العنوان هل ما زال حمزة لا بواكي له؟!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993
مشاهدات 72
نشر في العدد 1048
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 04-مايو-1993
هذه الجملة قيلت في حمزة بن عبد المطلب لما
قتل مع مجموعة من المؤمنين في غزوة أحد، فبكى الناس قتلاهم، ولكن حمزة كان غريبًا،
فما بكاه أحد، فقيل يومها: «ولكن حمزة لا بواكي له»، فصارت مثلًا يقال في كل بطل
يموت غريبًا ولا بواكي له، وغريبنا وبطلنا اليوم هو «الإسلام»، الذي يقتل كل يوم
ولا بواكي له، تجتمع عليه السيوف، وتتنادى إليه النبال، وتتناوشه الرماح، فيخر
صريعًا ولا بواكي له، وتتناوله الأقلام وتدميه، وتتنابذه الألسن وترديه ولا بواكي
له، ويستنسر عليه البغاث، ويتذأب عليه الهوام فيثخنوه ولا بواكي له، والغريب أن
هؤلاء القتلة من أبنائه ومن أعدائه، وفصائل السفاحين من أبنائه كثر، منهم:
1- طراد المذاهب المنهارة، الهائمين على
وجوههم في الطرقات، باحثين عن بدائل مغشوشة أو أصنام مبثوثة يهيمون بها حبًا
وعشقًا وضلالًا.
2- نفايات العهود المتهاوية من أرباب المناصب
الزائلة، والكراسي المنكوسة، والتنظيمات المنحوسة، وعندنا منها اليوم في بعض
البلاد الكثير، مما كان يسمى بالنخب السياسية أو الثقافية، التي كانت تتحكم وتأمر
وتنهى، وتذل وتعز، وترفع وتخفض، وتنهب وتسطو، حتى أفرغت العمل السياسي
و[الاجتماعي] والثقافي من فاعليته ومحتواه، وتحول كل ذلك إلى غوغائية شهوانية
فوضوية متسلطة: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ
الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 26).
3- أصحاب المصالح والمطامع المستفيدين من
الفساد والخراب والفوضى، يشترون الضلالة بالهدى، ويبيعون الذي هو أدنى بالذي هو
خير، خُدام كل عهد، ومُداح كل متغلب، يقول فيهم محب الدين الخطيب: «يحسنون القول
في تأييد الباطل يوم يتجهم وجه الباطل القوي للحق إذا انصرف جنده عنه، وفي حملة
الأقلام منا كثير يحسنون القول في تأييد الحق، ولكن إذا كانت له سوق يروج فيها، أو
دولة تخطب ودّ مؤيديه ولو إلى حين، وهم على استعداد لأن يقولوا غير ذلك أيضًا إذا
[انقلبت] الأحوال، ولهم من براعة القول ما يحسنون به الاعتذار عن الباطل في دولته،
فأحرى أن يحسنوا القول في الحق إذا قامت له سوق».
4- أجهزة السطو والترويع والاستباحة، التي لا
تعرف القانون ولا تتعامل معه، ولا تقر الحق ولا تعرف له معنى، فلا شرف ولا كرامة
ولا خصوصية ولا ملك، تستبيح كل شيء، وتهدر كل قيمة، وتفضح كل عرض، ولا يتأبى عليها
شيء، ومن الغريب أن هذه الأجهزة تفعل ما لا يفعله الصرب اليوم، ولكن باسم الشعب
والوطنية والقومية والتقدمية والمحافظة على الديمقراطية، وما قصة «العميد ثابت» في
إحدى الدول السلطوية الذي هتك وحده عرض أكثر من ستمائة امرأة في العلن وتحت
[كاميرات] التلفاز، هذا ما فضح أمره، وما خفي كان أعظم! وما قصص صلاح نصر وأضرابه،
وقد ألف فيها كتب وروايات [وأحاجي] وأقاصيص، بخافية على أحد، وما قصص لوسي أرتين
اليوم، وفاتنات البيوت والمجتمعات، والعلاقات المفضوحة من أجهزة السطو والترويع
ببعيدة، ولا رقيب ولا حسيب، هؤلاء وأولئك أيها الحبيب هم القتلة للفضيلة،
وللتعاليم، وللنهضة، وللإنسانية في الإنسان، ولكل تقدم أو ريادة أو إبداع، وهؤلاء
هم قتلة الإسلام اليوم من بنيه المفسدين، وهم أشد وقعًا عليه من عدوه، ووطأة من
مناوئيه وحساده والمتربصين به، فهم يؤلفون اليوم منظومة إعلامية دعائية، وجوقة
تمثيلية هزلية مفضوحة لا تخفى على أحد.
وأما عن القتلة من أعدائه فهم اليوم كثير
أيضًا، منهم:
1- الصهيونية العالمية، العدو القديم الحديث،
أشد عداوة بلفظ القرآن للذين آمنوا، ولكنهم اليوم يصبحون أقربهم مودة، وأقربهم
جوارًا، وأكثرهم رعاية، أليس هذا من الغرائب والعجائب؟! وأغرب منه وأعجب، وأنكى من
هذا وأضل، أن يسب في الإسلام بدعوى الأصولية، ونسمع ونرحب، ويؤلب على المسلمين
والعاملين للإسلام، ويوصفون بأقذع الألفاظ والنعوت، ونؤيد ونصفق ونهش ونبش.
2- الاستعمار العالمي، الذي يريد أن يفرغ
الأمة من عقيدتها وعناصر قوتها، وينزع عنها هويتها، ويجعلها أبعاضًا وتفاريق،
وأشلاء وتمازيق، لتظل سوقًا منهوبًا، وعزمًا مغلوبًا، ولأنه يعرف، وقد لا تعرف، سر
ما في تلك العقيدة من قوة، ومقدار ما في هذا المنهج من بعث، فيريد أن يئد العقيدة
ويسحق المنهج.
3- أصحاب الديانات والمذاهب الحاقدة، وجيوش
المستشرقين الذين جاسوا خلال الديار، وملكوا على بعض المثقفين [ألبابهم]، وصاروا
يطلقون الشبهات، ويستغلون كل وسيلة دعائية أو إعلامية في إفساد الأخلاق والأذواق
والعادات والتقاليد بأسماء مختلفة وألوان متعددة.
ولكن هل تظل الساحة خالية لهؤلاء، وهل يغيب
رجال الصدق ولسان الحق وجند الرسالة عن الميدان؟ أم نسمع قوله تعالى: ﴿وَإِن
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾
(محمد: 38)، ونرى قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن
يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23)، فتظهر رايات الحجة، وبينات
الرسالة، وأعلام الفتح، وتردد الأجواء والأكوان: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ
الْبَاطِلُۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81)، ويكون الكل بواكي
لحمزة، بل يبعث سيد الشهداء: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ
اللَّهِ﴾ (الروم: 4-5).
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل