; دراسات نقدية: هل تمرد سيد قطب على الأدب؟ | مجلة المجتمع

العنوان دراسات نقدية: هل تمرد سيد قطب على الأدب؟

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996

مشاهدات 108

نشر في العدد 1199

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 14-مايو-1996

  • «التفرغ للشئون الإسلامية يعود إلى غاية فكرية أكثر منه غضبًا على الحكومة الأدبية».
  • الأدب كان حلقة في سلسلة تطور أكبر أنتجت «في ظلال القرآن» بصياغته الأدبية الفريدة.

تعد تجربة «سيد قطب» الحياتية والفكرية والأدبية من التجارب الخصبة العميقة، التي تشد إليها النقاد والباحثين سعيًا لتجلية جوانبها وفهم أبعادها وتوضيح مكنونها، وقد حظيت هذه التجربة بالعديد من الدراسات والأبحاث التي نشرت على الناس منذ رحيله عن دنيانا عام 1965م حتى اليوم، وما زال الكثيرون يبحثون ويكتبون ويقلبون في إنتاجه الفكري والأدبي لإضاءة زوايا مختلفة فيه.

ويقدم «علي شلش» -يرحمه الله- في كتابه «التمرد على الأدب: دراسة في تجربة سيد قطب» إضاءة جديدة لزاوية معينة في مسيرة سيد قطب، وهي انتقاله من الاهتمام بالأدب إبداعًا ودراسة إلى مجال الدعوة الإسلامية تنظيرًا وممارسة وكما يتضح من عنوان الدراسة، فإن انتقال سيد قطب من المجال الأدبي إلى المجال الدعوي يبدو تمردًا على السياق الأدبي الذي كان سائرًا فيه وانتقالا من مجال إلى آخر مغاير -وكأن الأدب مقطوع الصلة بالدين- وإن كانت الحقيقة تؤكد وجود الصلة بينهما حتى لو بدت في بعض الأحيان متغايرة، بيد أن العنوان الفرعي يجعل من الدراسة محاولة من نوع ما لتقويم تجربة سيد قطب الأدبية والفكرية، وهو بالفعل ما تضمنته الدراسة بدءًا من أول صفحة إلى آخر صفحة.

في بداية الدراسة يشرح علي شلش مفهوم تمرد سيد قطب على الأدب، مع أنه كتب القصص والروايات والمقالات والنقد الأدبي، وأنتج إنتاجًا غزيرًا في هذا المجال، ثم تمرد وتفرغ للكتابة في شئون الإسلام، ويرى أن التمرد عمل إرادي واع إلى حد كبير، في حين أن الأدب ذاته لا تتدخل في اختياره الإرادة الواعية كثيرًا إلا في مراحل وأشكال معينة، مثل مرحلة المراجعة وشكلي المقال والمسرحية. 

أيضًا، فإن التمرد -كما يقول شلش- نتاج ظروف وعوامل تختلف من حالة إلى حالة، ومن شخص إلى آخر، وهناك أمثلة عديدة على ذلك في الأدب العربي والأدب الأجنبي على السواء، ففي الأدب العربي هناك مثلًا محمد المويلحي (ت - 1930م). والشاعر الشهير عبد الرحمن شكري والروائي عادل كامل، وفي الأدب الأجنبي هناك الشاعر الفرنسي آرثر رامبو (1854 - 1891م) وبول فاليري (1871 - 1945م).

ثم تطرح الدراسة تساؤلات وتفسيرات متعددة حول عملية التمرد على الأدب والتحول عنه على أساس أن التمرد لا ينشأ عن سبب واحد، بل عن مجموعة من الأسباب يكون من بينها سبب واحد بارز، ومن التساؤلات التي طرحتها الدراسة: هل كان التمرد على النسبي المتغير، وهل الأدب درجة في سلم طلب الاتحاد بالمطلق الثابت، وهو الخالق الواجد؟ هل كان سعيًا وراء حقائق عليا لم يساعده عليها الأدب؟

من بين الأسباب التي ألحت عليها الدراسة، وجعلتها المحور الذي دار عليه تحول سيد قطب عن الأدب، صمت المؤسسة الأدبية أو الحكومة الأدبية -كما يسميها على شلش- عن الاعتراف بجهود سيد قطب في الميدان الأدبي، خاصة أنه أخلص لهذه الحكومة أو المؤسسة الأدبية، وكتب عن أعلامها، وعرض لإنتاجهم الأدبي والفكري وكان تلميذًا مطيعًا للعقاد ومدافعًا عنه ضد تلاميذ الرافعي - ولكن أعضاء هذه الحكومة «العقاد - طه حسين - أحمد أمين - الزيات» لم يكتبوا عنه كلمة واحدة، وإن أشادوا به شفهيًا باستثناء كلمة «توفيق الحكيم» في «أخبار اليوم». وأخرى كتبها «نجيب محفوظ» الذي يعد من جيله ولا ينتمي إلى المؤسسة الأدبية، وما كتبه الحكيم ومحفوظ مع أنه ثناء كبير واعتراف واضح بقيمة سيد قطب الأدبية، فإنه ما كان يغني سيد قطب عن كلمة مسهبة يكتبها العقاد أو طه حسين أو أحمد أمين أو الزيات «يلاحظ أن الأخير كان يترك افتتاحية الرسالة على أهميتها لسيد قطب كي يحل محله في كتابتها».

ومع أن الأقرب إلى الصواب في تفسير التفرغ للشئون الإسلامية يعود إلى غاية فكرية أكثر منه غضبًا على الحكومة الأدبية، فإن الدراسة تسهب في الحديث عن هذا الغضب وتعطيه الأولوية، وكأن الرجل -كما يبدو من الدراسة- يعنيه المجد الشخصي أكثر من القضية العامة التي دفع حياته ثمنًا لها. 

صحيح أن البشر يحتاجون في الغالب إلى كلمة طيبة تشبع أشواقهم إلى التقدير والثناء وسيد قطب ليس بدعًا في ذلك، ولكن الصحيح أن من تشغله قضية عامة ليس في حاجة إلى الجحود والنكران كي يتحول إليها ويتفرغ لها.

إن دراسة فكرة التحول عن الأدب لدى سيد قطب -تأخذ مسارها الصحيح عندما توضع في سياق التطور الفكري للرجل، وهو أمر- فيما أعلم لم ينتبه إليه كثير من الدراسين لإنتاج سيد قطب وحياته التي كانت انعكاسًا لهذا الإنتاج.

لقد شغلته القضايا العامة إلى درجة أثرت على حياته الشخصية فلم يتزوج أو ينجب مثل بقية أقرانه، وكانت معظم كتاباته الأدبية في المرحلة السابقة على المرحلة الإسلامية تفيض انشغالًا بالهموم العامة حتى رسائله الشخصية التي أوردها علي شلش في ملاحق دراسته تخبرنا أن الرجل لا يعيش لنفسه كما يعيش الآخرون.

وإذا عرفنا أن الرجل كان يبدو أحيانًا في المرحلة الأدبية مشدودًا إلى النظرية الاشتراكية ومتأثرًا بها -كما يبدو أحيانًا- في بعض المواضع على صفحات كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، أدركنا أن الاختيار الإسلامي يعود إلى موقف فكري أكثر منه موقفًا شخصيًا دفعت إليه الحكومة الأدبية أو المؤسسة الأدبية في الأربعينيات.

ومهما يكن من أمر، فإن تجليه العلاقة الشخصية بين سيد قطب وأعضاء الحكومة الأدبية، تعد إضافة جيدة إلى الدراسات التي تناولت حياته، وفكره وأدبه، أيضًا فإن وقوف الدراسة عند التجربة الأدبية لسيد قطب، وإلقاء الأضواء عليها عمل مهم من الناحية التقويمية والنقدية.. لقد وقفت الدراسة عند الإنتاج الأدبي شعرًا ومقالة وقصة ورواية وسيرة ذاتية ونقدًا أدبيًا، وأدب طفل، وأدب رحلة، وأعطت صورة مركزة عن كل نوع من هذه الأنواع، مع حكم عام يتأسس على هذه الصورة المركزة... 

فترى الدراسة أن سيد قطب يبدو شاعرًا غنائيًا أجود منه شاعرًا تأمليًا مفكرًا، فقد عاش شبابه كالكهل، ولم ينطلق مثلما ينطلق الشباب ولا طاش كما يطيش، ولعل الدراسة تقصد بالشاعر الغنائي من يتناول قضايا العاطفة والوجدان، لأن مفهوم الغنائية في الشعر يقابل المفهوم الملحمي والمسرحي، ولا يقابل المفهوم العقلاني والفكري، وبذا يكون حكم الدراسة منسجمًا مع جودة الشعر العاطفي والوجداني.

وترى الدراسة أن مقالات سيد قطب أشبه بالملعب الحر للخواطر التي تزحم ذهنه وهو يكتب، وخلت من الأسلوب البياني المتميز الذي نجده عند طه حسين أو أحمد الزيات، ومن هذه الناحية لا بعد قطب من أصحاب الأساليب المعتني بها في أدبنا المعاصر، ولا من أصحاب الأناقة في التعبير كتلميذه أنور المعداوي.. ولكنه كان من أنصار الوضوح والبساطة.

وهذا حكم عام يحتاج إلى مراجعة، ذلك أن «سيد قطب» من أصحاب الأساليب المتميزة الدقيقة، وقد سطع البيان في أسلوبه منذ كتب «التصوير الفني في القرآن الكريم»، ووصل إلى ذروة البيان في تفسيره العظيم «في ظلال القرآن» ولا ريب أن من يقرأ هذا التفسير سيجد أسلوبًا مشبعًا بالتصوير والتنسيق، مما يقترب من أسلوب «الرافعي» يرحمه الله.

وتشير الدراسة إلى الصورة القصصية عند سيد قطب، إشارة سريعة، وهذا الشكل الفني قريب من الخاطرة، ولكنه يرتكز على عنصر الحكاية والسرد القصصي، لا على الأفكار المرسلة، وإنتاج سيد قطب في هذا الشكل قليل لم يتجاوز أربع صور، وتركه سريعًا في وقت مبكر من حياته.

وتتوقف الدراسة طويلًا عند النقد الأدبي لدى سيد قطب، وتتناوله من أربع زوايا هي: نظرية الأدب والنقد التطبيقي، والمعارك، والمصطلحات... وفي مجال النظرية تركز الدراسة على رأي سيد قطب في مهمة الشاعر ودوره في الحياة، ورؤية الرجل للشعراء المقلدين ونظرائهم المحدثين ويجمل الباحث رأيه في أن سيد قطب جمع بين التصور الرومانتيكي والتصور الواقعي في نظرية الأدب مترسمًا خطى العقاد وطه حسين والمازني.

وفي هذا السياق فإن سيد قطب وسع نظرية الأدب لديه، ليتحدث عن أهمية الألفاظ ودلالتها على المعاني، وأهمية النقد ذاته بوصفه عملًا مكملًا للإبداع، فكتب العديد من المقالات في هذا الإطار، وأصدر كتابًا كاملًا عن أصول النقد ومناهجه، وانتهى إلى تجنيد المنهج التكاملي في النقد الذي يشمل مزيجًا من النقد الجمالي والنفسي والتاريخي والاجتماعي، لأنه أقرب المناهج في تصوره إلى طبيعة العمل الأدبي، مع تنبيهه إلى أن المناهج النقدية مفيدة إذا كانت منارات ومعالم، وضارة إذا تحولت إلى قيود وحدود.

وفي مجال النقد التطبيقي برز نشاط «سيد قطب» واضحًا، ويعده الباحث من أنشط النقاد في زمانه الأربعينيات، إن لم يكن أنشطهم جميعًا.

وتشير الدراسة إلى معارك «سيد قطب» الأربع: ضد أحمد زكي أبو شادي وإسماعيل مظهر وآخرين عام 1934م، وضد أنصار الرافعي عام 1938م، وكلتاهما دفاعًا عن العقاد، وضد محمد مندور حول الأدب المهموس عام 1943م وضد صلاح ذهني حول محمود تيمور ونجيب محفوظ عام 1944م، وهي معارك أثارت في حينها كثيرًا من الحيوية على صفحات الصحف والمجلات التي تبنتها، وحركت بعض الركود في الحياة الأدبية.

وقد استخدم سيد قطب العديد من المصطلحات في كتاباته النقدية من قبيل الخيال الشعري والحاسية الشعرية، وتناسق الخيال الشعر الصحراوي «ما قيل في البادية ولو لم يكن جاهليًا»، التعبير الشعري، والتعبير النثري - الإحساس النفسي أو التأثير الوجداني، شعراء العاطفة الحقيقة الشعورية الصور والظلال المساحة النفسية للتعبير الحركة الحسية الحركة الشعورية المؤثر الاستجابة ملكة التنسيق الفني القيم الشعورية القيم التعبيرية.. إلخ وبعض هذه المصطلحات مستعار من عصره مباشرة، وبعضها من توليده وابتكاره، مما يجعله ناقدًا مجتهدًا ومجددًا.

وتصنف الدراسة كتاب «سيد قطب» الذي يحمل عنوان طفل في القرية، ضمن كتب «السيرة الذاتية»، وتعده نتاج إعجاب بكتاب الأيام لطه حسين، وهذا ما يكشف عنه الإهداء الذي توجه به إلى طه حسين على صدر كتابه، ثم ما قاله في المقدمة عنه من كونه حياة القرية «عاصرت طفولتي منذ ربع قرن من الزمان...».

وفي مجال الرواية، تتناول الدراسة رواية «المدينة المسحورة» التي نشرها «سيد قطب» في سلسلة «اقرأ» التي تصدرها دار المعارف، وروايته «أشواك» وهما من الروايات القصيرة، وتختلفان شكلًا وموضوعًا، ومن الأنواع الأدبية التي عالجها «سيد قطب» الكتابة للطفل، وقد اشترك في الكتابة للطفل مع أمينة السعيد ويوسف مراد في تجربة قامت بها دار المعارف، وأثمرت ثلاثة كتب صغيرة، كما شارك عبد الحميد جودة السحار في سلسلة «قصص الأنبياء»، بالإضافة إلى مشاركة آخرين في تأليف بعض الكتب المدرسية.

وآخر أنواع الكتابة الأدبية التي اهتم بها سيد قطب «أدب الرحلة»، وكانت رحلته الوحيدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية موضوع هذا النوع الأدبي العربي، ومع ذلك لم يكتب فيه كثيرًا، ولم يسجل من مشاهداته وتجاربه الأمريكية إلا القليل، لأنه ركز على الجوانب الاجتماعية والسياسية.

وتخلص الدراسة بعد عرض تجربة سيد قطب الأدبية إلى وصفها بالتجربة الجادة، وأنها يسرت له العودة إلى القران الكريم «أواخر الثلاثينيات» قارنًا متذوقًا لأساليب التعبير، لكنها -في رأي الباحث- لا تمثل أصالة كبيرة أو بارزة إلا في تفسيره الأدبي -كما يسميه- للقرآن الكريم، ويدافع عن هذا الحكم قائلًا: «وإذا بدا هذا الحكم ظالمًا فعلينا أن نراجع هذه المحاولات بمعزل عن تمرد صاحبها وتحوله عنها، أي بمعزل عن سيد قطب الداعية الإسلامي».

ولا ريب أن هذا الحكم فيه ظلم كبير، فلو لم يملك سيد قطب أصالة أدبية بارزة وعميقة، لما استطاع أن ينهض بتفسير الظلال من ناحية، وما كانت كتاباته النقدية حاضرة في واقعنا الأدبي حتى الآن.. ولا يضيره بحال قلة إبداعه في الفنون الإنشائية، فطبيعته ناقدة بالدرجة الأولى، تهتم بالقضايا الذهنية والعقلية، وقد نجح فيها نجاحًا كبيرًا.

ويبقى السؤال قائمًا: هل تمرد سيد قطب على الأدب حقًا؟ أم أن الأدب كان حلقة في سلسلة تطور أكبر، أنتج لنا في ظلال القرآن بصياغته الأدبية الفريدة التي تجعل منه أديبًا كبيرًا وأصيلًا وبارزًا ولو لم يكتب غيره؟ 

مهما يكن من أمر، فإن علي شلش اجتهد في قراءة «سيد قطب» وتتبع آثاره، وكشف عن بعضها الذي لا يعرفه الناس، وخاصة ما انطوت عليه الصحف والدوريات التي كانت تصدر قبل نصف قرن أو يزيد، وقدم للقراء جانبًا من جوانب الرجل الذي أثر في جيله والأجيال التالية له، ولقي ربه واثقًا وهادئًا وشهيدًا.

صدرت الدراسة عن دار الشروق، القاهرة، 1414هـ = 1994م، بعد رحيل كاتبها -يرحمه الله- وكان قد حدثني عنها قبل نشرها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

222

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

125

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية