العنوان هل سجن أنور إبراهيم يقيل ماليزيا من عثرتها؟ صدام القطبين في ماليزيا
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1319
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
موضوع الغلاف
تجرأ «أنور» وجهر بآرائه المخالفة لمهاتير، فأصبح من الشواذ الخونة.
من عجائب ديمقراطية العالم الثالث: الرجل الثاني في الدولة لا يستطيع الحصول على العدل.
اقتحام بيته والعبث بمحتوياته وإنزاله من كرسي الحكم إلى زنزانة السجن.
«إذا كان الرجل الثاني في البلاد لا يستطيع الحصول على العدل فإني أشعر بالأسف على ماليزيا»، هكذا يلخص أنور إبراهيم أزمته مع الحكم والنظام في ماليزيا، كما يجسد في الوقت نفسه الحال الذي آل إليه من الرجل الثاني في الدولة كنائب أول للحزب الحاكم ونائب رئيس الوزراء ووزير المالية إلى متهم في زنزانة تحاصره الشائعات من كل اتجاه دون قدرة على الرد بل ودون قدرة على المثول أمام محكمة قضائية.
إلى هذا الحد وصلت الأزمة بين مهاتير وأنور جناحي الطائر العملاق الذي صعد بماليزيا إلى مصاف النمور الآسيوية الواعدة، ولم تكفِ سبع عشرة سنة من العمل المتواصل والمتلازم وسط مشاعر متآلفة يحضها الاحترام بين الطرفين، لم تكفِ لإقناع مهاتير محمد بالتريث في وضع أنور إبراهيم في هذا الموضع وبالتالي إدخال البلاد في حالة من الاضطراب والتوجس.
ورغم أن أنور إبراهيم طالب فور صدور قرار عزله من الحزب الحاكم بالتعامل معه «بالعدل» ورغم أنه طالب عشرات الآلاف من مؤيديه فور إقالته بالصبر والتعامل مع الأمر بهدوء حتى لو تم اعتقاله ومحاكمته بأي جريمة، إلا أن صوته لم يسمع ولم يثن ذلك رئيس الحكومة الذي يقوم بمهام وزير الداخلية من اعتقاله بل وتجريد حملة اعتقالات واسعة لأنصاره، وهو ما أدى إلى خروج المظاهرات العشوائية، ولا ندري إلى أي مدى سيصل مؤشر التوتر في البلاد، لكن أيًا كان الوضع، فإنه يبدو أن المطلوب كتم صوت أنور إبراهيم وتياره الواسع والحيلولة بينه وبين الشعب الماليزي والإبقاء عليه في السجن لفترات طويلة وبخاصة أنه أعلن عقب إقالته عن حيازته لوثائق تدين الحكومة وتفضحها.
ولعل الطريقة التي تم بها اعتقال أنور إبراهيم وتعامل الشرطة العنيف مع مؤيديه وعمليات الاعتقال الانتقائي للمقربين إليه، تبين مدى عمق الأزمة بينه وبين رئيس الحكومة، وتوضح إلى أي مدى يمكن أن تتفاقم هذه الأزمة، فلم تتورع قوات شرطة مكافحة الشغب عن كسر الباب الأمامي لمنزله واقتحامه في ساعة متأخرة من الليل واقتياده مكبلًا تحت حراسة مشددة- وهو الرجل الثاني في الدولة- إلى مقر الشرطة، ولم يستح الأربعون عسكريًا من هذه القوات وهم يفتشون كل صغيرة وكبيرة في المنزل لمدة ثلاث ساعات، ثم يخرجون ومعهم أشياء كثيرة حتى كتاباته وشرائط فيديو لخطب ألقاها، وذلك طبقًا لرواية زوجته التي أكدت أكثر من مرة أنها خائفة على حياة زوجها، كما قال أحد المحامين إن رجال الشرطة الذين اقتحموا البيت لم يكونوا مزودين بأي مذكرة «إذن قانوني» وهو ما يشير إلى أن الأمر يتعلق بعملية مضايقة!
في الوقت نفسه تم اعتقال شقيقه بالتبني وسكرتيره الخاص، وكذلك عدد من القادة الموالين ومن بينهم أحمد زاهدي رئيس منظمة الشباب في الحزب الحاكم «حزب رئيس الحكومة».
الأمر فيما يبدو -كما قلنا- لم يتوقف عند حد الصراع السياسي العنيف، وإنما يتعداه إلى خطة للقضاء على خصم سياسي وتياره نهائيًا، ولعل التهم التي تم توجيهها إلى أنور إبراهيم وجرى الترويج لها على أوسع نطاق قبل وبعد اعتقاله تؤكد ذلك، وهي تهم تطعن في أعز ما يملك الإنسان.. أخلاقه، أمانته، وطنيته.
فقد اتهموه بممارسات شاذة مع شقيقه بالتبني المولود في إندونيسيا ومع كاتب خطاباته وهو باكستاني، وكمحاولة لحفر مصداقية على أرض الواقع لهذه التهمة أعلن عن اعتراف الرجلين بالجريمة، وقضت محكمة يوم السبت 1٩/9 بسجنهما ستة أشهر بتهمة انتهاك الآداب، وقد رد أنور إبراهيم- ذو النشأة الإسلامية وصاحب الخلق والمشهود له بطهر مسيرته- على ذلك بأن اعتراف الرجلين جاء بعد تعذيب شديد تعرضا له، وقد صاحب هذه الاتهامات الأخلاقية المستفزة اتهامات بالخيانة الوطنية والعمالة للمخابرات الأمريكية والفساد وهو ما وصفها أنور بأنها تأتي في إطار مؤامرة سياسية لإجهاض توجهاته الإصلاحية، وهذا هو بيت القصيد، فالذي يدور ليس فقط إجهاض توجهاته، وإنما القضاء تمامًا على مستقبله السياسي، والمدقق في طبيعة الاتهامات الموجهة إليه في بلد إسلامي يجدها تصب في هذا الهدف.
وليس سرًا أن الدافع وراء هذه الحملة أو المؤامرة -كما يسميها أنور إبراهيم- هو خلافاته في الفترة الأخيرة مع مهاتير محمد حول علاج الوضع الاقتصادي الحرج للبلاد، فقد بدا واضحًا خلال الأشهر الأخيرة أن الطرفين يسيران في اتجاهين متضاربين، وصاحب ذلك إشاعات عن اقتراب الصدام بينهما، فبينما كان مهاتير محمد على قناعة تامة بأن ما حدث للاقتصاد الماليزي من انهيار، قد تم بمؤامرة كبرى قادتها أمريكا والقوى الصهيونية، لكن أنور إبراهيم يرى أسبابًا أخرى وراء ذلك الانهيار منها السياسة الاقتصادية الداخلية التي يشوبها الفساد، وإعطاء القروض بلا ضمانات، وبناء مشاريع ضخمة، لا حاجة فعلية لها مثل بناء أطول بناية في العالم، وأضخم مطار في العالم، والمركزية في الحكم، وطالب أنور إبراهيم علانية بأن يكون إعطاء القروض لمن تثبت قدرته على الإنتاج، وليس لمن لهم علاقات خاصة داخل الدولة «يقصد أشقاء مهاتير محمد الذين حصلوا على قروض بهذا الشكل»، كما طالب بالتقليل من المركزية في إدارة الاقتصاد والتركيز على إعطاء الضمانات الاجتماعية للفقراء بدلًا من المشاريع الضخمة الدعائية، كما عارض أنور إبراهيم خطة مهاتير لتثبيت قيمة العملة الماليزية ومنع التعامل فيها في الأسواق الدولية، كما رفض فكرة فرض القيود على حركة رؤوس الأموال، ولعله في هذه الجزئية يتوافق مع توصيات صندوق النقد الدولي وهو ما فتح ثغرة لاتهامه بالتآمر والخيانة الوطنية وقد وصفه مهاتير محمد في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للحزب الحاكم بالداعية الشنيع لسياسات صندوق النقد المدمرة ورد مهاتير على إشارات أنور حول الفساد والمحسوبية في الحكم بالحديث المطول عن انتفاع عائلة أنور من السياسات الحكومية.
وقد انتقلت دائرة الخلاف من الزعيمين إلى أنصارهما، فقد أصبح حلفاء أنور إبراهيم من الحزب الحاكم ينتقدون مهاتير علنًا، زاعمين أن معظم الماليزيين يعارضون أسلوبه التسلطي في الحكم، وأنه يشجع المحسوبية والفساد والرشوة وصدرت إشارات من جبهة أنور إبراهيم عقب إقالة الرئيس الإندونيسي السابق سوهارتو بتصوير مهاتير بأنه أطول زعيم منتخب في المنطقة، فيما بدا أنها مطالبة بإقالته وبالتالي تحول القيادة إلى «أنور» نائبه الأول.
كل تلك الانتقادات الحادة تعد علامات صحة في الدول الديمقراطية، وحتى أنه لو صح أن أنور إبراهيم كان يعد نفسه ليكون بديلًا عن مهاتير محمد من خلال الانتخابات الحرة، فإن ذلك لا يعد جريمة ولا عيبًا، ففي كل الدول التي تطبق تداول السلطة ديمقراطيًا يسعى كل فرد وكل حزب ليكون على رأس السلطة وفق الآليات المعترف بها في الدولة، وأنور إبراهيم لم يتجاوز ذلك حقيقة، لكن هذا الانتقاد لم يكن مقبولًا أبدًا من مهاتير محمد وبخاصة أن شعبيته أخذت في التدهور منذ الأزمة الاقتصادية وتجسد أمامه هاجس ضياع مستقبله السياسي بعد محاولة القضاء على حلمه في صنع المعجزة الاقتصادية الماليزية، فكان لابد من التحرك بسرعة لإزاحة أنور إبراهيم، وقد جاء التحرك في هذا الصدد على مرحلتين:
الأولى: القيام بحملة دعائية وإعلامية لتشويه أنور إبراهيم والطعن في سلوكه وأخلاقه وإثبات عدم صلاحيته لقيادة ماليزيا، وقد سارت هذه الحملة بعيدًا تمامًا عن رئيس الوزراء، فقد ظهرت فجأة في الساحة السياسية حملة من «رسائل قلم السم» وهي مصطلح ماليزي يعبر عن المنشورات التي يوزعها أحد أطراف اللعبة السياسية ضد طرف آخر، وقد عملت الرسائل السم ضد أنور إبراهيم متهمة إياه بالانحراف الأخلاقي، وعندما طلب أنور إبراهيم التحقيق في هذه الرسائل وكشف مروجيها أخبرته الشرطة المنحازة ضده بأن تحقيقاتها وصلت الطريق مسدود، بينما كان مهاتير يطلب منه علنًا تجاهل هذه الاتهامات وعدم الانشغال بها عن قضايا الأمة الماليزية.
وفي الأيام الأخيرة من شهر يونيو الماضي وقبل أيام من الاجتماع السنوي لحزب «أمنو» الحاكم ظهرت «رسالة قلم سام» من الطراز الثقيل وفي حجم كتاب وكان عنوانها «50 سببًا تبين لماذا لا يمكن أن يكون أنور إبراهيم رئيس الوزراء القادم» وكاتب هذه الرسالة وناشرها محرر مغمور اسمه «خالد جفري» وقد عملت الرسالة أو الكتاب سبًا وقذفًا وتشويهًا واتهامًا بالعمالة للمخابرات الأمريكية، إضافة للاتهامات السالفة وساق الكتاب هذه الاتهامات لأنور إبراهيم بطريقة لم تحدث من قبل، وهو ما حمل القضاء على منع تداوله قبل انعقاد مؤتمر الحزب الحاكم بيوم واحد، لكن ضيوف المؤتمر فوجئوا أن الكتاب في حقائبهم وثبت أن سكرتارية المؤتمر وراء ذلك، وعندما طلب من قائد الشرطة التحرك تجاه قيام بعض الجهات ببيع الكتاب رغم قرار حظره قضائيًا قال إنه في انتظار تلقي شكوى رسمية، وعندما أرسل مجلس الشيوخ الماليزي تساؤلًا لمهاتير حول الإجراءات التي اتخذت ضد نشر الكتاب أجاب «أنه من الصعب على الحكومة أن تمنع طبع ونشر كتب مثل هذا الكتاب ويمكننا اتخاذ إجراءات أشد لو أحسسنا أن الكتاب يهدد سلامة وأخلاق الشعب» وهكذا سارت الحملة في مرحلتها الأولى لتشويه أنور إبراهيم ومحاولة قتله شعبيًا.
المرحلة الثانية: إقالته ووضعه في السجن مع العناصر الفاعلة من أنصاره واستمرار حملة تشويهه.
وقد راهن أصحاب الحملة ضد أنور إبراهيم على دفنه سياسيًا أو على الأقل إسقاطه من أعين الناس، لكنهم خسروا الرهان، فبينما كان الحزب الحاكم يعقد اجتماعه لعزل أنور التف أكثر من ألفي شخص حول مبنى الحزب مرددين هتافات مؤيدة له، وفور عزله التف حوله أكثر من ٣٠ ألفًا من مؤيديه، وحتى كتابة هذه السطور قامت المظاهرات في الشوارع تأييدًا له رغم مطالبته أنصاره فور عزله بالهدوء والالتزام بالقانون وعلى صعيد القوى السياسية وجهت ١٥ منظمة وحزبًا معارضًا خطابًا لمهاتير محمد تساءلت فيه عن أسباب عزله لأنور إبراهيم.
وفي ظل هذا الالتفاف الجماهيري والتأييد السياسي لأنور، يبرز السؤال: هل من الممكن أن يتحول الصراع إلى أزمة سياسية تقود البلاد إلى وضع شبيه بإندونيسيا؟ أم أن البلاد ستدخل في دوامة عاصفة تزيد من أزمتها؟ أم أن الأمور ستستقر رويدًا رويدًا لمهاتير محمد وأنصاره؟ وإذا حدث ذلك هل يستطيع مهاتير أن يعود بماليزيا في ظل هذه الأوضاع إلى ما كانت عليه؟ أم أن البلاد -لا قدر الله- ستسقط منه؟
لا شكَّ في أن تطورات الأحداث في الأيام المقبلة هي الكفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة، لكن الذي يمكن قوله إن النهضة الماليزية قد خسرت بالصدام بين قطبيها واحدًا من عوامل قوتها المهمة، وهو ما يصيب المسلم بحالة من الإحباط بعد أن كان يحدوه الأمل في العثور على النموذج الحضاري الإسلامي في التجربة الماليزية.