; هل تحقق القمة الإسلامية ما عجزت عنه القمة العربية؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تحقق القمة الإسلامية ما عجزت عنه القمة العربية؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

مشاهدات 66

نشر في العدد 1424

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

لا تزال قلوب أكثر من مليار من المسلمين يعتصرها الألم وتتفجر غضبًا على العدوان الهمجي الذي ترتكبه العصابات الصهيونية الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني على أرض الإسراء والمعراج، وفي ساحات المسجد الأقصى، وعلى عتبات معراج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل شبر من عموم أرض فلسطين المباركة.

ولكن الوقت الآن ليس وقت التألم والغضب فحسب، بل هو وقت العمل الجاد، والكفاح الذي لا هوادة معه، والجهاد الباسل المتواصل بالأموال والأنفس، وبكل ما نملك من قوة حتى يتم دحر هذا العدوان الصهيوني الوحشي، ومن واجب كل أحرار العالم ومحبي السلام فيه أن يقفوا إلى جوار أمتنا في جهادها المبارك ومطالبها العادلة لإعادة الحق إلى نصابه، ولإنقاذ قيم الفضيلة والعدالة والخير من طوفان الوحشية الصهيونية، ومن غطرسة القوة العارية من كل خلق، المنفلتة من كل معاني الإنسانية.

إن أحداث قضية فلسطين الكبرى تتصاعد بمعدلات أسرع من كل التوقعات، فبعد مرور بضعة أيام على القمة العربية الطارئة في القاهرة الأسبوع الفائت، صار الحديث عنها كأنه حديث عن ماض بعيد تجاوزته، ليس فقط الأحداث المتلاحقة وإنما ردود الفعل على القمة ذاتها، وبخاصة رد فعل الكيان الصهيوني، حيث كان الرد الوحيد الذي واجه النتائج الكلامية والقرارات المتواضعة لقمة العرب إجراءات عملية وفورية، تمثلت فيما أعلنه مجرم الحرب باراك من تعليق لعملية التسوية، وقفل كل مداخل المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، وضربها بالدبابات والصواريخ، والاستعداد لتشكيل حكومة طوارئ لينضم إليه رفيقه في الإجرام شارون، مع التصعيد المستمر في عمليات النسف والتدمير وقتل أبناء شعبنا الفلسطيني الأعزل إلا من إيمانه بربه، واستبساله في الدفاع عن حقوقه، وعن كرامة الأمة العربية والإسلامية كلها.

لقد كانت شعوب أمتنا العربية تأمل الكثير في اجتماع قادة الحكومات العربية بقمتهم الطارئة، ولكن نتائج القمة جاءت مخيبة للآمال، وكشفت عن أن الهوة الكبيرة التي تفصل أغلبية أنظمة الحكم العربية عن شعوبها آخذة في الازدياد، وأن أزمة الشرعية التي تعانيها تلك الأنظمة آخذة في التفاقم، وأن ثقة المواطن العربي في بعض الحكام قد أضحت في الحضيض.

ومع ذلك فمن الإنصاف القول إن نتائج القمة العربية هذه المرة لم تخل من بعض الإيجابيات، حيث اتسمت بشيء من العملية، تمثلت فيما قررته بمبادرة سعودية من توفير دعم مالي للشعب الفلسطيني قيمته مليار دولار عبر إنشاء صندوقين أحدهما باسم صندوق الأقصى، والآخر باسم صندوق انتفاضة القدس، والتوقف عن إقامة أي علاقات مع الكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي التزمت به عمان والمغرب وتونس، والتهديد بقطع العلاقات القائمة، ووقف كل خطوات وأنشطة التعاون الاقتصادي الإقليمي معه، وإقرار بعض آليات تفعيل العمل العربي المشترك.

هذه الإيجابيات -على تواضعها- جاءت وليدة هول المذابح التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني والضغطالشعبي، وجاءت أيضًا كمحاولة لاستيعاب غضبة جماهير الأمة والاقتراب منها ولو بخطوة واحدة، إلا أن الأهم من ذلك هو أن هذه الخطوة تعبر عن روح جديدة نرجو أن يتم استثمارها، فالعرب بدأوا يدركون أنهم ليسوا بالضعف الذي يتصورونه عن أنفسهم منذ زمن بعيد، وأن باستطاعتهم عمل شيء أكثر من بيانات الاستنكار والشجب، وأن يمارسوا خطابًا أكثر خشونة تجاه أعداء الأمة التاريخيين، وأن الشعوب العربية ليست بالسلبية التي تصوروها، ولا هي بالتي تطلب فقط الأكل والشرب وتغفل عن كرامتها أو تتهاون في شأن دينها وعقيدتها ومقدساتها، وهذه كلها من عناصر القوة، وهي ليست بالقليلة.

وإذا كانت نتائج القمة العربية قد جاءت دون مستوى الحد الأدنى الذي يلبي مطالب الأمة في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة، فإن الأمة لن تكف عن السعي لتحقيق مطالبها الخاصة بفلسطين، قضية الإسلام والمسلمين الأولى، ابتداءً من الحد الأدنى لهذه المطالب المتمثلة في اتخاذ قرارات فعلية بقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية كافة مع دولة العدو، وإعادة وتفعيل سياسة المقاطعة العربية لها، واستخدام سلاح النفط في هذه المعركة المصيرية، وصولًا إلى الحد الأقصى بفتح باب الجهاد أمام الشعوب العربية كيتنضم إلى المجاهدين في فلسطين ومواصلة الكفاح حتى يتحقق النصر المبين على الأعداء الغاصبين.

وعلى صعيد آخر فإن قضية فلسطين وانتفاضة الأقصىالمبارك قد أعادت الأمة بقوة إلى ميدان السياسة والانخراط في القضايا العامة، بعد أن أمضت سنوات طويلة في حالة عزوف عن هذا الميدان. وهذه العودة تحمل في طياتها مزيدًا من الوعي بضرورة إصلاح الأوضاع الداخلية في بعض البلاد التي عانت من الانقلابات العسكرية والحكم الدكتاتوري الاستبدادي، بما يتضمنه ذلك من المطالبة بإطلاق الحريات العامة، وتوسيع دائرة المشاركة في إدارة شؤون البلاد، ورسم سياساتها، وصنع قراراتها، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والكف عن سياسات الإقصاء والقمع، واحتكار السلطة والنفوذ، ولن يكون أمام تلك الحكومات من بُد في مستقبل الأيام سوى الاستجابة لهذه المطالب، والنزول عند إرادة الأمة.

وعلى كل حال فإن انتفاضة الأقصى وصحوة الجماهير قد وضعت الحكومات العربية على محك الاختبار، وبخاصة فيما يتعلق باستحقاقات المواجهة المفتوحة على كل الاحتمالات مع العدو الصهيوني، بما في ذلك احتمال الحرب الشاملة، وهو احتمال لن ينفع معه التذرع بذرائع استسلامية كالتي سادت في المرحلة الماضية، وظروف المحنة تجعل من الحكمة والتعقل والواقعية أن ترتفع الأمة وقادتها إلى مستوى المسؤولية، وأن يبحثوا عن كل عناصر القوة فيجمعوها، وأن يتداركوا ما فاتهم في القمة العربية الطارئة، وأمامهم بعد أيام معدودات وخلال شهر نوفمبر المقبل، قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي ستنعقد في دولة قطر، ويمكنهم إن أرادوا أن يحققوا فيها ما عجزوا عن تحقيقه في القمة العربية.

إلى أن يتحقق ذلك ستظل حجارة الانتفاضة أصدق أنباءً من قرارات وتوصيات لا تجد طريقها للتطبيق.

الرابط المختصر :