العنوان هل سمع أحد صوت «صبا»؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2011
مشاهدات 69
نشر في العدد 1975
نشر في الصفحة 14
السبت 29-أكتوبر-2011
محنة لا تتوقف بحق الإنسان في مخيم «أشرف» بالعراق!
القتل البطيء على أسرة المستشفى
خاص بالمجتمع: مخيم أشرف- بغداد
- والد صبا: منذ اللحظة التي أصيبت بها خلال هجوم وحشي لقوات «المالكي» بذلت جهدي لإثارة ذرة من الإحساس الإنساني لدى السفاحين الذين ينتحلون مهنة الطب لإنقاذها لكن دون جدوى
.. قال لي الضابط العراقي اترك المقاومة وسنوفر أفضل الإمكانات في الحال لعلاج ابنتك
- أدركت أنهم أسسوا نفقًا جهنميًا لقتل كل من لم يستطيعوا قتله في الميدان ولكن بالموت البطيء
- تذكرت على الفور سجن «إيفين» في طهران عام ١٩٨١م.. حيث تعرفت «صبا» في طفولتها على جدرانه وأجوائه وسمعت أصوات المعذبين!
- الكلمة الأخيرة لـ«صبا»: نحن صمدنا حتى الآن وسنصمد حتى النفس الأخير
عشرات الآلاف من الإيرانيين الشيعة يتجمعون اليوم في مخيم يسمى بمخيم، أشرف قرب العاصمة العراقية بغداد، حيث يعيشون محنة كبرى.. فقد وضعهم النظام الإيراني في خانة الأعداء يسبب أفكارهم التي ترفض، ولاية الفقيه، وتميل إلى الأفكار اليسارية، فحكم عليهم نظام الإمام الخميني، بالانحراف وطاردهم وضيق عليهم، وسجن كثيرًا منهم، وفر هؤلاء إلى العراق زمن الطاغية، صدام حسين، الذي استضافهم في ذلك المخيم نكاية في عدوه الإيراني في ذلك الوقت.
هؤلاء تضمهم منظمة مجاهدي خلق اليسارية بزعامة، مسعود رجوي.. وقد أصبحوا بعد زوال نظام «صدام»، بين شقي رحى النظام الإيراني والنظام العراقي الطائفي حيث يعيشون محنة كبرى تحت القتل والسجن والتضييق.
و «المجتمع»، رغم مخالفة هؤلاء للفكر الإسلامي الصحيح، ورغم مخالفتها لفكرهم، فإنها انتصارًا للحق الإنساني في الحياة، ووقوفها إلى جوار آلاف الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز تسلط الضوء على قضيتهم وعلى ما يجري من انتهاكات لحقوقهم على أن تتوقف يد البغي عنهم.
«المجتمع»
خاص بـ «المجتمع» مخيم أشرف – بغداد في الثامن من أبريل الماضي، هاجمت القوات العراقية، بأمر من رئيس الوزراء نوري المالكي، معسكر «أشرف» للمعارضة الإيرانية من جماعة مجاهدي خلق ... وقد أصيبت في الأحداث فتاة إيرانية تدعى «صبا»، وكانت إصابتها بداية معاناة لها ولوالدها «رضا هفت برادران، انتهت باستشهادها، وقد كتب والد «صبا» الرسالة التالية إلى ضمير العالم أود أن يقرأ هذه الرسالة جميع المؤسسات والأفراد المعنيين بحقوق الإنسان ليقولوا : ما نصيب «صبا» من حقوق البشر أو حقوق الإنسان؟
يوم السبت 9 أبريل ۲۰۱۱م، وحوالي الساعة الخامسة والنصف صباحا، وبينما كان في المستشفى جنديان يراقبانني مثل سجين، وأنا أبحث عن قنينة دم لإنقاذ حياة «صبا»، جاءني الجندي الثالث وقال لي: توفيت ابنتك».
هرعت إلى قسم العناية الخاصة في المستشفى ببغداد، فوجدت أن لون «صبا» قد ابيض، وجميع علامات الحياة قد غابت عنها وطارت دون رجعة، وهذه كانت نهاية محاولة استغرقت ١٤ ساعة.
ومنذ اللحظة التي أصيبت فيها «صبا» خلال الهجوم الوحشي لقوات «المالكي» على مخيم اللاجئين العزل في «أشرف» في القسم العلوي لرجلها، وانقطع الوريد وانكسر العظم الرئيسي، فإني بذلت كل جهدي لإثارة ذرة من الإحساس الإنساني لدى السفاحين الذين ينتحلون مهنة الطبيب والحماية، وكلفهم «المالكي» علينا، على أمل أن تبقى «صبا» حية، ولكنني سرعان ما أحسست أنهم أسسوا نفقًا جهنميًا لقتل كل من لم يستطيعوا أن يقتلوه في الميدان، ولكن بالموت البطيء.
من مستشفى ما يسمى بـ«العراق الجديد» في «أشرف» إلى الشارع الرئيس الذي يؤدي إلى بعقوبة، مسافة تقارب كيلومترين تم إيقافنا خلالها سبع مرات، وفي آخر نقطة تفتيش قلت للرائد العراقي الذي أوقفنا دون مبرر وبلغة التذكير: إن حالة «صبا» حرجة فلابد لكم أن تسمحوا لنا بمواصلة السير بسرعة، فهمس إلى رفيقه قائلًا: ما أحسن ذلك.. إننا نريد أن يموتوا كلهم.
بعد ساعتين وصلنا إلى الشارع الرئيس، وهذه كانت أول نقطة لقتل الوقت، نقلونا إلى مستشفى بعقوبة بينما كان د. عمر خالد رئيس المستشفى الواقع في «أشرف» يعرف أن العملية الجراحية التي تحتاج لها «صبا» تجرى في بغداد فقط، لذلك كان إرسالنا إلى بعقوبة المحطة الثانية لسيناريو قتل الوقت، وعندما أكد الأطباء في بعقوبة أنه يجب نقل «صبا» فورًا إلى بغداد، تلقف ذلك جلادو «المالكي» ليجعلوها ذريعة لخلق مشهد آخر من القسوة، حيث جاءنا الضابط العراقي المدعو الرائد «ياسر»، وقال لي: من أجل إنقاذ حياة «صبا» اترك المقاومة لأوفر أفضل الإمكانات حاليا لعلاجها، ثم أرسلك أنت وإياها إلى أرقى البلدان مثل فرنسا أو أي مكان آخر تريد.
تذكرت على الفور سجن «إيفين» في طهران، وعمليات الاستجواب في عام ۱۹۸۱م، وكانت «صبا» أيضا ذات معرفة منذ طفولتها بجدران وأجواء السجن وأصوات المعذبين، حيث كانت تصحو وتنام على صرخات التعذيب، وبعد مضي عهد الطفولة – في العذاب والمعاناة خرجنا من إيران وجئنا إلى «أشرف»، ثم وبعد مدة أرسلنا «صبا» وشقيقتها إلى ألمانيا، حيث كانت جميع إمكانات الدراسة والعيش الرغد متوافرة إلا أن أصوات التعذيب بقيت على ما يبدو ماثلة في ذاكرتها على مدى سنوات عمرها، وتحولت فيما بعد إلى أصوات لتعذيب جميع أبناء الشعب الإيراني على أيدي نظام ولاية الفقيه، وهذا ما دفع «صبا» إلى التحرك والجهاد من أجل تحرير شعبها وبلدها المكبلين.
اختارت «صبا» معسكر «أشرف» مكانًا للبقاء، حيث اتخذ منه عشاق درب تحرير إيران ملجأ لهم، والآن «صبا» المصابة بالرصاص، وبعد ما لعبوا بنا لمدة نصف يوم للعلاج من أشرف إلى بعقوبة، وبينما كانت تذوب أمام عيني مثل الشموع إثر نزف الدم الباطني، واجه كلانا اختبارًا آخر.
ردنا عليهم أكده الإمام الحسين سيد الشهداء قبلنا حيث قال: «هيهات منا الذلة لذلك قلنا للضابط العراقي: إننا لا نتوقع إمكانات أكثر مما يتمتع به العراقيون، ومن الأفضل أن تستخدم تلك الإمكانات الخاصة لتوصلني بسرعة إلى بغداد فقط، هذا الرد كان كافيًا ليتابع العدو قتل «صبا» بطريقة القتل ببطء، على شكل قتل المزيد من الوقت وبعد قرابة ١٤ ساعة من نزف الدم الباطني دخلت «صبا» غرفة العمليات الجراحية في التاسعة ليلا، لم يسمح لي بالتحرك، وطلبوا مني أن أعد لها الدم.. والنتيجة استشهاد «صبا»، لتبقى معاناتها، وهي في حالة الغيبوبة تتنفس بصعوبة لساعات طويلة ماثلة في ذاكرتي.
وحتى جثتها لم يسلمها الجناة لي، كونهم يريدون استخدامها ورقة أخرى لممارسة التعذيب بحقي وبحق شقيقتها.
هل سمع أحد صوت «صبا»؟ أين نصيب «صبا» من حقوق الإنسان وحقوق البشر؟ وما نصيب أخوات وإخوة «صبا» في «أشرف»؟ يا ترى هل هناك خلف عبارات مثل «اتفاقية
جنيف الرابعة» و«حقوق اللاجئين»، و«مبدأ آر. تو. بي «التحالف الدولي المسؤولية الحماية، ويعني بالتركيز على وقف جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والتطهير العرقي»، و«حقوق الإنسان».. هل خلف هذه العبارات ضمائر حية حتى تسأل لماذا؟ لماذا يسفك «المالكي»، وبأمر من النظام الحاكم في إيران دماء المجاهدين ولا ينبس أحد بكلمة؟ ألم تسمعوا صوت «صبا»؟ إنها قالت في رسالتها الأخيرة: «نحن صمدنا حتى الآن.. وسنصمد حتى النفس الأخير».. نعم إننا نشق طريقنا بالإصرار والتمسك بمبادئنا، ولكن ماذا أنتم فاعلون؟