العنوان هل تعود الكويت لؤلؤة الخليج ؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
مشاهدات 88
نشر في العدد 1126
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
من يصدق أن دولة الكويت ومنذ عام 1952م لم تنفذ خطة
شاملة للبلاد، ومن يمكنه أن يستوعب حقيقة أن الكويت -وعلى الرغم من ثرواتها النفطية،
وأهميتها الإستراتيجية في العالم- تسير بلا خطط واضحة المعالم ومحدودة الأهداف، ولا
أدل على ذلك مما أعلنه عضو مجلس الأمة الدكتور ناصر الصانع -وبكل قوة وصراحة-
في دور الانعقاد الثاني لمجلس الأمة: «أعلمونا -يا وزراء ويا حكومة- عن خططكم وبرامجكم
المستقبلية؛ حتى نتمكن من متابعة تنفيذ تلك الخطط والبرامج، وبالتالي القيام بدورنا
الرقابي على عمل الجهاز التنفيذي للدولة». وتساءل بقوله: إلى أين أنتم ماضون؟ وإلى
أين اتجاه سفينة الكويت التي ارتضينا أن تكونوا نواخذتها، هل هي إلى الشمال أم إلى
الجنوب أم إلى قاع البحر؟
إن ما أعلنه النائب الدكتور الصانع ليدل دلالة
واضحة وجلية على المستقبل غير الواضح لهذه الدولة الصغيرة في حجمها ومساحتها، والمحاطة
بالكثير من الأطماع، والمهددة باستمرار في أمنها واستقرارها، والتي أغدق عليها الله
-سبحانه وتعالى- بالكثير من الخيرات والثروات التي لم يحسن استغلالها بالشكل والأسلوب
الذي يضمن لها مستقبلًا باهرًا ومكانة عالية ترتقي بها إلى مصاف الدول المتقدمة والمتحضرة
في العالم. فهل يمكن أن تعيش دولة -ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين- بلا خطة
يمكن أن تنفذها وزارات ومؤسسات الدولة؟ لقد أعدت الكويت أول مخطط هيكلي للدولة عام
1952م ثم استبدل عام 1971م بخطة شاملة، وأجريت عليها بعد ذلك مراجعة أولى عام 1977م،
ومراجعة ثانية عام 1983م، ومراجعة ثالثة كانت قيد الإعداد حتى وقوع الغزو العراقي الغاشم
على الكويت في أغسطس 1990م.
وقد حُدِّدَت محاور رئيسية للمخطط الهيكلي الجديد للدولة
هي: تعديل التركيبة السكانية لكي يكون الكويتيون أكثر في بلدهم والوافدون أقلية، والمحافظة
على البيئة، والعمل على تخفيض نسبة التلوث وما يهدد البيئة من مخاطر أخرى، والاستفادة
من الموارد الطبيعية واستثمارها بأقصى ما يمكن بالإضافة إلى استخدامات الأراضي والأنشطة
التابعة، وتحسين مستوى وسائل النقل والخدمات العامة، وتشجيع القطاع الخاص. وتلك المحاور
من الناحية النظرية جيدة، ولكن ليس لها أي واقع ملموس ولا منظور في المستقبل، فنجد
مثلًا بالنسبة للتركيبة السكانية أن الكويتيين حسب تقديرات وزارة التخطيط لعام 1994م،
بلغ عددهم نحو 621 ألفًا، ويشكلون بذلك 43.3% من إجمالي عدد السكان، وسيرتفع عدد الكويتيين
بشكل طفيف في عام 1995م ليصل إلى 43.9%.
ونأتي إلى العمالة الكويتية وتشجيعها، فنجد أن الموظفين
الكويتيين وحسب إحصاء 1990م قد بلغ عددهم 120 ألفًا، وكان يفترض حسب ما هو مخطط له،
رفع النسبة من 27% إلى 40%!! وعلى صعيد توفير الأراضي السكنية لمواجهة الطلبات المتراكمة
لدى هيئة الإسكان، نجد أن الأراضي التي تملكها الهيئة لا تغطي حاجة 20% من طلبات السكن
التي وصلت إلى 46 ألف طلب حتى الآن. أما المحور الخاص بتشجيع القطاع الخاص، فنجد أن
الحكومة قد هيمنت على معظم النشاط التجاري والاقتصادي، وذلك بدليل أن نسبة الكويتيين
تشكل في القطاع الخاص 1% فقط!
من جهة أخرى حددت الخطة الخمسية للسنوات 1995/1996 -
1999/2000م أولوياتها من خلال إيجاد وفرة مالية للتعليم العام والجامعي والتطبيقي،
وفي المقابل نجد أن الإنفاق الحكومي في عام 1992م على التعليم بلغ 13.29% فقط، والإنفاق
على الخدمات الصحية بلغ 7.55% فقط. ومن هذه الإحصائيات المتفرقة والمحاور المحددة تجد
أن الخطط في وادٍ والواقع الكويتي المرير في وادٍ آخر، فالخطط متميزة وطموحة وراقية
على الورق فقط، ولكن دون جدية أو اهتمام في تنفيذها، بدليل عدم توفير ميزانيات مالية
للعمل بها، وعدم متابعة ومحاسبة المقصر، فهل نطمع في أن ترى هذه الخطط النور؟!
وفي الجانب الاقتصادي والتخطيط لمستقبل الكويت الاقتصادي،
تجد أن الكويت تعاني -ومنذ عام 1988م- من العجز في الميزانية العامة للدولة، وذلك من
جراء التخطيط السليم والتنفيذ السيئ، حتى بلغ الحال إلى عدم مصداقية وثقة التجار والمستثمرين
الكويتيين بضرورة الاستثمار داخل الكويت، فكيف الحال بالنسبة للمستثمرين الأجانب؟ حتى
إن مصادر برلمانية مطلعة أكدت أن معظم أرصدة تجار البلد تودع في بنوك أجنبية، إلى درجة
أن أحدهم لم يجد سيولة نقدية تقدر بنحو 5 آلاف دينار قيمة فاتورة نقدية عليه أن يدفعها
في الكويت، فطلب تحويل المبلغ المذكور إليه من أرصدته في الخارج!!
وحول السبب في عدم الالتزام بالخطط التي تضعها، قال
استشاري التدريب والإدارة في إحدى شركات القطاع الخاص الدكتور طارق السويدان:
«لعل السبب الأكبر في عدم الالتزام بتنفيذ الخطط هو عدم مشاركة الذين سينفذون الخطة،
وعدم أخذ رأيهم بها قبل اعتمادها، وقد أثبتت الدراسات أن مشاركة المنفذين تزيد التزامهم
وحماسهم عند التنفيذ». ومضى يقول: «إن التخطيط غير الواقعي والتخطيط الذي لا يحسب حسابًا
للمعوقات، ولا يضع احتياطات وقائية للعقبات، غالبًا ما ينهار عند أول صخرة في الطريق».
وأكد على أن علاج ذلك يتم بالتخطيط السليم المرن الذي يشارك به المنفذون، ويراعي الواقع،
وبالإضافة إلى شيء من الطموح، مع وضع الاحتياطات اللازمة والخطط البديلة.
هي دعوة أوجهها للمسؤولين عن التخطيط في البلد، ولمتخذي
القرار السياسي للوقفة المتأنية في هذا الموضوع المهم والخطير لتفعيل الأجهزة الحكومية،
والقضاء على البطالة الإدارية، وتحويل أنشطة الخدمات الحكومية للقطاع الخاص، وتشجيع
المواطن للعمل في ذلك القطاع المهم، والنهوض بالمستوى الحضاري للكويت، وكفانا تخلفًا
وتراجعًا عن بقية دول الخليج، والتي بدأت متأخرة عن الكويت في نهضتها، ولا زلنا نتذكر
كيف كانت الكويت لؤلؤة الخليج، وحالها الآن لا يقارن بالمستوى الراقي الذي وصلت إليه
دول الخليج، فهل ستعود الكويت لؤلؤة للخليج؟!! أتمنى ذلك.
راصد