; هل تتوخى فرنسا من تأميم مسجد باريس فرنسة الجالية؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تتوخى فرنسا من تأميم مسجد باريس فرنسة الجالية؟

الكاتب صلاح الشامى

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993

مشاهدات 71

نشر في العدد 1033

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 12-يناير-1993

المسجد الجامع في باريس.. صراع النفوذ والهوية

مفاجأة شيراك وحضور التيجاني هدام

فوجئ رئيس بلدية باريس، «جاك شيراك»، عند دخوله بهو المسجد الجامع في قلب العاصمة الفرنسية ليشارك في الاحتفال الذي أقيم يوم 7/12/1992م بمناسبة ذكرى تأسيس المسجد، بوجود عضو المجلس الأعلى للرئاسة الجزائرية «التيجاني هدام» يستقبل الزائرين ويتقبل التهاني. وتقول مصادر مطلعة إن رئيس البلدية الفرنسي شعر باستياء لما يعنيه الحضور الجزائري الرسمي في هذه المناسبة ممثلًا بعضو في أعلى سلطة سياسية جزائرية، مع العلم أن «التيجاني هدام» كان قد شغل منصب إمام مسجد باريس المركزي واستقال منه بعد تعيينه عضوًا في المجلس الأعلى، وخلفه الشيخ «دليل بوبكر» إمامًا للمسجد.

تساؤلات حول العلاقة بين الجالية والسلطة

وتفتح هذه الواقعة من جديد باب التساؤل عن العلاقة بين الجالية المسلمة في فرنسا والسلطات هناك، الأمر الذي عملت على معالجته -ضمن برامج ومقترحات متعددة- عدة جهات فرنسية كل من منطلقه، إلا أنها في النهاية كانت تسعى لتطويق أي تحرك «أصولي» داخل الساحة الفرنسية. فهل تسعى فرنسا ليكون مسجد باريس وهيكلته الإدارية أحد منافذها لـ«فرنسة» الجالية فيها؟

كما يُطرح التساؤل عن مدى سوء التفاهم القائم الآن بين الحكم الجزائري والسلطات الفرنسية في هذا الأمر، لا سيما وقد اعترضت الجزائر أكثر من مرة على حرية الحركة المتوفرة لعدد من رموز العمل الإسلامي الجزائري على الساحة الفرنسية.

جذور العلاقة التاريخية

وللعودة إلى جذور العلاقة لا بد من استعادة تاريخ الفترة الاستعمارية التي حكمت فيها فرنسا الجزائر بكل تفاصيلها المرعبة، وقد اتسمت بالعنف والقتل والتشريد ومحاولة مسخ الشخصية الجزائرية وفرنسة شعبها بأكمله. ولم تعبأ قوات الاستعمار الفرنسي يومها بخسائر الجزائريين ولا بمعاناتهم، وبقيت نظرتها إليهم نظرة دونية لا تتسم بأي معنى من معاني الحقوق والواجبات، فالفرنسي الأبيض هو السيد والآخر صاحب البلاد كأنه الدخيل المتطفل، وفي أحسن الأوقات الضيف غير المرغوب فيه.

وتولد عن ذلك كله شعور بالتباعد ما بين الوطنيين والإسلاميين من جهة، والمتعاونين مع المستعمر الفرنسي من جهة أخرى، وكان الشعار المرفوع «الجزائر بلادنا والعربية لساننا والإسلام ديننا» ردًّا على عمليات الفرنسة المرفوضة. وعند إعلان الحكم الوطني في الجزائر، كان لا بد من صيغة تنظم العلاقة بين المهاجرين الجزائريين للعمل في المصانع الفرنسية وبين السلطات هناك، بالإضافة إلى ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين البلدين اللذين تربطهما - لاعتبارات عديدة - أكثر من صلة.. ولا يخفى على أحد أن الجزائر هي إحدى الخطوط الحمر بالنسبة لفرنسا، وما زالت تعتبرها امتدادًا استراتيجيًّا لها ولاقتصادها، تمدها بالخامات وباليد العاملة وتشكل أحد أهم الأسواق الاستهلاكية للصادرات الفرنسية.

بناء المسجد ودور المتعاونين

ومن الجزائريين فريق تعاون مع الفرنسيين منذ اليوم الأول، وهم الذين من أجلهم تم بناء المسجد والمستشفى الإسلامي في قلب باريس، مجاملة من القيادة الفرنسية لهم ولأسرهم واعترافًا ضمنيًّا بتقديرها لولائهم وبلائهم إلى جانب القوات الفرنسية في حروبها الخارجية، وقد سقط منهم عدد كبير من القتلى داخل وخارج أوروبا تحت لواء العلم الفرنسي، لا سيما في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

الهم الفرنسي: الدمج وتطويق الأصولية

وموضوع الجالية الإسلامية في فرنسا من المواضيع المهمة على جدول أعمال المسؤولين الفرنسيين، بعدما ارتفع عدد أفرادها ليتجاوز ثلاثة ملايين بينهم عشرات الآلاف من الفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام طواعية، عدا أبناء الجيلين الثاني والثالث من حملة الجنسية الفرنسية ذوي الأصول المغاربية. والهم الفرنسي ينصب على أمرين اثنين: دمج هؤلاء في الحياة الفرنسية، وإبعادهم عن تأثيرات الأصولية المتصاعدة في بلاد المسلمين ومنها بلاد المنشأ.

ولتحقيق الأمر الأول، استنت السلطات الفرنسية عددًا من التشريعات التي تؤدي برأيها إلى دمج الجالية المسلمة وإشعارها بأن فرنسا هي وطنها، كالمشاركة في الانتخابات البلدية وإشراكها في الحياة العامة السياسية والفكرية والإعلامية والفنية، وتقديم تسهيلات للعناصر المسلمة في الجيش والمؤسسات الأخرى، وحمايتها من التعديات العنصرية التي يقوم بها بين الفينة والأخرى أنصار التمييز العنصري في البلاد. ولتحقيق الأمر الآخر، تسعى السلطات الفرنسية لتحسين وضع الجاليات الاقتصادية ومتابعة النشاط الديني من خلال عدد من الخطوات على رأسها تشكيل مجلس أعلى يشكل همزة الوصل ما بين المؤسسات والجمعيات والهيئات الإسلامية والدولة الفرنسية، ومتابعة ما يجري في المساجد عن كثب، وهنا يبرز دور مسجد باريس المركزي موضوع بحثنا.

نزاع هيكلة المسجد بين باريس والجزائر

وهيكلية المسجد كانت محل جدل منذ سنوات بين السلطات الفرنسية والجزائرية، وقد احتد الأمر مع تصاعد تأثير الحركات الإسلامية في دول شمال أفريقيا، وتصاعد تأثير الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، وما رافق ذلك من تخوف الجانب الفرنسي من انسحاب أثر الإسلاميين على الجالية وعلى المسجد المركزي في باريس؛ الأمر الذي دعا وزير الداخلية الفرنسي «بول كيلاس» كيليس إلى اقتراح تغيير الإطار التنظيمي والوضع القانوني للمسجد فلا يخضع بعد الآن لأي سلطة أجنبية.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه المصادر الفرنسية المسؤولة أن تغيير وضع مسجد باريس القانوني ليس موجهًا ضد المجلس الأعلى للدولة في الجزائر، ذلك أن وضعه الحالي ليس في مصلحة الحكم الجزائري أصلًا، وأن ما يحدوها للتغيير هو الحيلولة دون خضوع الجالية المسلمة في البلاد لتأثير المتغيرات في أي دولة مسلمة، الأمر الذي يتوافق مع توجهات السلطات الجزائرية وبقية دول المغرب العربي.

وفي خضم هذا النزاع بين الحكومتين، لا تطمئن أوساط الجالية إلى الطرفين، وتتمنى لو كان المسجد وغيره من دور العبادة ومراكز النشاط الفكري والاجتماعي بعيدًا عن رياح السياسة وأهواء الحكام.

فهل تحقق فرنسا رغبتها في تأميم المسجد و«فرنسته» ليكون أحد مداخلها إلى الجالية؟ أم تعيق الحكومة الجزائرية المسؤولين الفرنسيين عن الوصول إلى هدفهم؟ وأين هو دور الجالية المسلمة في فرنسا والأمر يعنيها أكثر مما يعني سواها؟ أسئلة لا نملك الإجابة عليها الآن، إلا أنها تؤكد أن الجالية في الخارج ما زالت لا تملك حتى الآن زمام المبادرة. فهل تغير رياح الشمال الأفريقي المعادلة أم تبقى الأمور كما تشتهي باريس؟


مسجد باريس الكبير: رمزية التاريخ وصراع النفوذ المغاربي 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل