العنوان هل تريد الأمة النهوض من كبوتها؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 08-فبراير-2003
مشاهدات 96
نشر في العدد 1538
نشر في الصفحة 43
السبت 08-فبراير-2003
على مدار التاريخ قد تركع شعوب، ولكنها لا تسقط وقد تمرض أمة ولكنها لا تموت أو تندثر وركوع الشعوب ومرض الأمم ليس وليد الصدفة، أو خبط عشواء، ولكنه أمر له أسبابه وعلله كما أن نهوضها كذلك له مقوماته وأساليبه، وغالبًا ما تكون تلك الأسباب والعلل متعلقة بالأشخاص والأفراد والأمة، في تفكيرها، في عزائمها في عقولها، في أخلاقها وسجاياها، في إبداعها، في غاياتها، في بصيرتها. فإذا رأيت أمة من الأمم قد اكتسبت تلك الصفات وارتفعت عندها هذه الطباع وسمت لديها هذه الملكات فاعلم أن تلك الأمة بدأت تبرز وتنهض وتأخذ مكانها المرموق تحت الشمس.
وإذا رأيت منها غير ذلك فاعلم أنها إلى انحدار وانكساف واعلم أن أفكارها قد أسودت وأنها قد بدأت تسير في طريق العماية، وترى الأشياء بغير طبائعها وألوانها وأحجامها، قد ترى الأبيض قتامة سوداء، والحلو ملحًا أجاجًا، وقد تحسب العدو صديقًا، والصديق عدوًا، ولابد لكل أمة تريد النهوض أن تعرف أعداءها فتحذرهم وأن تهتدي إلى أحبابها لتستخلصهم، وأن تضع المنهج الحازم الحكيم للنهوض لتسير عليه حتى لا يلتوي بها الطريق، والأمة التي لا تعرف أعداءها تقع في خديعتهم، وتقول بعد ضياع الفرصة «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».
والأمة التي لا تعرف أحبابها تضعف قوتها بيدها وتندم حيث لا ينفع الندم، كما أنه يجب على الأمة التي تريد النهوض أن يكون لها هوية ومنهج ينبعان منها ويحددان مسيرتها، والأمة التي لا تضع منهج نهضتها وتتنازل عن هويتها تتخبط في سيرها ولا تتقدم خطوة واحدة، بل قد تتأخر خطوات كثيرة إلى الوراء.
وأمتنا اليوم في نهضتها الإسلامية المحبوبة تسير سيرًا حثيثًا نحو اليقظة، وتبدو في كل مظاهر حياتها دلائل الفتوة والحياة، ولكنك إلى جانب ذلك تجد ما يخيفك على مستقبلها لأمور تبدو للعيان، تحزن النفس وتدمي القلب، ومنها:
1- أن بعض من تري من أبناء جلدتنا وملتنا فيهم الكسلان والمستهتر، والمدمر والذي يحب أن يأخذ ولا يعطي، ويسرق ولا يعمل، ويضر ولا ينفع.
2- يكره بني جلدته، ويحب غيرهم، ويعادي إخوانه ويصادق أعداءه، يجيب دعوتهم، ويتبنى رسالتهم، ويضرب بسيفهم، ويأتمر بأمرهم عن رضًا وحب وإخلاص.
٣ - يحب الغزو الثقافي، ويكره الأصالة والطهارة، ويعطي من ماله وجاهه الشيء الكثير، ويتناسى هويته وأمته ووطنيته، وتراه بقوة خفية يحتل كل المرافق والمسؤوليات الكبار، وينال التعظيم والاحترام.
في حين أن كثيرًا من المصلحين- ولا نحب أن نعرض لأسمائهم - أصحاب فكر لامع، وخلق مستقيم وعقل مبدع يرمقون بعين الحذر والاشتباه، ويقسم الإنسان أن أحدهم ينفق قوت أولاده في خدمة أمته، وقد يبيت على الطوى وبيته خاو، وهو بذلك جد سعيد، بل إن أحدهم ليذكر ما وصلت إليه الأمة فينحدر دمعه كسحب الغمام، ويقضي ليله ساهرًا مفكرًا والناس نيام، ويتفطر فؤاده أسى وأسفًا والخليون هجع، ثم هو بعد ذلك إما مطارد أو مقصي أو مسجون.
وهذا التناقض في الأمة يعبر عن أشياء كثيرة تعمل عملها في تعطيل المسير وتفعل فعلها في دحر الأمة منها السير وراء الأهواء والشهوات وإظهار الإخلاص الكاذب، وعلى هذا فكل من نافق أو ظهر بمظهر يوافق الميول والخضوع فهو المحبوب والمصطفى، وكل من وقف في جانب الحق ودافع عنه أو خالف الميول الجامحة أو الرغبات المتسلطة فهو العدو الذي يحذر منه والخصم الذي يهدد ويهدم، وإن كان وراءه الحب الدفين لبلده والإخلاص الكمين لأمته.
إذن فما أحوجنا إلى بعد النظر، وعمق التفكير، وصحة التقدير، وترك الحكم بالظواهر والظنون والأهواء وما أحوجنا إلى السير وراء الحقائق والتمييز بين العدو والصديق والصالح والطالح.
كما أنه قد يلاحظ الباحثون أن قادة الفكر أنفسهم في البلد الواحد متباينون في النظريات، وقد لا يعذر بعضهم بعضًا أو يتقارب بعضهم إلى بعض، وإذا سألت كلًا منهم عن رأيه في المسلك الذي يوصل إلى الغاية، لرأيت تباينًا عجيبًا وتناقضًا غريبًا، بل إنك لو سألت في ذلك أفراد الناس العاديين لأدهشك ما ترى من بعد الشقة في أفكارهم وآرائهم، وهذه الحيرة في الهدف وذلك الاختلاف في التوجه والوسائل، هذا كله شيء خطير يضعف قوة الأمة، ويذهب ريحها، ويفرق جهودها، بل قد يجعلها متعاكسة يبطل
بعضها عمل الآخر فلا يصل إلى شيء أبدًا.
لهذا كان من أول واجبات المخلصين تحديد المنهج تحديدًا دقيقًا مضبوطًا، ثم توزن الناس بميزانه، فكل من أعان عليه فهو حبيب، له ما للأحبة من احترام وحب وتعضيد، وكل من عطله أو ناوأه فلابد من إفهامه حتى لا يكون هناك لدد في الخصومة وتفرق في الوجهة «وهل الإيمان إلا الحب والكره؟».
كما أنه ينبغي أن يكون المنهج الذي ينهض بأمة من الأمم تتوافر فيه شروط عدة حتى يؤدي مهمته، ويكون أقرب الطرق للوصول للغايات والمرامي، ولابد أن يكون عمليًا لا يعتمد على الخيال ولابد أن يكون شاملًا يعبر عن أماني الأمة وعواطفها وخلجات نفوسها ويصور آمالها ومطالبها، ولابد أن يكون محوطًا بصفة من القداسة تدفع إلى المحافظة عليه، والتضحية في سبيله ولابد أن يكون بعد ذلك معينًا على جمع كلمتها ومساعدًا على ضم صفوفها وتوحيد جبهتها ووجهتها، فإذا تمكنت أمة من الأمم من وضع منهج تتوافر فيه هذه الشروط فهي واصلة لا محالة إلى ما تبتغي من أقرب الوسائل وأقصر الطرق، ولعل من فضل الله على هذه الأمة أن من عليها بهذا المنهج تامًا كاملًا موفور الشروط، مكتمل الوسائل والغايات وهو القرآن الكريم فهل تنصاع الأمة بدلًا من التخبط في الظلمات والسعي وراء التجارب الفاشلة خاصة ونحن تسمع قول ربنا: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال:20). ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (محمد: ۳۸) وهل نصدق الله فيصدقنا؟ نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل