العنوان هل تبدل أمريكا أحصنتها؟
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1479
نشر في الصفحة 32
السبت 01-ديسمبر-2001
الزلزال الأمريكي لم يضرب بتداعياته أفغانستان وحدها، بل أبرز إلى العيان -فيما أبرز- نوعًا من الفتور أو التوتر في العلاقات بين دول عربية كمصر من جهة، وبين الإدارة الأمريكية من جهة ثانية، لم تقتصر على حدود الحملات الصحفية المتبادلة في الوقت الذي أقدمت فيه الحكومة الإيرانية على التعاطي الإيجابي مع «الشيطان الأكبر» سرًا وعلانية بشكل يلفت الأنظار تواكب مع دعمها لتحالف الشمال الأفغاني، وسبقها لفتح سفارتها في «كابول» واستقبالها لعبد الله عبد الله وزير خارجية تحالف الشمال.
إن تغيير الإدارة الأمريكية لأحصنتها.. أمر مفهوم تاريخيًّا وسياسيًّا، بل هو أمر مألوف؛ ذلك لأن الفلسفة الذرائعية «البراجماتية» صناعة أمريكية، بل هي الروح الأمريكية نفسها، وعلى الرغم من انطباع السياسات الأوروبية الغربية بطباع كتاب «الأمير» لمكيافيلي، ثم شيوع هذه الطباع «البراجماتية» في السياسات الدولية، تظل الممارسات الأمريكية الأكثر تعبيرًا واستمساكًا بهذه الفلسفة المصلحية.
التحولات الطفيفة في مواقف مصر، وغير الطفيفة في مواقف إيران أمور تسترعي الانتباه، وربما ترهص بتحولات أكبر وأخطر في المستقبل، بوسعنا أن نتابع مؤشرات التحول في هذه المواقف من خلال التعاطي مع ثلاث بؤر ساخنة هي: القضيتان الفلسطينية والأفغانية والحملة الوشيكة على العراق، فمصر تضغط على الإدارة الأمريكية احتجاجًا على جرائم شارون الإرهابية التي لا تبقى مجالًا لما يسمى بالتسوية السلمية، ومثل ذلك تتحفظ على التلويح بتوجيه ضربة للعراق تحت شعار الحملة ضد الإرهاب، كما تتعرض لضغوط أمريكية للانخراط كليًّا في الحملة ضد الشعب الأفغاني، فلا تتجاوب، أما انغماس النظام الإيراني في أفغانستان، فلم يعد يخفى على أحد.
هل نفسر تحول المواقف المصرية نتيجة لضغوط الاحتقان السياسي الشعبي ضد الإدارة الأمريكية وحليفها الإستراتيجي الكيان الصهيوني أم لإخلاف هذه الإدارة المتكرر لوعودها؟ ليكن، لكن بم نفسر انسياق إيران مع «الشيطان الأكبر»؟ يبدو أن هناك أكثر من تعليل للتحولات الإيرانية الجديدة:
- هناك التهديدات الأمريكية لإيران بوصفها إحدى الدول الراعية للإرهاب.
- هناك العداء الإيراني لطالبان التي لم تهادن حزب الوحدة الشيعي الموالي لإيران.
- وهناك التحالف الروسي الإيراني الذي تحول إلى تحالف مع قوى الشمال الأفغانية.
- وهناك التعارض التاريخي مع باكستان.
هـ- وهناك السعي لإنقاذ «حزب الله» من المقصلة الأمريكية.
و- وهناك وعود التكنولوجيا والانفتاح على أمريكا والغرب والعولمة.
ز- وأخيرًا هناك اقتراب الحل الأمريكي للقضية الفلسطينية، كما يشاع.
هل هذه أسباب موضوعية تسوغ التحول الإيراني؟ وبالدقة هل هي موجبات شرعية؟
لنقارن بين موقف برويز مشرف و موقف إيران من أزمة الأفغان، لقد أخطأ مشرف مرتين: المرة الأولى: حين تخلى عن حليفه ورصيده في أفغانستان، «وخرج من العرس بلا حمص»، كما قيل، والمرة الثانية: حين وضع «بيضه» كله أي القنبلة النووية في السلة الأمريكية المتلهفة لتفكيكها نهائيًّا، كل ذلك فعله مشرف بناء على مخاوف من أخطار متوقعة تحیق به وبنظامه وبأسلحته الإستراتيجية، لكن هل هذه الأخطار نفسها تتعرض لها إيران أم يضاف إلى ذلك بريق مكاسب لمعت لأصحاب القرار الإيراني؟
إن تعجيل فتح السفارة الإيرانية في كابول لن يعود على طهران بطائل يذكر، بل لن يحمي خاصرة إيران الشرقية من تهديدات القواعد الأمريكية المخطط لها في أفغانستان الجديدة، أما حزب الوحدة فإن مصيره أن يغدو رقمًا من الأرقام الأفغانية المستهلكة أو المعطلة في ظل الاحتلال الأمريكي. هناك من يقول: إذا لم تستطع أن تصرح الشيطان فعليك بالدخول في حلف معه، وقد فعلها «فاوست» يومًا، فكيف كان مصيره؟ هذه المقولة تنطوي على خطر سياسي رهيب، وعلى خطأ شرعي لا يجيزه الإسلام، فهل غاب ذلك عن ورثة الثورة الإيرانية، أم أن الثورة غدت من مخلفات التاريخ؟ ومع ذلك فالتحول عن الثورة شيء، والانتقال إلى خندق العدو شيء آخر.
ليس من مصلحة إيران الإستراتيجية أن يستباح جيرانها وأشقاؤها أو بعضهم، وهي تتفرج أو تتواطأ. إن سياسة «فرق تسد» من أبجديات السياسات المعادية التي لا تخفى على مبتدئ في السياسة، فهل تخفى على قادة إيران الذين تمرسوا بمقارعة «الشيطان الأكبر». مما يسجل للتيار الإصلاحي في إيران تأييده لجهاد فلسطين وانفتاحه على العالم العربي، وتخفيفه لحدة التوتر في العلاقات مع العراق ودول الخليج، لكن هذا الرصيد مهدد الآن بالضياع، لأن الانفتاح على أمريكا له استحقاقات، ظاهرها الإغراء بالمكاسب وباطنها فيه العذاب والخراب؛ مما نخشى معه العودة إلى أيام الشاه.
لا يخفى أن هناك إشكالًا تاريخيًّا مذهبيًّا يلقي بظلاله غير المستحبة على العلاقات الإيرانية العربية والإسلامية، كما أن هناك مساعي حميدة من الطرفين لردم هذه الهوة، ونضيف: إن في نكبة أفغانستان الحالية، وفي تعرض باكستان للأضرار، وفي تعاطف أغلبية الشارع العربي والإسلامي معهما.. لفرصة ذهبية لإيران كي تخطو خطوة تاريخية للإسهام في ردم هذه الهوة، سواء في تسهيل اندماج حزب الوحدة الشيعي أو طائفة الهزارة طلوعية في الأغلبية الأفغانية، أو اصطفاف إيران مع أغلبية الأمة.
ربما لا يلقى كلامنا أذنًا مصغية لدى أصحاب القرار في إيران، فيذهب أدراج الرياح، لأنهم تورطوا، وساروا في طريق تصعب العودة منه، حتى قيل إنهم أسهموا بإرسال لواء عسكري، يعضد الألوية الغازية الأجنبية وقوى تحالف الشمال، ومع ذلك نجد من واجبنا إزجاج النصح المجرد، عسى أن يقف هذا التورط عند سقف معين، أو تحصل مراجعة نقدية جذرية للموقف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل