; هل تسمع حقًا؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تسمع حقًا؟

الكاتب فيصل بن سعود الحليبي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

مشاهدات 86

نشر في العدد 1322

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ {20} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ {21} إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ {22} وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (الأَنفَال: ٢٠-٢٣).

كثيرة هي مشاغل الحياة، ومتتالية هي صروف الزمان أحداث نقلوها أحداث، وخطوب تتبعها خطوب والإنسان هو الإنسان تغره الدنيا، وقد علم دنوها، ويلهو عن الآخرة وقد أيقن ببقائها، صبره على الطاعة قليل، وتطلعه إلى الهوى كثير يكابد الحياة بحرها وحلوها، ويغفل عن أسمى غاية خلق من أجلها وربه ينبهه إلى ساحلها فيقول سبحانه: (وَمَا خَلَفتُ ٱلجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ) (الذَّارِيات: ٥٦)

فسبحان الله وجد من الإنس من لهث وراء الدرهم والدينار حتى عبده، ووجد منهم من عبد الزهو والفخر ووجد منهم. هم من عبد زينة الدنيا الزائلة، فتعسًا لكل من رضي بغير الله ربًا.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» (رواه البخاري)

إن عبادة الدرهم والدينار والخميصة والقطيفة لیست ناتجة من عقل صحيح، ولا من قلب سليم بل من غفلة، حتى غدا الإنسان في زماننا يتخبط في مكابدته لهذه الحياة يتجاهل أنه خلق من أجل غاية، وغاية واحدة فقط هي عبادة الله وحده لا شريك له.

وهل أحد منا يعبد غير الله؟ سؤال مفترض أن يطرح، وإن لم تتفوه به الألسنة ماذا فهمنا من معنى العبادة أهي مسمى الإيمان؟ أم هي رسم الإسلام؟ أم هي أن يفعل المسلم ما يحلو له من العبادات ويترك ما يخالف هواه منها؟ فيصلي وينظر إلى الحرام، ويصوم ويفطر على الحرام، ويتصدق ولكن من الربا. ويتزوج ويزني، ويصلي العشاء في وقتها ويصلي الفجر في رائعة النهار، ويقوم بحقوق زوجته وذريته ويعق والديه، ويقرأ القرآن ويسمع الغناء، ألا ترى أنها صفة من صفات بني إسرائيل حينما أنكر الله ذلك فقال : (أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ ٱلكِتَٰبِ وَتَكفُرُونَ بِبَعض فَمَا جَزَآءُ مَن يَفعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُم إِلَّا خِزي فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَيَومَ ٱلقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلعَذَاب وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ) (البَقَرَةِ: ٨٥)

أما أنت أخي الحبيب فقد كرمت بعبادة ربك، فارع حقوقه كلها ما استطعت إليه سبيلًا، وفضلت برسالة نبيك محمد ﷺ فأد أوامره حتى تعجز، فإذا عجزت عُذرت: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِم حَرَجا مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسلِيما) (النِّسَاء: ٦٥)

فهل أخضعت قلبك وعقلك لخالقك، فلم تجعل لنفسك رأيًا بعد رأي الله، ولا قضاء بعد قضائه. ولم تجد في صدرك كراهية لما شرع، وسلمت بعد ذلك تسليمًا.

نعم إننا نسمع الموعظة، ونحضر الجمع ونصلي مع الجماعات، ونتلو القرآن، وتنصت للحديث، لكن ما حظ جوارحنا من العمل بما سمعته آذاننا وامتلأت به قلوبنا؟ إنني أعلم وتعلم . أخي القارئ - أن النصيحة فيها ثقل على النفوس إلا على نفوس تربت على محبة الله ورسوله ﷺ وحرصت على النجاة بأنفسها وأهليها، في يوم عظيم الكروب جسيم الخطوب..

سماع .. وطاعة

لكن ما فائدة السماع إن لم تصحبه الطاعة، وسائل نفسك من الذي سمع فعصى؟ إنه أفجر مخلوق عرفته البشرية منذ أن خلقها الله : (وَإِذ قُلنَا لِلمَلَٰٓئِكَةِ ٱسجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبلِيسَ أَبَىٰ وَٱستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلكَٰفِرِينَ) (البَقَرَةِ: ٣٤)

فهل تعتقد أن إبليس لعنه الله لم يسمع أمر ربه؟ بل سمع فأبى أن يكون من الساجدين.

أتعلم من الذي سمع ولم يطع إنهم بنو إسرائيل، اسمع كيف خلد الله . معصيتهم له. بقوله:

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) (البَقَرَةِ: ٩٣)

 لقد كانوا يسمعون نداء الرحمن، ويدعون الإيمان به ولكن بئس السماع سماع لا يحيي في القلب طاعة، ولا يثمر في النفس استجابة.

أقوام عاشت على هذه الأرض، فأرسل الله لها من يرشدها إليه، فأبت إلا الطغيان والفساد، ولم ترض إلا بالرذيلة والفاحشة لباسًا، ولم ترغب إلا بالكفر وصفًا وسمتًا، فألبسهم الله لباس الخوف والجوع، وقلب عليهم الديار رأسًا على عقب وأغرقهم، وأنزل عليهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

أيحب أحدنا إذا سمع الأمر بالخير والنهي عن الشر أن يكون كأمثال ذلك أو هؤلاء؟

الجواب بلا ريب: لا، ونعم الجواب، ولكن ما معنى أن ينفر صاحب المعصية من النصيحة بتركها، وصاحب الفجور من الأمر بتركه، ما معنى أن نتبرم من نصيحة الناصحين وإرشاد المرشدين نواجههم بالحجج، ونخاصمهم بالجدل ألم يأن لألسنتنا حين يأتي الأمر من الله ورسوله أن تنطلق فتقول: سمعنا وأطعنا.

لقد امتثلتها الملائكة المقربون فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، ونطقت بها مخلوقات عظام ضخام، إنها السموات والأرض حينما قال : لها الله - جل في علاه - : (ثُمَّ ٱستَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَان فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرضِ ٱتتِيَا طَوعًا أَو كَرها قَالَتَآ أَتَينَا طَآئِعِينَ) (فُصِّلَت: ١١)

وتفوه بها أكرم خلق الله عليه فقال حكاية عنهم:

(ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلمُؤمِنُون كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ ٱلمَصِيرُ ) (البَقَرَةِ: ٢٨٥)

وصدق بها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، حينما جاءهم النهي عن شرب الخمر التي كانت لها الولع الشديد في نفوسهم يتحفون بها مجالسهم ويتناشدون في وصفها الأشعار، ويعاقرونها كلما اشتهوا، وما إن نزل قوله تعالى:

(إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَينَكُمُ ٱلعَدَٰوَةَ وَٱلبَغضَآءَ فِي ٱلخَمرِ وَٱلمَيسِرِ وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰة فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المَائـِدَة: ٩١)

حتى دلق أحدهم إناء قد وصل إلى فمه لم يرض أن يؤجل استجابته لربه ولو شربة واحدة، وقالوا بنفوس طيعة راضية انتهينا ربنا انتهينا، وكسروا القلال وأراقوها في طرق المدينة.

ولعل مما لا يغيب عنك قصة ذلك الصحابي البطل الذي زف إلى زوجته في ليلة عرسه وعرسها لكنه حينما سمع نداء الجهاد في سبيل الله، نهض بكل عزة وكرامة ليستجيب لنداء ربه، فتوجه إلى أرض المعركة، ليغرس قدميه فيها، إما أن يزف بعدها إلى زوجته منتصرًا مظفرًا، أو يزف إلى الحور العين في جنة ربه، وشاء الله تعالى أن يختاره شهيدًا، أما جنابته من عرسه، فقد تكفل الله تعالى أن تغسله الملائكة الكرام، حتى رئي أثر الغسل بعد استشهاده، وسمي بعدها غسيل الملائكة، ذلك حنظلة بن عامر رضي الله عنه.. كل هذا الفضل، وهذا التكريم بسبب استجابته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فهل فكرنا أن نترجم سماعنا للخير والموعظة إلى عمل جاد، واستقامة دائمة على دين الله ؟

الرابط المختصر :