم (٤) من دون باق تكون كبيسة، وعلى هذا يكون في كل (٤٠٠) سنة شمسية (۹۷) سنة كبيسة، في حين كان في التقويم اليولياني (١٠٠) سنة كبيسة في كل (٤٠٠) سنة شمسية.
وقد أقر هذا الإصلاح، وسمي التقويم بعد إصلاحه بالتقويم الجوريجوري نسبة إلى عهد البابا جوريجوري.
واستعمل هذا التقويم من الدول بالتعاقب وما زال يستعمل حتى الآن، وهو المعروف بالتقويم الشمسي أو التاريخ الميلادي.
التقويم العربي:
لم يكن لجميع العرب قبل الإسلام تقويم واحد لتدوين تواريخهم، وتثبيت حوادثهم، بل استعملوا عدة تقاويم، فقد كانت كل قبيلة تستعمل تقويمًا خاصًا بها، وأحيانًا كانت تستعمل قبيلة تقويم قبيلة أخرى.
وكانت هذه القبائل العربية في الجاهلية تؤرخ وتقوم عدة تقاويم بفترات متباينة مبتدئة السنين بما يحصل فيها من أحداث جسام.
فقد أرخ قسم من القبائل من بناء النبي إبراهيم وابنه إسماعيل –عليهما السلام– بالكعبة، وآخرون ارخوا بانهيار سد مأرب أو حرب الفجار، وقسم آخر يؤرخ بموت رئيس القبيلة، وآخرون يؤرخون بتولي رئيس جديد للقبيلة.
ومن أشهر تلك التقاويم التي أرخ بها أهل مكة وتبعهم معظم القبائل العربية تقويم عام الفيل». وسمي بذلك نسبة إلى هجوم الملك الحبشي «أبرهة» على الكعبة يريد هدمها بجيش يتقدمه فيل، وفي ذلك العام ولد خاتم الأنبياء والرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكان ذلك في سنة (٥٣) قبل الهجرة، الموافق سنة (٥٧١م).
بقي تقويم عام الفيل تؤرخ به العرب قبل الإسلام وحتى في زمن الإسلام، وانتهى بعد الاعتماد على التقويم الإسلامي «الهجري».
أما عن كيفية تأريخ العرب لتقاويمهم: فقد كانت هناك عدة تقاويم يؤرخ بها من قبل القبائل العربية قبل الإسلام، وكانت تقاويمهم تعتمد على مبدأ الشهر القمري، ومن جملة تقاويمهم قمري شمسي أي جعل السنة القمرية متصلة بالسنة الشمسية، حيث كانت تحسب كل (۱۹) سنة قمرية منها (۱۲) سنة بسيطة ذات (۱۲) شهرًا والسنوات السبع الباقية سنين كبيسة يلحق بكل سنة شهر قمري إضافي أي (۱۳) شهرًا، ومن جملة ما أرخوا بالتقويم العربي هو إلحاق شهر إضافي كل ثلاث سنوات قمرية.
ولقد كان من بين العادات الكريمة التي دعا إليها إبراهيم -عليه السلام- العرب تحريم أربعة أشهر لا قتال فيها ولا جدال، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وقد كان العرب يسافرون في هذه الأشهر بكل حرية وبخاصة لأداء فريضة الحج، وحين دب الفساد في بعض القبائل اخترعوا بدعة النسي.».
والنسيء: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وعادات فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون مكانه شهراً آخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم فكانوا يحرمون من شهور العام أربعة أشهر، فأنزل المولى -عز وجل- في ذلك قرآنًا يتلى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (التوبة:۳۷) أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين، وربما زادوا في عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت، ولذلك قال عز وعلا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (التوبة:٣٦)، يعني من غير زيادة زادوها.
وفي حجة الوداع يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته الجامعة «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان».
التقويم الإسلامي «الهجري»:
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في سنة ١١ هجرية، واستلام الخلفاء الراشدين زمام أمور المسلمين بدأت الفتوحات الإسلامية واتسع مداها، عندئذ التبس الأمر على المسلمين في الإشارة إلى السنة، نظرًا لكثرة الحوادث الإسلامية المهمة واختلاف مواقع حدوثها، وكثرة أموال الجزية التي كانت تدفع إلى المسلمين، ونظراً لأنهم كانوا يؤرخون بالتقويم الميلادي لبعض الحوادث التي تطرأ في فتوحاتهم لذا بدأ المسلمون في التفكير لحل الالتباس المذكور.
ففي سنة ١٧ هجرية، جمع الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وجوه الصحابة للبحث في أمور التقويم الإسلامي، بحيث تكون بدايته من حدث إسلامي عظيم الشأن.
فمنهم من اقترح أن يبدأ من يوم ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وآخرون قالوا: نؤرخ من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، واقترح علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- جعل التقويم الإسلامي بداية من سنة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
واتفق الخليفة والصحابة على رأي الإمام علي -كرم الله وجهه- لما لهذا الحدث من معان سامية وانتصار الإسلام، ومن هنا سمي التقويم الإسلامي «التقويم الهجري» نسبة إلى هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من مكة ليستوطن في المدينة المنورة.
دعوة للتوحيد:
لم أكن أدري سر اعتماد الجماهيرية العربية الليبية على التقويم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى طالعت بحثًا للكاتب الليبي الأستاذ إبراهيم بشير الغويل، والذي قدمه للندوة الفكرية العالمية حول مرور أربعة عشر قرنًا على اختتام النبوة واكتمال الدين، تحت عنوان الدورة –أو الاستدارة– الكبرى للزمان وفيه يوضح هذا السر، إذ يقول: «ولقد بلغت الإنسانية -وبما أثرتها به التنوعات القومية وتجاربها وتراثها- الغاية في الارتقاء يوم أن اكتمل الدين وختمت النبوة والرسالة يوم أن أعلن الرسول صلى الله عليه وسلمفي خطبة حجة الوداع أن الزمان قد استدار كهيئته يوم أن خلق الله السموات والأرض فقد بدأ بعد حجة الوداع، إذن الحساب الدقيق الذي تفرد بالصحة. كما أن مرحلة جديدة من الزمان قد بدأت، ونحن في الجماهيرية نتمسك بهذا التاريخ الصحيح، ونتخذ منه علامة فارقة في تاريخ الإنسان، ففي ذلك اليوم اكتمل الدين وأعلن انتهاء نظام النبوة والرسالة، وبهذه المفاهيم يؤرخ بالتاريخ الذي تفرد بالصحة وبدأ بحجة الوداع».
ولو نظرنا بعين ثاقبة إلى ما قاله الأستاذ الغويل، وناقشناه مناقشة موضوعية بعيدة عن منطق الهوى المتجرد لقلنا:
أولًا: لماذا جزمت بأن التاريخ الذي عليه انتم هو الذي تفرد بالصحة دون غيره؟ مع أن التاريخ الهجري كان يعتمد على حساب في غاية الدقة من بدايته، حيث ارتباطه بشعائر إسلامية كالصوم -مثلًا- والذي فرض في السنة الثانية من الهجرة.
وفي الحديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» (متفق عليه)، فأوجب الرسول الله تثبيت يوم بدء الشهر القمري برؤية هلاله.
ثانيًا: لم انفردتم بالتأريخ من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أن هذا التقويم كما تذكر كتب السير والتاريخ – كان مجرد اقتراح من بعض الصحابة، لم يدخل بعد حيز التنفيذ، إذ أجمع الصحابة والخليفة -ساعتئذ- على التقويم الهجري، وعملوا ولا يزال يعمل به حتى الآن ولم يعترض عليهم أحد؟! وفي إجماع الصحابة والخلفاء وجوب للاتباع، كما ورد في الأثر الشريف.
ثالثًا: لم تذكر كتب السير والتاريخ -على حد علمنا- أن حدث نسي أو كبس للأشهر بعد الهجرة في المجتمع المدني، وما خطبة الرسول صلى الله عليه وسلمالجامعة في حجة الوداع وقوله إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاث متوالية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان إلا لمحة جليلة -فيما نرى- إلى وضع تقويم موحد للمسلمين جميعًا، حيث حدد الرسول الكريم مواقع الشهور كما أرادها الله وأشار إلى موقع شهر رجب وأنه بين جمادي وشعبان حسب ما عليه قبيلة مضر، هذا بخلاف قبيلة ربيعة فكان عندها الشهر السابع رمضان والشهر التاسع رجب، وفي هذا مخاطبة للقبائل العربية بأنه يحرم النسي، ويجب الوقوف على ترتيب موحد للشهور ينبني عليه تقويم موحد للأمة الإسلامية.
رابعًا: لو كان هناك عدم انضباط في التقويم الهجري في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فلماذا انتظر الرسول صلى الله عليه وسلم عودة ذو الحجة إلى موضعه فحج حجة الوداع وأعلن استدارة الزمان وعودته كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وزوال النسيء وإلى قيام الساعة؟!.
الأمر إذن متعلق بالنسيء عند العرب وليس بالتقويم الهجري، وما انتظار الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لكي يوافق التقويم الهجري التقويم العربي، وعند عودة التقويم العربي إلى وضعه الطبيعي، حيث انقضاء دورة نسته ، سوف يتفق هذا التقويم مع التقويمالهجري في سيره.
من هنا يتضح أن التقويم الهجري من بداية تاريخه كان محكومًا بضوابط في غاية الدقة، ولذا فإنني أناشد المؤسسات الإسلامية والمجامع الفقهية المتخصصة للتنسيق فيما بينها لاتخاذ قرار بشأن هذا الموضوع الجلل، والعمل على تجميع الدول الإسلامية والمجتمع المسلم على تقويم موحد هو التقويم الهجري ونبذ ما عداه.. فالتقويم مظهر من مظاهر وحدة الأمم، وحري بأمتنا أن تتحد على تقويم واحد، حتى تعود للإسلام هيبته من جديد، لاسيما أننا إذا تأملنا ماضينا وحاضرنا علمنا أن عزنا وجاهنا في التضامن والتوحد والاعتصام بحبل الله المتين، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:٩٢)،﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:٥٢).