; هل تحولت سورية إلى مسرح للصراعات الدولية؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تحولت سورية إلى مسرح للصراعات الدولية؟

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر الجمعة 02-مارس-2012

مشاهدات 60

نشر في العدد 1991

نشر في الصفحة 18

الجمعة 02-مارس-2012

الصين تخشى الربيع العربي لأنه سيفتح أفق حقوق الأقليات المسلمة  بينما روسيا تريد إشعال حرب باردة من جديد علها تعيد لنفسها الاعتبار

تعقدت الأزمة السورية منذ بدايتها، وتدخلت فيها مختلف العوامل الإقليمية والدولية لدرجة أن التداخل بين كل هذه العوامل قد جعل حل الأزمة أقرب إلى الاستسلام للحسابات السياسية دون مراعاة لأي حلول وسط. فالحكومة السورية ترى أن سورية لتعرض المؤامرة يستخدم فيها هذه المرة بعض طوائف الشعب السوري بعد أن فشلت المؤامرات التي استهدفت النظام وأن سبب الاستهداف واضح وهو أهمية سورية الاستراتيجية وخطورة تحالفاتها مع المقاومة ومع إيران على مخطط إسرائيل بحيث بقيت سورية وحدها هي الممانعة للانحراف في المنظومة الأمريكية التي اعتبرت مبارك هو قائد المنظومة، ودول مجلس التعاون هم أعضاؤها مما عرف به معسكر الاعتدال مقابل معسكر الممانعة والتطرف.

 وفي هذا الإطار، اعتبرت الحكومة السورية أن تأليب الشعب السوري على حكومته تحت ستار اللحاق به الربيع العربي ونشر الديمقراطية في سورية مؤامرة عليها. 

وتدرك الحكومة السورية أن الإصلاحات الديمقراطية مطلوبة ولكنها تؤجلها كما كان يفعل عبد الناصر وحتى عندما تظاهر السادات بإدخال الديمقراطية بعد أن زال المانع وهو المواجهة مع إسرائيل، فإنها كانت ستارا لحكم لا علاقة له بالديمقراطية المعروفة.

 ادعاءات وأكاذيب 

هكذا تمسك النظام في سورية بانه الأقدر على حماية البلاد من المؤامرة التي تأتيه هذه المرة من داخل سورية، ونظر إلى الثائرين على أنهم خارجون عن القانون وعلى الوطن ذلك أن أزمة كل النظم العربية بلا استثناء أنها تفرض وصاية على شعوبها. 

وتدعي أنها الوطن نفسه، وأن كل نقد لها. هو خيانة لهذا الوطن مما يبرر لها سحق الناقدين والمعارضين، ثم تستدعي كراهية الشعب لهم بتلفيق تهم العمالة للخارج ولا مانع أن تكون العمالة لنفس الخارج الذي. يستعمل أيضا بعض هذه النظم، فالالتصاق بين النظام والوطن هو آفة العالم العربي. 

ولذلك، فإن من أهم مزايا الديمقراطية أنها تجعل الوطن دائما وتجعل النظام من المتغيرات القابلة للتقييم والحساب وحتى العقاب وتنهي قدسية النظم المستمدة بينما.

تبقي على قدسية الوطن، هكذا نظر النظام في سورية إلى البيئة العربية والإعلام العربي على أنهم جميعا أذناب واشنطن وإسرائيل وأنه جاء الوقت الذي يصطفون فيه جميعاً تحت شعار واحد ضد سورية، وهو إنقاذ الشعب السوري من بطش حكومته، وأن قلوبهم أرق على الشعب السوري من رقتهم على شعوبهم ويطلبون في سورية شفافية وديمقراطية تفتقر إليها أوطانهم، وتتهم سورية دولا بذاتها بقيادة هذه المؤامرة الأسباب كثيرة، لكن أخطرها هو أن الجامعة العربية أصبحت أقرب إلى العبرية، وانتهى تماما كل خيط للثقة في هذه المؤسسة العربية التي نظر إليها التيار القومي دائماً على أنها المعوق الرسمي لتحقيق الوحدة العربية، رغم أن الجامعة كانت دائماً مرأة الحالة مصر، وأمينها العام هو الحبل السري بين مصر والجامعة .

إيران والكيان

 على المستوى الثاني يرى البعض أن المشكلة في سورية ليست الديمقراطية أو الثورة ضد النظام أو إراقة الدماء من نظام. أمني باطش، وإنما يرى أن إراقة الدماء دليل على صمود النظام ضد المؤامرة، وأن من نقده مضللون وأدوات في المؤامرة، ويبدو أن النظام في سورية متمسك ومعه شريحة من السوريين بأن الدماء التي تراق هي جزاء وفاق للعمالة، وأنها ستؤدي إلى قمع النظام للمؤامرة وبقاء النظام منتصرا جسيما قدرت إحدى الدراسات الإسرائيلية الحديثة في تقييمها للوضع السوري، ولكننا ترى أن كل هذه الضغوط على النظام حتى في إطار المؤامرة يورط النظام في مزيد من القتل بين صفوفه ويهز النظام وإذا استمر فإنه يلعق جراحه ويمشي ضعيفا هزيلا لا يقوى على مناهضة إسرائيل، وهي المرحلة الأولى في المخطط الإسرائيلي وهي أن يدفع النظام من لحمه ودم شعبه ثمن مقاومته وعناده توطئة للمرحلة التالية... هذا المشهد يركز على الصراع بين سورية  و إسرائيل مباشرة.

 أما الفصل الثالث من المشهد، فيظهر أن المشهد السوري قد تحول إلى مسرح للصراع بين إيران والمقاومة من ناحية، وإسرائيل، من ناحية أخرى وهذا يفسر اصطفاف إيران و حزب الله وراء سورية، وإن كان موقف حماس، بسبب وجود قيادتها في دمشق ليس حاسما، ويسبب الفصل الرابع من المشهد الذي يشمل البعد العربي أو الخليجي خصوصا في هذا المشهد الدامي، فلم يظهر حتى الآن موقف المقاومة اللبنانية والفلسطينية ولكن المنطق يقضي أن تساند المقاومة الحكم في سورية الذي لم يقصر يوما سواء كان ذلك أيضا هو موقف الشعب السوري أو كان موقفا من النظام، وتلك نقطة لا يمكن حسمها في كل الدول العربية مادام النظام هو الذي يتحدث ويقرر باسم الشعب حتى لو لم يمثل هذا الشعب ديمقراطياً أو سياسياً، فالمسألة في إطار الصراع مع إسرائيل، تتعلق بحلفاء ضد حلفاء إسرائيل والولايات المتحدة ومعهما في نظر واشنطن - المجموعة العربية، ضد سورية والمقاومة وإيران. 

الصراع الأخطر

 الفصل الرابع من المشهد السوري يظهر الصراع بين إيران ودول الخليج، ووراءهم الظل الأمريكي، ذلك أن الصراع السياسي هو أساساً بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، ولو قدر لهذا الصراع أن ينتهي بأي شكل من الأشكال الثلاثة: هزيمة ایران أو انتصار إيران أو تسوية مرضية زال التوتر بين إيران ودول الخليج، وذلك كله رهن بمنطق التسوية أو النهاية للصراع. 

فكلما اشتد الموقف الأمريكي، الإسرائيلي من إيران انعكس ذلك على مواقف مجلس التعاون من إيران ثم امتد ذلك إلى الموقف من النظام في سورية، وإلا كيف نفسر التقدم المذهل في الموفقين القطري والسعودي في التصدي للحكم في سورية؟ وقد اقترن هذا الصراع الإيراني الأمريكي وانعكاسه على الخليج، وموقف الخليج من الحكومة السورية. 

والذي تجلى في الجامعة والأمم المتحدة بخيط يتضح بشكل أكبر من الطائفية السنية الشيعية، وهو أمر يسهل تفجيره ويصعب تفاديه بحكم الطابع الشيعي لإيران، ووجود أقليات شيعية في السعودية والخليج، مما يجعل التوتر بين دولهم وإيران، سببا في التوتر بين شيعة هذه الدول وحكوماتهم وشعوبهم السنية، وهو بعد بالغ الخطر تأمل من عقلاء الأمة وإيران والحكومات العربية المساعدة على تجاوزه وفق هذا المنظور تبدو إيران والمقاومة وسورية في جانب والخليج وإسرائيل وأمريكا في جانب آخر، ويزداد هذا المنظور وضوحا كلما ازداد التهديد الغربي الإيران فيزداد التهديد الإيراني الدول الخليج من نتائج استخدام أراضيها في أي عدوان أو إغلاق مضيق هرمز يقضي هذا المنظور بان تستميت ايران ودول الخليج على دعم موقفهما في سورية، فإيران ترى في بقاء النظام السوري أكبر كسب لها حتى قبل الأزمة وخلال الأزمة يؤدي انتصاره وبقاؤه إلى هزيمة دول الخليج التي تعمل في نظرها على إسقاطه وتستخدم كل نفوذ لها

التحقيق ذلك ولا يهم إن كان سقوطه هو انتصار للشعب أم للمعارضة أو أن تؤدي السقطة إلى تمزيق سورية المهم أن سقوطه بمثل هزيمه إيران حتى لو دفع الشعب السوري من دمه وأبنائه يوميا آلاف الضحايا.

المشهد الدولي

 أما الفصل الخامس في المشهد، فهو الصراع الدولي على المسرح السوري وقد بدا ذلك واضحا في الفيتو المزدوج الروسي الصيني، وتفسيره واضح وهو مناهضة الولايات المتحدة التي تحاول حشد الأمم المتحدة ضد سورية، ولا تقصد روسيا والصين بالطبع الإساءة إلى الشعب السوري او مجاملة الحكومة السورية لأن العلاقات الدولية لا تقف طويلا عند هذه المشاعر، كما أن الموقفين الروسي والصيني يفترقان بعد نقطة المصلحة المشتركة المناهضة لواشنطن ويتفرعان إلى أسباب تخص كلا منهما ... فالصين ضد الربيع العربي، عموما، وضد الانتفاض على سلطة الحكومة القائمة عموماً، وأكدت هذا الموقف في عشرات السوابق الدولية خشية فتح ملف تقرير المصير وحقوق الإنسان للشعوب التي تعيش في الحين خاصة المسلمين. أما روسيا، فإنها مستعدة للتحالف العسكري مع سورية لإشعال فتيل حرب باردة جديدة لعلها تعيد الروسية الاعتبار ضد واشنطن التي لا تزال تطمع في تفكيك الاتحاد الروسي أصلا، وإهدار كل مصادر القوة الروسية، فوجدت في سورية حليفا تتجاوز به تعقيدات سياساتها مع تركيا، ولا تابه في سبيل تحقيق هذا الهدف لتداعيات الموقف مع إسرائيل. الخلاصة هي أن المسرح السوري صار حفلا للصراعات المختلفة، وأصبحت تحكم مصير الصراع والحسابات السياسية بين كل الأطراف الإقليمية والدولية ولكن الشعب السوري هو الذي يدفع في النهاية، وأن الوطن السوري هو الذي يستهدف في كل التحليلات والسياسات.                                                 

الرابط المختصر :