; هل تنادي الأمة: يا خيل الله اركبي..؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تنادي الأمة: يا خيل الله اركبي..؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003

مشاهدات 63

نشر في العدد 1565

نشر في الصفحة 47

السبت 23-أغسطس-2003

ظن كثير من القوى أن ديار الإسلام أصبحت لقمة سائغة تنتظر أكلها، وشربة هنية تتطلب راشفها، ولم لا، وقد ضعف سلطانها، وتخاذلت سلطاتها، وترهلت أعضاؤها، وضحل تفكيرها، ووهنت عقولها، وكلت حتى عن صناعة بندقية، أو اختراع طائرة، أو تجميع صاروخ، أو قنبلة، أو امتلاك أدوات للنزال؟ 
وهذا صحيح!! ولكنه لا يمثل الحقيقة، لأنه لم يسبر غور الأمة الفعلي، حتى يعرف المكنون، ويقف على المستور، ولو غاص إلى أعماقها لفوجئ بالمخبوء من الزخم الروحي والنفسي، والتراث العقدي والجهادي، ولدهش من الصبر والمصابرة والمرابطة التي يندر أن تكون في أي أمة من الأمم أو يوجد في أي شعب من الشعوب، وما راهن أحد على هذه الأمة، حتى في أوقات ضعفها وانكسارها، إلا فاز، وما ناجزها أحد إلا ذل، وكانت العاقبة للمتقين والخسران والبوار على الظالمين. 
في يوم جمعة سنة 659 هجرية - 1260 ميلادية، وعلى مشارف غزة، وبينما كان الجيش الإسلامي يواجه جحافل التتار المكتسحة، وقبل بدء الالتحام مع المشركين، انطلق صوت القائد المسلم قطز قائلًا: «أيها المسلمون، ما ناجزكم أحد إلا ذل، فما تدق الساعة الآن إلا تحملوا على المشركين حملة المستأسد لتنزعوا النصر من أيديهم، فاثبتوا ينصركم الله»! ودقت ساعة الجهاد، وانتزع الجيش الإسلامي النصر، وجعل رمال غزة مقبرة للمغول الغزاة، وسجلت «عين جالوت» أنه ما من أحد ناجز المسلمين إلا ذل!! وعقب هذا النصر المبين، وقف القائد المسلم «قطز» وألقى الكلمة التالية:
«أيها المسلمون، إياكم والزهو بما صنعتم، ولكن اشكروا الله واخضعوا لقوته، إنه ذو القوة المتين، وما يدريكم لعل دعوات إخوانكم على المنابر في الساعة التي حملتم فيها على عدوكم من هذا اليوم العظيم.. يوم الجمعة في هذا الشهر المبارك شهر رمضان كانت أمضى على عدوكم من السيوف التي ضربتم بها، والرماح التي طعنتم بها، والقوس التي عنها رميتم؟ واعلموا أنكم لم تنتهوا من الجهاد وإنما بدأتموه، وإن الله ورسوله لن يرضى عنكم حتى تقضوا حق الإسلام بطرد أعدائه من سائر بلاده!!». 
وكان الملك المظفر «قطز» قد انتظر بالمسلمين قبل معركة «عين جالوت» إلى وقت صلاة الجمعة ليباشر قتال أعدائه، وخطباء المسلمين على المنابر يعجون مع المسلمين بالدعاء إلى الله أن يؤيد جيوش المسلمين بنصرهم على أعدائهم. 
ولما نشبت المعركة واشتدت، كاد السلطان أن يتعرض للقتل على أيدي خمسة من التتر، قذفوا بأنفسهم شاهرين سيوفهم عليه، فأسرع فارس ملثم من المسلمين يدافع عنه ويصد التتريين، فأصابته طعنة قاتلة خر على أثرها صريعًا وهو ينادي: «صن نفسك يا سلطان المسلمين ها قد سبقتك إلى الجنة»، وتبين للسلطان أن الفارس الملثم إنما هي زوجه السلطانة، هاله الأمر، وحملها وهو يهرول إلى داخل الخيمة، وأضجعها على فراشها وجعل يقبل جبينها والدموع تنهمر من عينيه وهو يقول: «وا زوجتاه، وا حبيبتاه»، فأحست به ورفعت نظرها إليه، وقالت بصوت ضعيف وهي تجود بروحها: «لا تقل وا حبيبتاه، قل وا إسلاماه»، وما لبثت أن لفظت الروح بين يديه، فطبع السلطان على جبينها القبلة الأخيرة، ومسح دموعه ونهض، تاركًا زوجته الشهيدة لم يتول تجهيزها، ورجع إلى قلب الجيش فصاح المسلمون بالتكبير.
وتمثلت للمسلمين تضحية السلطانة الشهيدة، فحملوا واستبسلوا، واشتدت هجمات التتر، وكادت أن تميد صفوف المسلمين، لولا أن تقدم السلطان، وكشف عنه خوذته، وألقى بها إلى الأرض وصرخ بأعلى صوته «واإسلاماه.. واإسلاماه»، وحمل بنفسه حملة صادقة، وحمل المسلمون معه يرددون «واإسلاماه» فاندحر التتار وكان النصر.
ترى هل يرجع الماضي؟ فإني
                          أذوب لذلك الماضي حنينا
بنينا حقبة في الأرض ملكًا 
                        يدعمه شباب طامحونا
إذا شهدوا الوغى كانوا كماة
                     يدكون المعاقل والحصونا
كذلك أخرج الإسلام قومي
                   شبابًا مخلصًا حرًا أمينا
وعلمه الكرامة كيف تبني
                       فيأبى أن يقيد أو يهونا
وهذه الأيام لا نملك إلا ندعو الله، بما يدعو به المخلصون في الأمة لدين الإسلام ولدعاته ولأمته أن يحفظهم الله وأن ينزل السكينة عليهم، لأنه يعلم ما في قلوبهم من إخلاص لدينه ومن حدب على دعوته، فهم كالملائكة طهرًا، وكالصديقين إيمانًا، وكالماء عذوبة، وكالشمس ضياء، وكالهواء صفاءً. 
اللهم إنك قد جمعتهم على الهدى، قوتهم بعبادتك، وعزتهم بجبروتك، وسلاحهم من شريعتك، هجروا في سبيلك المضاجع، وفارقوا من أجلك الملذات والشهوات، وتحملوا لمرضاتك العذاب والآلام وشظف العيش، فصنهم يا رب من بطش الظالمين، وخبث المستغلين، ودسائس المفسدين، وقيادة الجبناء والمغرورين والمراوغين، ولا تجعل لذي العقول الشيطانية عليهم سبيلًا، ووسع مداركهم، وأظهر مقاصدهم النبيلة، واجعلهم ألسنة صدق في أمتهم، متحلين بروح الهداة المرشدين، والأطباء الناصحين، حتى يكونوا أكرم من حمل اللواء، وأصدق من راد الأمة، وأوعى من عالج الفساد، واجعلهم دعاة صدق، وقوة بناء للحب والإخاء، مقتدين بسلفهم الصالحين الخالدين، وليس الخلود أن يتحدث التاريخ عن الخالدين، ولكن أن تسري أرواحهم في الأحياء المتعاقبين وأن تعمل أخلاقهم عملها في كل عصر على مر التاريخ، وكان المثل في ذلك محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الأمين. 
فيا شباب اليوم: إذا أردتم أن تلحقوا بالخالدين، فعيشوا معهم واقرؤوا سيرتهم وتشبهوا بهم واخرجوا إلى الحياة بروح وثابة وعزيمة صلبة، نعم ستفجعون الكثير والكثير ممن تعلقون عليهم الآمال، وتضطهدون وتعابون وتقاومون، فلا تيأسوا، فغدًا يقوى العود ويصحو النائم ويعرف الجاهل ويفهم الغبي، حسبكم قلوبكم السليمة وإخلاصكم النبيل وعملكم الدؤوب، ولا بد أن تتمخض الليالي عن أملكم المنشود وغايتكم النبيلة، فالله أحنى على دعوته منكم، وأغير على دعاته من أنفسهم، ولكنه يمتحنهم حتى يعلم المجاهدين منهم والصابرين. 
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء، وهو أعلم به، كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار»، ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2). 
والآن هل عرف الأعداء أن الأمة ليست خبزًا يؤكل، أو نخبًا يُشرب، وإنما هي موت ودمار، وحميم ونار، ويا ويلهم إن ظهر قطز أو صلاح الدين، أو برزت قيادة الأخيار.

الرابط المختصر :