; هل عاد زوار الفجر؟ نعم.. ولكنهم ديمقراطيون | مجلة المجتمع

العنوان هل عاد زوار الفجر؟ نعم.. ولكنهم ديمقراطيون

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994

مشاهدات 101

نشر في العدد 1103

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 14-يونيو-1994

نعم عادوا، ولكنهم ليبراليون ديمقراطيون، ومصطلح «زوار الفجر» أطلق في العصر الحديث على عصابات الأنظمة البوليسية في العالم الثالث، وعلى الفرق المخابراتية في الأمم المتخلفة، التي كانت تطارد الأحرار والعناصر الفاعلة والنابهة في الأمة، وتباغتهم ليلًا، وتنزعهم من أحضان أسرهم، ومن بين أطفالهم وذويهم، إلى حيث يغيبون في سجون، أو قل في قبور، بحث لا يعرف عنهم طير ولا إنس ولا جان خبرًا أو أثرًا، يلاقون من العذاب ما تشيب له الولدان، وتضع له كل ذات حمل حملها، ثم تلفق لهم القضايا، وتنتزع منهم الاعترافات، ويرحم الله القانون، ويغفر الله للعدالة، ويبلل الله تربتها، فقد كانت من المحسنين، وقد صور هذه المشاهد أحد العمالة الذين تعرضوا لهذه الويلات، وهو الدكتور يوسف القرضاوي -أمد الله في عمره- الذي يكرمه العالم الإسلامي كله الآن، ويعطيه أرفع الأوسمة والجوائز لعلمه وفضله، نقتطف بعضًا من أبيات قصيدته العصماء، في هؤلاء المخلوقات الصيد حيث يقول:

يا سائلي عن قصتي اسمع لها  *** قصص من الأهوال ذات شجون 

أمسك بقلبك أن يطير مفزعًا  ***  وتول عن دنياك حتى حين 

فالهول عات والحقائق مرة ***   تسمو على التصوير والتبيين 

والخطب ليس بخطب بلد وحدها *** بل خطب هذا المشرق المسكين

في ليلة ليلاء من نوفمبر   ***  فزعت من نومي لصوت رنين

فإذا كلاب الصيد تهجم بغتة   ***  وتحوطني عن يسرة ويمين 

فتخطفوني من ذويّ وأقبلوا ***  فرحًا بصيد للطغاة سمين

وعزلت عن بصر الحياة وسمعها  ***  وقذفت في قفص العذاب الهون 

ما كدت أدخل بابه حتى رأت  ***  عيناي ما لم تحتسبه ظنوني 

في كل شبر للعذاب مناظر  ***    يندى لها -والله- كل جبين 

فترى العساكر والكلاب معدة ***   للنهش طوع القائد المفتون 

هذه تغض بنابها وزميلها  ***   يعدو عليك بسوطه المسنون 

يا ليت شعري ما دهان وما جرى  ***     لا زلت حيًا أم لقيت منوني

عجبًا أسجن ذلك أم هو غابة   ***    برزت كواسرها جياع بطون 

واها! أفي حلم أنا أم يقظة  ***   أم تلك دار خيالة وفتون 

لا.. لا أشك.. هي الحقيقة حية  ***      أأشك في ذاتي وعين يقيني 

هذي مقدمة الكتاب فكيف ما تحو  ***   ي الفصول السود من مضمون 

إلى آخر ما تحوي قصيدته النونية العصماء من أهوال وأهوال، تتقطع لها نياط القلوب، وتتفتت لبشاعتها الأكباد، وكم أكلت هذه الفواجع من مبدعين، وقتلت من طاقات، وأهلكت من عزائم، وبددت من عقول كانت أوطانها في حاجة إليها، وأممها في اشتياق إلى عونها، كما أنها من جانب آخر قد أعلت أناسًا بغير همة، وصدرت أفرادًا بغير مواهب، وقلدت بشرًا بغير عقول أو عزائم، هذا فضلًا عن حبهم للتأله والإطراء والجبروت، وفقدانهم للإحساس والرحمة والشعور بالمعاني الإنسانية؛ إذ كيف أتصور مثلًا جمع دكتاتور قاسي القلب للناس في الكويت من الطرقات بغير ذنب ولا جريرة وإيداعهم السجون، أيتصور أن يذعن هذا وأمثاله لرأي رجل أو لنصيحة ناصح، أو لكلمة في حق، أو لقول في منكر، وقد يجد هو إضرابه -وللأسف- كثيرًا من «الهبيشة» النفعيين أو المتسولين المرتزقة من يزين لهم هذا الجرم، ويبيح له هذا الإثم، ويجعله من المشيئات والعزائم العليا، وهذا داء وبيل يعتري الأمم في عصور الضعف، وضياع العزائم والحلوم، وغياب الناصح الأمين، وفقدان الرجال، وهذا ما جعل رجلًا مثل ابن هانئ الأندلسي يقول للخليفة الظالم المعز لدين الله الفاطمي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار  ***    فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنما أنت النبي محمد   ***   وكأنما أنصارك الأنصار

ثم يقول فيه أيضًا أبياتًا لا ندري أكان هذا الشاعر في عقله أو فاقدًا للعقل:

ندعوه منتقمًا عزيزًا قادرًا   ***  غفار موبقة الذنوب صفوحًا 

أقسمت لولا أن دعيت خليفة   ***   لدعيت من بعد المسيح مسيحًا

هذا كان في زمن مضى، كان فيه الاستعباد والقهر يسود الكرة الأرضية، ولا رأي لإنسان أو كرامة له عند غير المسلمين في شرق أو غرب، وأما عند المسلمين فكانت غفوات لا يلبث الناس أن ينتفضوا بعدها، ويزيلوا هذا البغي والعدوان، وأما اليوم فإن الأمر جد مختلف، فالشعوب من شرق وغرب تنادي بالحرية، وقد نالتها بعد كفاح ودماء وأشلاء، وتهاوت قلاع البغي، وسقطت حصونه، وهذه قبور الظالمين ودورهم هواتف في أذان عالمنا الحالي، وأقسمت الإنسانية في كل الأمم والشعوب أن تهدم الأصنام، وتحطم الأنصاب والأزلام، لهذا يلجأ بعض الفارين من مطاردة الشعوب إلى الاختباء وراء ديمقراطيات مزورة، وحريات مغشوشة علهم يفلتون، وما أظن ذلك يغني عنهم من عذاب الله من شيء، أو من المصير المحتوم أو من هجمة الشعوب وانطلاقة الأمم، وقد يكون ذلك إلى حين، ولكن هل المؤمن نام؟ كيف أصدق أن الصدر الأول مات؟ القائد لم يذهب أبدًا، بل دخل الغرفة كي يرتاح، والشمس توارت أم ذهبت؟ لا بل جاء الإصباح، رفيق العمر اصبر وإن طال الغياب، فلا أنت أقوى من رزايا الأرض يا بن العذاب، هل مر يوم في حياة أجيالنا دون مصاب؟ أم حرر المقهورين خوف، أم صان التراب شعب تواني في سبيل المجد محني الرقاب؟».

الرابط المختصر :