; هل حروب العباقرة ستستمر؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل حروب العباقرة ستستمر؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 25-سبتمبر-2010

مشاهدات 84

نشر في العدد 1920

نشر في الصفحة 37

السبت 25-سبتمبر-2010

يقولون: الزمان به فساد                          وهم فسدوا وما فسد الزمان

ويقول آخر:

فوا عجبًا كم يدعي الفضل ناقص                ووا أسفا كم يدعي النقص فاضل

 وقديمًا قالوا: لا يثمر الشوك العنب، ونحن في غالب أحوالنا محاطون بالأشواك، ومحكومون بالأموات، وقد قيل:

قد أسمعت لو ناديت حيًا                     ولكن لا حياة لمن تنادي

 وقد أصيبت الأمة في هذا العصر الأسود بأمراض أصابت قيادتها، منها الخنوع، وقد قيل: من لم يركب الأهوال لم ينل الأماني، ومنها الكذب وهو الشر كله، وحدثوا وذكروا: «شر الحديث الكذب»، وصاحبه لا رأي له ولا همة، فلا رأي لكذوب ولا أمان له، فلا تأتمن من كذب لك أن يكذب عليك، وهو بذلك قد انفصل عن أمته، فمن غشنا فليس منا، وليس في الحقيقة إلا عبء على أمته المسكينة المصابة به؛ لأنه لا حي فيرجى ولا ميت فينسي، وبهذا صارت الأمة لا وزن لها، ولا عقل ولا همة في هذا الزحام، والغثائية الكاسحة.

 وما أصبحت تسير إلا وراء نهمتها وشهواتها الجامحة، وتعتبر نصاحها أعداءها، ومبدعيها - أحياء وأمواتًا - مقلقيها ومنغصي عليها سكرتها وبهجتها، ولهذا نذكر بعضا من النماذج والعبقريات الحية في مجال الاختراع أو الإصلاح، وما صار بشأنهم، وكيف تعامل أولو الأمر معهم، وهذا في الواقع المعاش وتكلمت عنه وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية بهذه العناوين:

سخرية في مصر وعروض أوروبية للشاب العبقري المصري عبد الرؤوف:

تحت عنوان «الأطفال العباقرة في العالم العربي» استضافت قناة «الجزيرة» في برنامج «بلا حدود» المخترع الشاب «عبد الرؤوف حلمي السيد»، الذي قام بمجموعة مذهلة من الابتكارات والاختراعات رغم أن عمره لم يتجاوز ١٧ عامًا. 

ذكر «عبد الرؤوف» وهو طالب يدرس حاليًا في مدرسة العباسية بالإسكندرية، أنه قام بتطوير وسيلة لتجميع المياه بتكثيف الرطوبة في الهواء، وذلك من خلال أسطح معدنية ملساء يتم جمع الماء منها، كما أشار «عبد الرؤوف» إلى أنه قام بتطوير مجموعة من الاختراعات مثل «روبوت» يتولى القيام بعشرات المهام.

 وذكر الشاب النابغة أن دوافعه للابتكار هي رؤيته لمشهد صدمه وهو شاب عاجز على كرسي متحرك، وكان يشتم ويتمنى الموت؛ لأن من يساعدونه عادة انفضوا عنه.

فقام بتصميم كرسي متحرك عقب تلك الحادثة، وبذلك ابتكر تجهيزات يمكن بواسطتها جعل الكرسي المتحرك يصعد السلالم والدرجات المرتفعة، كما حصدت اختراعاته جوائز محلية وعالمية عديدة، ولفت أنظار خبراء أجانب من ألمانيا وفرنسا.

ورغم الإثارة والحماس التي ولدته الحلقة لدى المشاهدين؛ إلا أنها لم تتجاوز مرحلة الاندهاش والتفاؤل العاطفي دون تناول موضوعي مطمئن، ويستكشف حقيقة الرعاية التي يلقاها الشاب المخترع. 

ولم يتم ذكر أية منهجية أو أسس لرعاية المخترعين الشباب في حالة عبد الرؤوف، أما عن مصاعب تسجيل الاختراعات التي ابتكرها عبد الرؤوف والبيروقراطية التي تحبط المخترعين في مصر فحدث ولا حرج، فمثلًا اشترطت أكاديمية البحث العلمي على عبد الرؤوف تقديم مبلغ ٥٠٠ جنيه؛ لكي يسجل أي اختراع.

وبحسابات بسيطة، يظهر أن من لديه عشرة اختراعات سيحتاج إلى ثروة لكي يحصل على أوراق تسجيلها، وماذا لو كان ذلك المخترع شابا لا يزال في المدرسة الثانوية وليس لديه تمويل كاف لاختراعاته؟

يقول عبد الرؤوف في حوار له مع صحيفة «اليوم السابع»: إنه تعرض للسخرية والاستهزاء من قبل العاملين في أكاديمية البحث العلمي، ومؤخرا وضعوا له شرطًا، هو أن يتم تسويق الاختراع ولو حقق نجاحًا من الممكن أن يسجلوه، وعملية التسويق هذه مستحيلة؛ لأن كل اختراعاته عبارة عن نماذج مصغرة «ماكيت» ينقصها التنفيذ والإنتاج على مستوى واسع لاحقًا.

 وحول ذلك، يشير عبد الرؤوف بالقول: «تم تخصيص ميزانية لأبحاثي بمكتبة الإسكندرية ولكن للأسف تم سرقتها ولم يعطوني شيئًا!! إضافة إلى الصعوبات في الحصول على الخامات اللازمة لتنفيذ الماكيتات بشكل واقعي! أما ما يحزنني بالفعل أنني لم أتلق أي عروض من جامعات أو مراكز بحثية مصرية لرعاية موهبتي، في الوقت التي تسعى فيه دول أوروبية وعربية لتقديم المنح الدراسية والبعثات والرعاية الكاملة لاختراعاتي».

فهل سيحصل عبد الرؤوف على الرعاية والدعم الذي يستحقه؟

وموهبة أخرى في مقتبل العمر يخترع دون تشجيع من الجهات المختصة:

تمكن الطفل «فادي علي المهدي» الذي لم يتعدَّ عمره الخامسة عشرة من اختراع جهاز يقضي على الحشرات الزاحفة، وجهاز آخر وهو عبارة عن آلة لحمل أسطوانات الغاز للطوابق العليا دون تعب.

 وقال «المهدي»: إنه لم يتحصل على أي دعم أو تشجيع من أية جهة من الجهات المختصة في ليبيا لتتبنى موهبته الإبداعية في مجال الإلكترونيات، الذي يعتبر من أفضل المجالات العلمية على كافة المستويات.

ويذكر أن فادي المهدي قد اخترع جهازًا يحدد تحرك براكين الشمس، وأثبت الاختلاف بين أشعة القمر ليلا والشمس نهارا والذي حصل فيه على حق براءة الاختراع في مسابقة المبدع الصغير بمدينة «غدامس».

وأترك للقارئ الواعي فهم ما بين السطور في هذه الحالات الواعدة، وكيف لا ترعى الأمة هذه العبقريات التي تبرز بدون تعب ولا تربية لها ولا تدريب عليها لقد قلنا إن أزمان الاستعمار الأجنبي كان يخشى من نهوض الأمة العلمي، ولكن اليوم وبعد أن رحل هذا الاستعمار.. ما العذر في ذلك إذن؟ أم نحن صرنا حلفاءه ونعمل بالتالي لصالحه؟

هذا في الأحياء الذين قد يُخشي منهم، فما بالنا بالأموات الذين مضوا وكانوا مثلًا في الكفاح والعصامية والعبقرية مثل الشيخ «البنا» وأمثاله، الذين نرى الهجوم عليهم ومحاربتهم في تاريخهم وشرفهم، والاجتهاد في طمس كفاحهم وعبقريتهم، حتى وصل الأمر إلى تزوير التاريخ والافتراء عليهم بأعمال درامية مزوّرة مليئة بالأحقاد والتجنيات، واستدعاء الحاقدين على العمل الإسلامي ومدهم بما يحتاجون من الرجال والأموال لتنفيذ مخطط هدم الرموز في الأمة؛ حتى لا يبقى مثل إلا أحاطت به الشكوك والهدم بكل الوسائل المتاحة، ولكنا نقول لهؤلاء وأولئك: حبل الكذب قصير، وقد جربت هذه الحرب على هذا الرمز حوالي القرن، من قتل وسجن وتدمير للطاقات إلى هذا اليوم ولم تزده إلا توهجا وضياء.. فهل تسمعون النصح؟ أما زلتم تهرولون مع الشياطين؟ وهل تستمر حرب العباقرة؟ وإلى أين؟ والغالب بالشر مغلوب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الرابط المختصر :