العنوان هل تراجعت الصحوة الإسلامية؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997
مشاهدات 71
نشر في العدد 1264
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 26-أغسطس-1997
ذكرت إحدى الصحف العربية اليومية أن اللجنة القومية للسياسة الخارجية الأمريكية أعدت تقريرًا رفعته إلى الإدارة الأمريكية توقعت فيه تراجعًا عن الأصولية في دول العالم الإسلامي. ويؤكد تقرير اللجنة التي يرأسها هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، وتضم في عضويتها وزيري الخارجية السابقين جيمس بيكر، وسايروس فانس، أن الأصولية راحت تفقد جاذبيتها وتنزع إلى الانكفاء تدريجيًّا وأنها محكومة بالزوال، موضحًا أن الأصوليين لم يصلوا إلى السلطة في أي بلد باستثناء إيران والسودان، وأن مد الأصولية توقف في إندونيسيا وماليزيا، وغير ذلك من البلدان غير العربية، أما في مصر فقد تحقق احتواء هذا التيار في حين أن الجزائر تقاومه بالصراع المسلح، وينتهي التقرير إلى القول بأن جماهير العالم الإسلامي لا تشجع الأصولية عمومًا.
والمعروف أن المقصود بالأصولية هي الصحوة أو اليقظة الإسلامية أو الإحياء الإسلامي.. فهل حقيقة أن الصحوة تراجعت؟ وهل صحيح أن الجماهير لا تؤيد الصحوة؟ وهل تعني الصحوة فقط الوصول إلى السلطة؟
بداية نقول: ما هدف الصحوة الإسلامية؟ إن هدف الصحوة أن تجعل مجتمع المسلمين توجهه عقيدة الإسلام وتحكمه شريعة الرحمن، وتقوده مفاهيم الإسلام، وتسوده أخلاقه، وتسيطر عليه قيمه، وتسري في كل جنباته روحه، وتصبغ كل شيء فيه صبغته.
إن هدف الصحوة إيجاد جيل مسلم يمثل دعامة المجتمع الإسلامي المنشود، وقاعدة جماهيرية واعية تناصر الفكرة الإسلامية، وتلتف حولها، وتتقدم بها ومعها إلى مختلف مواقع المجتمع. فهل فشلت الصحوة في تحقيق هدفها؟ من المؤكد أن ذلك لم يحدث، وإلا فلم كانت الحرب الشعواء المسلطة عليها من أنظمة وحكومات وأجهزة وإذاعات ومحطات تبغي تشويه صورتها وصرف الناس عنها؟
لقد حققت الصحوة في عقدين من الزمان إنجازًا كبيرًا لا ينكره عاقل، ملتزم بالإسلام أو غير ملتزم، فقد دخلت الفكرة الإسلامية كل بيت، وأصبح الإيمان بها مسلمة لا تقبل الجدال، بعد أن بذلت العلمانية والاستعمار والعملاء جهودًا كبيرة عقودًا من الزمان لصرف الناس عن عقيدتهم وإقناعهم بأن الإسلام مجرد إيمان في القلب لا يجاوزه، وعبادة شخصية لا علاقة لها بالمجتمع.
وقد تنجح الحرب على الإسلام في صرف بعض الناس لبعض الوقت، ولكنها لا تستطيع أن تحجب نور الله إلى الأبد. ﵟيُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦﵞ (الصف: 8) إن مثل فعلتهم كمثل غيمة حجبت نور الشمس ساعة من نهار، ثم عادت الشمس مشرقة زاهية تبسط ضوءها في الأفق.
وقد يرى البعض أن الصحوة الإسلامية قد منيت بانتكاسات من داخلها، فهذه أفغانستان تعطي أسوأ مثل لمن ختموا جهادهم ضد الشيوعية بحرب طاحنة بين المسلمين، وهذه بعض الحركات هنا وهناك قد وصلت إلى المجالس النيابية أو شاركت في السلطة، فلم تحقق من أهدافها إلا القليل، ولم ير الناس منها ما كانوا يأملون.
ولا حرج أن نقول: إن ما سبق صحيح، ولكن لذلك أسباب بعضها داخلي يمكن التغلب عليه بإذن الله، ولكن أكثرها خارجي يتعلق بالمعوقات التي تضعها القوى والأنظمة الشريرة المناوئة للفكرة الإسلامية... فهي تسعى جهدها لإفشال أي تحرك جاد أو نجاح بارز يمكن أن ينسب للصحوة ورجالها، وكم حرمت شعوب وأفراد من أعمال كان يراد بها وجه الله، ثم نفع الناس لا لسبب سوى ألا يُحسب ذلك عند الناس في ميزان بعض الحركات الإسلامية.
ولا يمكن بحال قياس نجاح الصحوة أو فشلها بالوصول إلى السلطة، فالوصول إلى السلطة لم يكن وحده غاية الصحوة، دون أن ينفي ذلك حق الإسلام في أن يحكم الشعوب الإسلامية وحق رجال الصحوة أن يكون لهم موقعهم في المسؤولية، وهل يجوز حجب هذا الحق عنهم لمجرد أنهم من رجال الصحوة، فيما يتمتع بهذا الحق كل صاحب فكر مهما كانت شطحاته؟
وكم شهد التاريخ من مغامرين ومستبدين وصلوا إلى السلطة في غمضة عين، فأذاقوا شعوبهم الأمرين، وما قيمة السلطة إذا لم تكن هناك قاعدة شعبية تؤازرها وتساندها وترضى بسياساتها وقراراتها؟
إن التقرير المشار إليه سابقًا يتحدث عن احتواء التيار الأصولي في عدد من البلدان، وتكفي نظرة واحدة لتكشف أي سبيل سلكتها حكومات تلك البلدان لاحتواء التيار أو مقاومته. ولا ندري أكان يُعاب على الصحوة إن واجهت الضغوط أم يُعاب عليها إن صبرت على الأذى واحتسبت ذلك عند الله، وواصلت مسيرتها محتملة ما تتعرض له من أذى، صابرة لتحقيق أهدافها الخيرة فيما يُرضي الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل