العنوان هل تحول الدور المصري في فلــسطين من الوساطة إلى الضغط؟
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 1
نشر في العدد 1556
نشر في الصفحة 28
السبت 14-يونيو-2003
يبدو أن النتائج الخفية التي تحدث عنها البعض بخصوص
تأثر الحكومات العربية بالضغوط والإرهاب الأمريكي الذي أعقب احتلال العراق وتهديد
حكومات الدول العربية بالتغيير، قد بدأت تظهر بالفعل في العديد من السياسات
العربية، منها سلوك السياسة الخارجية المصرية تجاه القضية الفلسطينية الذي تحول
إلى وصف عمليات الانتفاضة بأنها عنف وإرهاب، وبدأ يطالب بوقفها تمامًا بدعوى أنها
مرحلة تجاوزها الزمن.
الضغوط الأمريكية تتزايد في غير صالح القضية
هل تحول الدور المصري في فلــسطين من
الوساطة إلى الضغط؟
القاهرة: محمد جمال عرفة
gamalarafa@hotmail.com
ومن السهل رصد هذا التغير في السياسة المصرية -بفعل
الضغوط الأمريكية والقبول بالأمر الواقع الذي صنعه ٥٥ عامًا من أمن الاحتلال- في
الصحافة الرسمية المصرية التي باتت تتحدث عن عمليات المقاومة باعتبارها أعمال
انتقامية أو عنف، كما يمكن رصده في تصريحات الرئيس المصري وأخرها وصفه ما يجري في
فلسطين بأنه عنف وعنف مضاد مطالبًا بوقفه.
ولم يقتصر الأمر على هذا بل بدأت القاهرة الرسمية
تتحدث بوضوح وعلنًا عن ضرورة وقف هذه العمليات وتعتبرها خاسرة وانتهت صلاحيتها في
هذا الزمان، ليس معروفًا ما الذي تغير باستثناء تعاظم الصلف الصهيوني والاحتلال
الأمريكي للعالم العربي رغم أن مدير المخابرات المصرية عمر سليمان كان حريصًا حتى
في تصريحاته خلال لقاءات سابقة مع الفصائل الفلسطينية على الحديث عن
هدنة فقط وليس وقفًا كاملًا للعمليات.
وربما كان أبلغ تعبير عن التغير في الموقف
المصري هو
التحـــــذير المصري يوم ٢٠٠٣/٦/٥م على لسان وزير الخارجية أحمد ماهر مما أسماه
«انقلاب المكاسب التي حققتها الانتفاضة الفلسطينية إلى خسائر». على اعتبار أن لكل
شيء وقته وأن الانتفاضة المسلحة بلغت مرحلة أصبحت لا تحقق الهدف منها رغم تأكيد
المحللين الغربيين وحتى الصهاينة أن ردود حماس الفورية مثل عملية القدس الأخيرة
توازن العمليات الصهيونية وتكبح جماحها نسبيًا.
وتعد هذه المرة الأولى التي تعلن فيها القاهرة رسميًا
وبوضوح عن اقتناعها بعد جدوى العمليات العسكرية للانتفاضة، وهو أيضًا ذات الموقف
الذي تبناه رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس في قمة العقبة عقب سلسلة المطالب
الصهيونية والأمريكية المقدمة له داعيًا لوقف عسكرة الانتفاضة وكأن القضية ستحل لو
عاد الفلسطينيون لاستخدام الحجارة كما هو عهد الانتفاضة الأولى؟
تطور الدور المصري
من مفارقات مرحلة ما بعد 11 سبتمبر وغزو العراق
والتهديد بتغيير الحكم في العالم العربي والإسلامي أن يصل الأمر إلى حد أن تهاجم
مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس يوم ١٣ يونيو الجاري الحكام العرب بسبب صمتهم
على حماس والجهاد(!) وعدم التدخل لحفظ أمن الدولة الصهيونية، وأن يتصل وزير
الخارجية الأمريكي باول بوزيري خارجية مصر والأردن لمطالبتهما بالتدخل لدى حماس
والضغط عليها.
وإذا كان الطلب الأمريكي متوقعًا ومعروفًا فالغريب
أن بعض الحكومات العربية تعامل بالفعل مع الطلب الأمريكي وكأنه أمر واقع لتبدأ
تحركات خلف الكواليس للضغط على حماس مقابل مطالبة الصهاينة، كما قال باول بـضبط
النفس؟
والحقيقة
أن الدور المصري في الوساطة بين الفلسطينيين والصهاينة شهد تغيرًا نسبيًا في
الآونة الأخيرة باتجاه تبني بعض المطالب الأمريكية والصهيونية تدريجيًا، خصوصًا ما
يتعلق بالمقاومة الإسلامية الفلسطينية وأصبح أكثر حيادًا عما كان في بداية مرحلة
أوسلو، وهذا راجع إلى عيب في تصنيف الوساطة المصرية لنفسها من البداية باعتبارها
محايدة بين الطرفين وترفض التدخل للضغط على أي من الطرفين رغم أن ثوابت القضية
الفلسطينية بمثابة أمن قومي مصري.
ولذلك كان من الطبيعي أن تنعكس تداعيات مرحلة
الإمبراطورية الأمريكية الحالية على السياسة المصرية، كما انعكست على سياسات
حكومات عربية أخرى في صورة مزيد من الضغط على المقاومين الفلسطينيين وفق تصور خاطئ
بأن الصهاينة سوف يوقفون عدوانهم لو توقفت العمليات.
ويمكن رصد
مرحلة التحول المصري للمطالبة بوقف عمليات المقاومة عقب الاجتياح الصهيوني للضفة
في سبتمبر ۲۰۰۱، وبداية الرحلات المكوكية لمدير المخابرات
المصرية إلى الضفة وغزة وتل أبيب.
وكان التحرك المصري في هذا الصدد يرتكز على فكرة هي
في الأساس شرط شارون المعلن لوقف العدوان على الشعب الفلسطيني، وقف العنف تمامًا
لمدة شهر حيث تقدمت القاهرة بخطة مبدئية للفصائل الفلسطينية تطالب بهدنة مدتها عام
كامل مع بدء حوار فلسطيني موسع لتوحيد الصف الفلسطيني.
ويبدو أن هذه الخطة المصرية كانت تطمح إلى النجاح
قبل الانتخابات الصهيونية الأخيرة في رمضان الماضي بهدف دعم حزب العمل، بحيث يتم
وقف العمليات لفترة محددة لمنع التصعيد وإعطاء شارون الفرصة للتأثير على الناخب
الصهيوني، وهو ما لم يحدث بسبب رفض الفصائل لهذه الهدنة دون مقابل صهيوني واضح على
حد ما قاله أسامة حمدان ممثل حماس في لبنان لـ المجتمع في ذلك الحين.
وقد استخدم سليمان خلال المفاوضات
التي أجراها
مع حماس والجهاد الإسلامي مصطلح وقف العمليات من رمضان إلى رمضان، أو هدنة لفترة
تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر وعندما بدأ موقف حماس والجهاد يتقبل فكرة الهدنة بشرط
وجود مقابل صهيوني، بدأت القاهرة توسع الحوار ليصبح حوارًا وطنيًا فلسطينيًا شاملًا.
ومع فرض أمريكا لخيار أبو مازن ورفضها التعاون مع
عرفات، عاد الدور المصري لينشط مرة أخرى، محاولًا توفير أجواء إيجابية لحكومة أبو
مازن وجسر الهوة بين القيادة الفلسطينية من جهة والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى
خصوصًا بعد تصريحات أبو مازن في قمة العقبة وتعهده بوقف عسكرة الانتفاضة ووقف
الهجمات على الصهاينة وجمع أسلحة الفصائل، وعاد رئيس المخابرات المصرية الأسبوع
الماضي ليشرف على الهدنة بين السلطة والفصائل الفلسطينية من جهة، ويعيد إقناع
الفصائل ببدء تنفيذ خطة الهدنة المصرية السابق طرحها والحصول على موافقة مبدئية
بشأنها. بشرط وجود مقابل صهيوني بوقف الاعتداءات والانسحاب.
ولأن هناك مخاوف صهيونية من أن تنجح خطة الهدنة
المصرية في إلقاء الكرة في حلبة الصهاينة وفرض انسحاب عليهم من الضفة الغربية -وفق
خارطة الطريق- فقد جاءت محاولة اغتيال عبد العزيز الرنتيسي أحد أبرز قادة حركة
حماس بهدف ضرب الخطة المصرية ووقف أي تنازلات صهيونية مرتقبة ولو شكلية، ولرأب
الصدع في حكومة شارون بعدما أدت الموافقة على خطة الطريق وإزالة بعض ألواح أخشاب
من مستوطنات صغيرة بدعوى إزالتها إلى خلافات حادة داخل الائتلاف الحاكم وتهديد
شارون بالقتل من جانب المستوطنين؟
ومن الواضح أن الوساطة المصرية فشلت هذه المرة أيضًا
بسبب تصعيد شارون الذي يكن عداءً كبيرًا لمصر ويرفض أي دور لها في التسوية مع الفلسطينيين
ليتسنى له فرض شروطه خصوصًا أنه ممنوع من دخول مصر منذ عام ١٩٩٥م عندما تم وضع
اسمه على لوائح الممنوعين من دخول مصر، ثم الإعلان عن دعوته لمصر في فبراير ۲۰۰۳ وسحب الدعوة مرة أخرى بسبب استمرار العدوان الصهيوني.
مشكلة الدور المصري
ومن المعتقد أن المشكلة الحقيقية التي تواجه الدور
المصر للوساطة بين الفلسطينيين والصهاينة ترجع إلى أمرين :
الأول: الرفض الصهيوني من
قبل تكتل الليكود لأي دور مصري في القضية الفلسطينية.
الثاني :الخضوع الأمريكي
الكامل لوجهة النظر الصهيونية، وتحول الدور الأمريكي إلى دور ضاغط على الحكومات
العربية يطالبها بوضوح بمحاربة حماس والجهاد بكل السبل ومنها منع أي أموال أو
تبرعات من الدول العربية ومنع استقبال قادتها والضغط عليهم.
وما بين هاتين المشكلتين يزداد الدور المصري تقديمًا
للتنازلات إلى حد وصف المقاومة بأنها عنف والعمليات الاستشهادية على أنها إرهاب
وتلك ذات المعضلة التي وقعت فيها السلطة الفلسطينية مع تزايد الضغوط الأمريكية
والصهيونية، بحيث باتت تصف العمليات الاستشهادية بأنها إرهابية حسبما وصفها الرئيس
عرفات في تعليقه على عملية القدس.
أما المعضلة الحقيقية فهي أن التنازلات
العربية يتبعها غالبًا مزيد من الضغوط، فتأتي تنازلات أخرى حتى أصبحت آراء
الحكومات العربية تتطابق في وصف عمليات الكفاح المسلح بأنها عنف وإرهاب
يجب وقفه؟ وهنا الخطر الحقيقي على المقاومة الفلسطينية.. فلم تعد المطالب
الأمريكية والصهيونية تقتصر الآن على وقف عمليات حماس أو الجهاد أو البحث عن هدنة
ولكن أصبحت هناك مطالبة رسمية أمريكية من العرب بنزع سلاح حماس والتهديد برفع
إدارة بوش يدها عن القضية الفلسطينية وترك الأمر لشارون وحكومته!.
ومن الطبيعي، مع كل هذه التطورات الدولية أن يزيد
التغير في الوساطة المصرية وأن تعلو لغة الضغط على لغة الوساطة فعندما بدا أن ثمة
عقبات تقف أمام تشكيل حكومة أبو مازن وهدد الأمريكيون بعدم التعامل إلا معها،
سارعت مصر للضغط على عرفات والأطراف الفلسطينية لتمرير شروط أبو مازن على عرفات
بهدف إرضاء الأمريكيين كي يتعطفوا ويلعبوا دورًا في تحريك عملية التفاوض بشأن
القضية الفلسطينية، وعندما تصاعد الخلاف بين أبو مازن وحماس كان الدور المصري أيضًا
حاضرًا بصرف النظر عن تداعيات عملية الرنتيسي وما أعقبها من انفجار القدس.
المشكلة
إذًا أن التنازلات مستمرة من جانب العرب والضغوط الأمريكية لا تتوقف.
ومرحلة ما بعد غزو العراق تفرض حالة من التسليم العربي بالمطالب الأمريكية تحت
تهديد سيف العزل أو الغزو وتغيير الحكم وما لم يتوقف الخوف من السيد الأمريكي فسوف
تستمر مسيرة التنازلات وما لم تتوقف الضغوط العربية على المقاومة لوقف العمليات
فلن يجد الفلسطينيون ما يوازنون به القوة الصهيونية الغاشمة .