العنوان هل تصبح تركيا معولًا لشق العالم الإسلامي؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
مشاهدات 64
نشر في العدد 498
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
- مخطط سري لعمل حلف ثلاثي بين تركيا وإسرائيل ومصر!
- بداية التطوع التركي لسياسة أميركا كانت الدولارات ومشروع مارشال!
- تركيا تبني على أراضيها «26» قاعدة عسكرية أمريكية.
- مع تعاقب حزبي العدالة والشعب الجمهوري، ظل الولاء للدولار.
- تيار معادي للغرب يقوده الاتجاه الإسلامي بقيادة حزب السلامة الوطني.
في أعقاب الانقلاب العسكري الأخير الذي أطاح بحكومة حزب العدالة الأقلية، والذي تم بتخطيط أميركي، أخذت الأوساط السياسية العالمية تتساءل عن مستقبل تركيا السياسي، وطبيعة الدور الذي ستلعبه في المنطقة المحيطة بها.
فالمعروف أن تركيا على اختلاف الحكومات التي تعاقبت فيها منذ الحرب العالمية الثانية، ظلت على ولاء لأمريكا، وعضوًا نشيطًا لحلف الأطلسي، فهل جرى تقييم هذا الدور وتم العدول عنه، أم تقرر المضي فيه بحيث تصبح تركيا ركنًا هامًا لتأمين المصالح الإستراتيجية الأمريكية؟!
حلف تركي – مصري - إسرائيلي!!
في الجلسة الخاصة التي عقدها مجلس النواب التركي في نهاية شهر أبريل الماضي لمناقشة السياسة الخارجية، تكلم البروفيسور نجم الدين أربكان زعيم حزب السلامة الوطني «أو حزب الخلاص الوطني» عن أهداف القوى الخارجية في تمزيق العالم الإسلامي، وشن هجومًا قويًا على حكومة سليمان ويميريل، ومن أهم النقد الذي وجهه أربكان للسياسة الخارجية التركية، بأنها كانت تسير دائمًا خلافًا لمصالح تركيا ومصالح العالم الإسلامي.
ونوه بصراحة إلى أن هناك مخططًا لعمل حلف سري بين تركيا وإسرائيل ومصر، يعمل على حماية مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، ويكرس ظاهرة تقسيم وتخلف العالم الإسلامي.
ودلل على ذلك بكثرة اتصالات حكومة ديميريل بالسفارة الإسرائيلية، وقيام الصهيوني «أريال لاوين» بزيارة تركيا ومقابلة عشرين شخصية تركية.
كما عارض البروفيسور أربكان بشدة انضمام تركيا للسوق الأوروبية، وطالب تركيا بتوثيق صلاتها مع العالم الإسلامي.
وإزاء هذا الموقف لزعيم حزب السلامة، إضافة إلى نشاطات الحزب الإسلامية ودعوته لعودة تركيا إلى الإسلام ونبذ العلمانية، لم يستبعد مراقبون غربيون أن يكون هدف الانقلاب التركي، هو وضع حد الاتجاه الإسلامي التحرري.
وهذا الذي قاله زعيم حزب السلامة يبدو في نظر كثير من المراقبين صحيحًا، وإن لم يتخذ دور تركيا بالضرورة شكل الأحلاف السرية، فتركيا بالنسبة للولايات المتحدة تعتبر مفتاحًا لتأمين مصالحها في أوروبا والشرق الأوسط، كما ذكر ذلك تقرير مقدم إلى الكونغرس الأمريكية من قبل لجنة مختصة في الخبراء في شهر يناير 1980م.
علاقات تاريخية وثيقة
والعلاقات بين تركيا والولايات المتحدة تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما برزت الولايات المتحدة كقوة دولية رئيسية إلى جانب الاتحاد السوفيتي، وأخذت تتململ للخروج من عزلتها السياسية، ونظرت أمريكا للشريق الأوسط كحلبة رئيسية للتنافس مع الاتحاد السوفياتي، وفي هذا السبيل ظهر مبدأ ترومان عام 1947، الذي يتلخص في أن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط «يجب أن تدعم الشعوب الحرة التي تجري محاولات إخضاعها بواسطة أقليات مسلمة أو عن طريق الضغوط الخارجية».
وقد كان واضحًا أن هذا المبدأ يهدف إلى استغلال توق شعوب الشرق الأوسط للاستقلال، وربط هذه الشعوب بالمصالح الأمريكية، ولكي تبرهن أميركا على صدقها في ذلك، فقد اتبعت أسلوب المساعدات الاقتصادية، وعلى إثرها ظهر مشروع مارشال لتعمير ما دمرته الحرب خلال الفترة 1949 - 1952م.
وقد بلغ نصيب تركيا المساعدات الاقتصادية منذ عام 1945 وحتى عام 1952، حوالي 860 مليون دولار، منها أكثر في 500 مليون دولار مساعدات عسكرية.
عقد ذهبي
ويعتبر عقد الخمسينيات عقدًا ذهبيًا في العلاقات الأمريكية – التركية، حيث لم تكن تركيا آنذاك أكثر من عبد مأمور للسياسة الأمريكية، فبعد التركي، تم انضمام تركيا لحلف الأطلسي عام 1952، وتم بناء «26» قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها، شملت مراكز للتجسس وقواعد للرادار ومطارات ومستودعات للمؤن.
وفي عام 1955 انضمت تركيا إلى حلف بغداد، وفي عام 1959 إلى منظمة المعاهد المركزية، وإن لم تكن الولايات المتحدة عضوًا مباشرًا فيها، وأعربت تركيا عن رغبتها في مساعدة الولايات المتحدة في أي عمل عسكري تود أن تقوم به في الشرق الأوسط، وقد حصل هذا فعلًا عام 1958 عندما توجهت قوات أمريكية من تركيا إلى لبنان.
علاقات تشويها محاذير
ولكن هذه السياسة لم يقدر لها أن تستمر على نفس الوتيرة وكما تريد أميركا بالضبط، ففي أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، بدأ الأتراك يدركون أن جارهم الاتحاد السوفياتي أخذ يشكل خطرًا عليهم، كما بدأ يزور الوهم حول التحالف الأميركي، حيث ثبت للأتراك أن أمريكا تهتم بمصالحها أولًا وأخيرًا، ولذلك اتجهت السياسة الخارجية التركية إلى «تطبيع العلاقات مع الاتحاد السوفياتي، كما فرضت بعض القيود على الاستعمار الأمريكي للقواعد العسكرية بقصد خدمة أغراض أمريكية.
فمع أن تركيا وقفت إلى جانب الولايات المتحدة في أزمة كوبا، فقد هددتها الأخيرة بالتخلي عنها إذا تعرضت لهجوم سوفياتي على إثر الأزمة القبرصية، حيث أنذرت أمريكا تركيا بعدم التدخل عسكريًا في جزيرة قبرص عام 1964.
وبسبب ذلك تقضي العلاقات بين الجانبين إلى التدهور، ففي عام 1967 رفضت تركيا استخدام أراضيها كمنطلق لعمليات عسكرية في صالح إسرائيل، وأدانت العدوان الإسرائيلي، وقبل ذلك كانت قد ألغيت امتيازات الجنود الأمريكان، وأقفل مرفأ إستانبول في وجه الأسطول السادس الأميركي بين 1966 - 1969م.
موجة معادية للغرب
والجدير بالذكر أن أميركا كانت تشجع السياسات التركية الداخلية، القاضية بطمس القيم الإسلامية، وبت الصلة بين تركيا وأصولها الإسلامية. ولكن بسبب الفساد الذي استشرى نتيجة لتدفق الأموال الأمريكية على تركيا من جهة، وخذلان أميركا لتركيا، بدأ بتشكل اتجاه معادٍ للغرب وله جذور إسلامية، وهذا ما اضطر الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندرس للاستجابة لبعض المطالب الإسلامية خلال عقد الخمسينيات، ومثل إعادة الأذان باللغة العربية، وإعادة التدريس الديني وغيرها. ومعه أن الرجل كان يؤمن بالاقتصاد الحر ومواليًا جدًا لأمريكا، إلا أنه بسبب هذه الإصلاحات تعرض للاغتيال بعد الإطاحة به في انقلاب عسكري عام 1960. ومع تناوب الحزبين: الجمهوري والعدالة خلال عقد الستينات، استمر هذا الاتجاه، مما اضطر هذه الحكومات إلى إعادة النظر ولو قليلًا في علاقتها مع أميركا.
عصر المد الإسلامي
على أن التوتر الحقيقي العلاقات الأمريكية - التركية بدأ منذ أوائل عقد السبعينات، فبالرغم من الانقلاب العسكري عام 1971 الذي تم أيضًا لتخطيط أميركي، لتطويق الاتجاه الوطني المعادي للغرب، إلا أن هذا الاتجاه بدأ يكبر ويتخذ هذه المرة بعدًا إسلاميًا، ففي عام 1972 تشكل حزب السلامة الوطني بزعامة البروفيسور نجم الدين أربكان، ودخل الحياة السياسية فحصل على 48 مقعد في البرلمان عام 1973، وشكل الحكومة مع حزب العدالة.
وبلغت العلاقات الأميركية - التركية حد الحرج عام 1974، بسبب إقدام تركيا على نصرة المسلمين القيارصة عسكريًا بالرغم من تحذير أميركا بعدم التدخل. وكان من نتيجة ذلك أن توقف شحن الأسلحة الأمريكية إلى تركيا خلال الفترة 75 - 1978م.
وبسبب تغير بعض الظروف السياسية في أوروبا والشرق الأوسط، فقد عاودت أميركا الاتصال بتركيا لتحسين العلاقات معها مستقلة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية المتردية فيها، ومع مجيء حزب العدالة للحكم في نهاية العام الماضي، تم التوصل إلى اتفاق بشأن التعاون الأمني والدفاعي بين الطرفين في يناير، وثم التوقيع عليه في شهر أبريل الماضي.
مستقبل العلاقات
«تتمسك الحكومة الأمريكية بتركيا مستقرة وديمقراطية، على أنها عامل مهم بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة، في حلف شمال الأطلسي وشرق المتوسط والشرق الأوسط» هذا ما ورد في تقرير للجنة للعلاقات الخارجية لمجلس النواب الأميركي، ضمن دراسة لطبيعة العلاقات الأميركية التركية ومستقبلها.
وبعد الانقلاب العسكري الأخير وما صاحبه من ظروف وملابسات، بجعل المراقب يذهب إلى أن أميركا بعد الغزو الروسي لأفغانستان، والوضع الذي ترتب عليه موت تيتو في يوغسلافيا، وخسارة أكبر حليف لها في الشرق الأوسط بسقوط شاه إيران، وارتفاع موجة العداء لأمريكا لدى شعوب المنطقة، واشتعال الثورات الإسلامية الجادة في أكثر من مكان- كل هذه المتغيرات فرضت على أميركا إعادة نظرتها إلى تركيا، والتركيز عليها كحليف ذي قيمة في تأمين مصالحها الاستراتيجية:
- فتركيا محاددة للاتحاد السوفياتي واقعة على البحر المتوسط، كما تتحكم بالمنافذ الشمالية المطلة على نفط الخليج.
هي فوق ذلك عضو بارز في حلف الأطلسي، يقول القائد الأعلى السابق للحلفاء في أوروبا، الجنرال ألكسندر هيغ: «إن اشتراك تركيا في ثلاثة من أربعة ميادين حربية في المنطقة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، وهي شرق تركيا والبحر المتوسط والجوار التركي، يمكن أن يكون حيويًا لنجاح الأطلسي في زمن الحرب».
- ويعتبر الجيش التركي من أكثر جيوش الشرق الأوسط تعدادًا، إذ يصل إلى حوالي 600 ألف مجند.
- وللولايات المتحدة «26» قاعدة عسكرية في تركيا، تحوي بالإضافة إلى المعدات العسكرية منشآت للمراقبة والتجسس، ويقول وزير الدفاع الأمريكي «هارولد براون»: «إن أعظم قيمة للمعلومات التي جمعت من القوات الأميركية في تركيا، هي لتلك المعلومات الخاصة بتطوير الأسلحة السوفياتية، والخاصة باستعدادات وحركة القوات السوفيتية».
وإزاء هذا التخطيط الأميركي الذي نبه إلى خطورته، زعيم حزب السلامة البروفسور «نجم الدين أربكان»، لا يسع المراقب المسلم إلا أن يتساءل: ترى ما هو موقف الدول العربية تجاه ما يجري ويخطط لتركيا؟!
- ثم ألا يستحق الاتجاه الإسلامي الذي يقوده حزب السلامة منهم كل تشجيع ودعم، أم أن أميركا لا تستهدف من إحكام قبضتها على تركيا تمزيق وإضعاف العالم الإسلامي؟! إننا لناظرون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل