; هل بدأت مرحلة ما بعد عرفات؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل بدأت مرحلة ما بعد عرفات؟

الكاتب إبراهيم أبو الهيجا

تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003

مشاهدات 65

نشر في العدد 1543

نشر في الصفحة 24

السبت 22-مارس-2003

  • إنهاء دور عرفات غير محتوم فهناك عوامل تعمل لصالحه وأخرى تعمل ضده.

ماذا تعني موافقة الرئيس الفلسطيني عرفات على تعيين رئيس وزراء؟ بل وترشيحه محمود عباس أبو مازن، نائبه في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، المعروف بمواقفه المجاهرة ضد الانتفاضة المسلحة، ومن أصحاب العلاقات السياسية المنفتحة مع الجانب الصهيوني وشارون ذاته، ناهيك عن كونه مهندس اتفاقية أوسلو؟ وهل نستطيع القول إن الضغوط الخارجية قد نجحت فعليًا بالخطو نحو إنهاء دور عرفات السياسي من خلال تعيين بديل مقبول لديهم ذي تاريخ سياسي مساند.. مما سيمكن إسرائيل والأمريكان من التعاون معه والوثوق به وبالتالي عزل عرفات والقضاء على الانتفاضة؟

صحيح أن اختيار رئيس وزراء يشكل نجاحًا للضغوط، واختيار أبو مازن مرحب به أمريكيًا وإسرائيليًا... لكن علينا ألا نتسرع في الاستنتاج بأن ما جرى هو إنهاء لدور عرفات السياسي كما يبغي من ذلك الإسرائيليون ويؤازرهم الأمريكان وكما يتعاهدون سرًا على إنجاز الأمر بعد الانتهاء من صدام.

 القضاء على عرفات ليس بهذه السهولة المتوخاة، حتى وإن فتحت أبواب البيت الأبيض لأبي مازن المؤصدة في وجه عرفات، وأعطت تل أبيب بعض الميزات الاقتصادية والسياسية لأبي مازن بما يمكنه من ممارسة صلاحيات جدية من خلال الخروج من بعض المناطق المحتلة أو تسهيل حركة التجارة والعمال وربط هذه الإنجازات برئيس الوزراء الجديد.

أسباب تصعب إنهاء دور عرفات

رغم هذا الانفتاح الأمريكي الإسرائيلي المتوقع على رئيس الوزراء الجديد إلا أن دفن مرحلة عرفات ليست بالسهولة وذلك لعدة أسباب:

  1. الشعب الفلسطيني هو العامل الحاسم في تحديد مصيره، وهو يدرك أن تعيين رئيس الوزراء تم بفعل الضغوط والإكراه، ولذا فمن يأتي لهذا المنصب سيكون محملًا «بعقدة الاتهام والشك», وسيكون مطلوبًا منه براهين تثبت وطنيته، وإذا كان هذا يصدق على أي فلسطيني فسيكون الأمر أصدق على أبي مازن الذي سيلجأ في البداية إلى مواقف أكثر صلابة وجذرية من ذي قبل حتى يتخلص من هذه العقدة لأننا نتحدث عن شعب تقع بحقه كل يوم مجزرة ويعايش حالة شك عالية. 

  2. الانفتاح الأمريكي والإسرائيلي سيكون مضرًا «بأبي مازن» وليس العكس، وسيزيد من عقدة الاتهام والشك، وفي ظل أن تثبيت قوة أبي مازن ستتطلب تنازلات كبيرة من تل أبيب تحديدًا مثل السماح بإعادة هيكلة أجهزة الأمن والخروج من مناطق «أ» التي كانت خاضعة للسلطة.. فإنه من المشكوك فيه أن تقدم هذا الثمن حتى لشخص مثل أبي مازن مما يجعل تثبيت دعائم أبي مازن مسألة تتعرض للاهتزاز مع كل عملية اختبار. 

  3. وقد يتضافر مع هذا العامل رغبة المقربين من عرفات، وحركة فتح في الداخل في هز مكانة رئيس الوزراء الجديد، إذا ما رأوا أن ذلك سيؤدي إلى إنهاء دور عرفات.. ولذا قد يلجؤون إلى غض الطرف عن عمليات عسكرية قد تحدث هنا أو هناك، مما يصعب على شارون إعطاء أثمان سياسية لأبي مازن تجعله متهمًا بالتفريط بأمن إسرائيل.

  4. ويتضافر مع ذلك رغبة هذه القوى في حركة فتح - في المجلس التشريعي والقيادة التنفيذية – في تحجيم صلاحيات رئيس الوزراء ما أمكن بحيث يجعلون دوره إداريًا لا سياسيًا.. وهذا ما تنبه له أبو مازن, عندما اشترط قبوله للمنصب بمعرفة حجم الصلاحيات الممنوحة له.

  5. لا يحظى رجل مثل أبي مازن المعروف بتوجهاته السياسية بقبول لدى القوى الإسلامية واليسارية، التي ستلجأ إلى تعظيم عقدة الاتهام والشكوك ضده، في ظل خوفها من أن منصبه واختياره جاء في إطار الضغوط الخارجية أولًا, ومن أجل وقف الانتفاضة ثانيًا مما يعني الاصطدام بهم ثالثًا. 

أسباب قبول عرفات تعيين أبو مازن

 تعيين رئيس للوزراء ليس نهاية المطاف وليس شرطًا أنه الخطوة الأولى في إنهاء دور عرفات, ونرى أنه بالنظر للعوامل السابقة الزمنية والشرعية وعقدة الاتهام والشك فإن إنهاء دور عرفات سيكون بالغ الصعوبة. ولعل عرفات قبل بهذا التعيين لأسباب:

  1.  جعل هذا التعيين بطاقة مرور لتمرير الضغوط الخارجية وإرضاء للجنة الرباعية وإحراجًا لإسرائيل والأمريكان... من خلال وضعهم على محك ما يمكن أن يعطوه للفلسطينيين حتى في ظل وجود شخص مقبول مثل أبي مازن.

  2. اعتبار هذا التعيين جواز سفر لتأمين سلامة مكانة عرفات، في ظل إدراكه أنه التالي بعد صدام، مما يعني ببساطة مواجهة التغيرات الآتية واستباقها، ولعل هذا ما دار في تفكير لجان حركة فتح في أطر منظمة التحرير المنقسمة حيال ترشيح أبي مازن، ولكنها أثرت الاصطفاف خلفه لمواجهة التغيرات الأمريكية الممكنة ضدها.

  3. يدرك عرفات أن المطلوب من سلطته هو سحق الانتفاضة والاصطدام مع القوى المقاومة بما فيها تنظيمات موالية لفتح في الداخل، وهذا يتطلب خسارة لمكانته وشرعيته، ولذا يكون من خلال هذا التعيين قد أعفى نفسه من هذه المهمة وجعلها منسوبة لمرحلة رئيس الوزراء الجديد، مما يمكنه أن يكون رابحًا من جهة ومتبرئًا منها من جهة أخرى. 

  4. ويدرك أيضًا أن المرحلة القادمة وخاصة بعد حرب العراق تتطلب تنازلات فلسطينية للموافقة على «أوسلو» جديد يقترب من مقترحات شارون للتسوية أو يزيد عنها قليلًا، وهي ستدور في فلك إعطاء الفلسطينيين دولة مؤقتة على مناطق (أ+ب)، أي حوالي٥٠% من أرض الضفة الغربية مما يعني مغامرة لأي فلسطيني يقدم عليها بعد هول التضحيات المقدمة في انتفاضة الأقصى، لذا من الممكن أن تعيين رئيس وزراء مثل أبي مازن يريح عرفات من هذه الورطة وتحميل أوزراها لرئيس الوزراء، وبالتالي الخروج منها سياسيًا وشعبيًا رابحًا.

العوامل المؤثرة في تحديد مصير عرفات: وهي مرتبة حسب أهميتها

 الأول: الشعب الفلسطيني وقواه الفاعلة إسلامية وعلمانية ويسارية, ويمكن تلخيص مواقفها كالتالي:

  1. فتح «الخارج» صاحبة الكادر التنظيمي القادم مع السلطة والمتولي فعليًا زمام القيادة التنفيذية والأمنية منقسمة حيال عرفات وهناك أصوات جهرت ضده أو مصابة بخيبة أمل منه, جزء منها دعم ترشيح أبي مازن.

  2. فتح «الداخل» صاحبة الكادر التنظيمي موجود في الضفة وغزة، والعنصر الفاعل في الانتفاضة والمؤثر في المجلس التشريعي، تميل لصالح عرفات وتخشى من بديل غير وطني سلطته فاعلة وتتأكد مع استمرار الانتفاضة. 

  3. القوى اليسارية المشاركة فعليًا بأجهزة منظمة التحرير، تخشى بديل عرفات لكنها على استعداد للتعامل مع البديل، وقد يساعدها إطار منظمة التحرير وآلياته على ضعفها لتمرير ذلك. 

  4. القوى الإسلامية هي الأكثر خشية من باب عرفات بفعل الضغوط الخارجية، كونها تدرك الآتي بعده سيكون متصادمًا مع مشروعها المقاوم، لذا فهي تميل إلى الترقب مع تصعيد المقاومة بما يجعل الظروف مربكة ويمكنها من الاستمرار بمشروع المقاومة دون اتفاقات جديدة تراها كارثية. 

  5. الشعب الفلسطيني ليس هناك آليات لحسم موقفه في ظل أنه يعايش حالة لا معيارية في المقياس الكمي لمواقفه كونه في حالة صراع دائم لن يمكن القول من جملة مؤشرات واستطلاعات للرأي العام أنه متشكك ممن سيأتي بعد عرفات, يكون الأمر تم بفعل الضغوط الخارجية من جهة, بما أن الشعب الفلسطيني قدم تضحيات لا يمكن تجاوزها بهذه السهولة.

الثاني: القوى الصهيونية.. ويمكن تصنيف مواقفها كالتالي:

١- اليمين المسيطر فعليًا على القرار، يجهر للتخلص من عرفات وينتظر انتهاء حرب الأمريكان بفارغ الصبر، وسيلجأ إلى إعطاء رئيس الوزراء الجديد بعض الأثمان السياسية والاقتصادية.. بما يمهد الطريق لإنهاء دور عرفات.

٢- الأجهزة الأمنية منقسمة حيال عرفات بين مدرسة الاستخبارات التي ترى ضرورة التخلص منه بغض النظر عما سيحدث؛ لأن ما حدث بانتفاضة الأقصى هو أقصى ما يمكن أن يحدث، مدرسة المخابرات التي تخشى من غيابه القسري من مرحلة فوضى تدفع ثمنها إسرائيل أضعاف ما تتلقاه الآن.

٣- اليسار يتفق مع نظرة المخابرات ويخشى من مرحلة ما بعد عرفات، ومن محاولات تغييره فإن ذلك سيؤدي إلى فوضى تنعكس على إسرائيل, كما أنه لا يرى غضاضة بالتفاوض معه، مع العمل على إضعافه لاستغلاله بتسويق تنازلات فلسطينية من جهة أو تمهيد الطريق أمام بديل محتمل.

الثالث: الإدارة الأمريكية ومواقفها موزعة بين مدرستين:

  1. مدرسة ترى وجوب التخلص منه مباشرة حال الانتهاء من العراق مع الضغط منذ الآن لتمهيد الطريق أمام البدائل عنه, وتمثلها وزارة الدفاع ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس.

  2. مدرسة ثانية ترى ضرورة إضعافه وانتظار بديل مناسب يتطور طبيعيًا دون تدخل مباشر، مع تحميله مسؤولية ما يجري بغرض إضعافه واستغلاله للتوقيع على تنازلات, وتمثل هذه المدرسة وزارة الخارجية.

الرابع: الأوروبيون.. وهم أيضًا متوزعون:

  1. تيار تمثله بريطانيا وهو قريب لنهج وزارة الخارجية الأمريكية مع انفتاح أكثر مع عرفات ورأينا ذلك في مؤتمر لندن لإصلاح السلطة.

  2. تيار أكثر قربًا لإصلاح عرفات وليس لإنهاء دوره باشتراط قبوله بإصلاحات داخل السلطة من خلال اشتراطات اللجنة الرباعية التي تمثلت أخيرًا بفرض تعيين رئيس وزراء، وهذا التيار يمثله الفرنسيون.

الخامس: الدول العربية المؤثرة والقريبة من الحدث والجغرافيا الفلسطينية وهم منقسمون إلى ثلاث توجهات:

  1. تيار لامبالٍ تجاه ما سيحدث لعرفات وتمثله سورية ولبنان، ولكنه يخشى من بديله الذي من الممكن أن يجري تسويات مضرة أو يقدم على تنازلات تضر بالحقوق السورية واللبنانية.

  2. تيار يخشى من تسجيل أسبقية بإنهاء دور عرفات ويتطلع إلى إصلاحه من خلال الضغط عليه ودعمه، ويتقاطع هذا الدور مع الأوروبيين وتمثله مصر.

  3. تيار منتظر لما سيحدث ولكنه يخشى من غياب عرفات لذا يستبق الأمور بأخذ احتياطاته وإجراء اتصالاته بما يؤمن عدم حدوث انعكاس سلبي عليه ويمثل ذلك الأردن.

العوامل تحسم مصير عرفات

برأينا وباستعراض جملة المؤثرات آنفة الذكر فإن إنهاء دور عرفات غير محتوم، فهناك مركبات تعمل معه وأخرى ضده ولكن لصالحه في تأكيد شرعيته ودوره من جهة أو إصلاحه من جهة أخرى أو إضعاف بدائل تخلفه، أو تقوية بدائل ولكن هذا غير كاف في رسم الصورة كاملة لمعرفة مصير مكانة ورئاسة عرفات وشرعيته، فثمة عوامل مستقبلية ستحدد مصيره أو ستعمل على الأقل لبقائه أو إصلاح دوره وأهمها: 

  1. مدى تقدم عرفات تجاه المطالب السياسية والأمنية الإسرائيلية والأمريكية، وموافقته على صفقة نهائية أقل حتى من مقترحات كامب ديفيد٢ ومقترحات كلينتون، وقد أشارت وثيقة للمخابرات الإسرائيلية نشرت في صحيفة «معاريف» تحت عنوان «عرفات عقبة أم ورقة رابحة»؟ أن الاستمرار بالحملة الإعلامية ضده سيؤدي إلى إضعافه وبالتالي موافقته على أي صفقة إسرائيلية أمريكية، وبالتالي يمكن إنهاء دور عرفات أمام شعبه عندما يرضى بالتوقيع على صفقة مثل تلك مما يفتح الطريق أمام شخص غيره لا يحمل وزر توقيع ما فعله عرفات، وقد يأتي بخطاب وطني في البداية ليحصل على شرعيته وفي ذات الوقت تستثمر إسرائيل مكانة عرفات من خلال حصولها على تسوية بأرخص الأثمان.. بينما تلكؤ عرفات بالقبول أو مناورته سيؤدي إلى التعجيل بإنهاء دوره، رغم أنه سينتهي بكليهما.

  2. قبول عرفات ممارسة دور سلطوي قمعي ضد الانتفاضة، سيعجل بالصدام الداخلي وشرذمة حركة فتح مما سيؤدي إلى نهاية دور عرفات الشعبي، وبالتالي يفتح الطريق أمام بديل آخر، بينما امتناع عرفات عن مقاومة الانتفاضة وتصاعد فاعلياتها وخاصة اشتداد عمليات العمق سيؤدي إلى تعجيل نهاية دور عرفات وقمع سلطته بالقوة الإسرائيلية، رغم أن ذلك سيعاظم من شرعيته الشعبية.

  3. نجاح الأمريكان بترتيب المنطقة, أي نجاحهم بضرب العراق وتغيير بنيته السياسية سيعجل بإنهاء دور عرفات، خاصة إذا ما رفض عرفات ممارسة دور فعلي ضد الانتفاضة أو رفض تسوية ناقصة أو كليهما والعكس سيعزز مكانة عرفات والانتفاضة والقضية ككل.

  4. تصاعد قوة حماس في ظل انقسام حركة فتح وضعف السلطة يؤدي إلى تأخير التخلص من عرفات، والعكس ليس شرطًا أنه صحيح في ظل أن تصاعد قوة فتح الداخل على حساب فتح الخارج سيؤدي إلى تدعيم موقف عرفات وتعزيز الانتفاضة حتى لو تم نفي عرفات للخارج، بينما صعود فتح الخارج على حساب فتح الداخل سيؤدي إلى ضعف مكانة عرفات وصعود بديل مفروض داخليًا أو خارجيًا.

  5. انضمام اليسار الصهيوني وتحديدًا حزب العمل إلى حكومة وحدة جديدة سيؤدي إلى تأخير منطق التخلص من عرفات لصالح منطق إصلاحه نظرًا لأن حزب العمل يريد ثمنًا سياسيًا من الليكود نظير مشاركته بالحكومة.

  6. يبقى العامل البيولوجي حاضرًا سواء بانتهاء حياة عرفات طبيعيًا أو تآمريًا، ولا يجب أن يغيب ذلك عن مجمل التحليل، فهو تجاوز السبعين.. ولا يوجد وريث واضح له باستثناء نصوص عائمة في ميثاق منظمة التحرير والنظام الأساسي للسلطة، تعني تسلم أبو علاء لمنصب رئاسة السلطة، وأبو مازن لمنصب رئاسة منظمة التحرير.. وهذا يعني أن جدلية عرفات ستبقى حاضرة وتؤرق مختلف العوامل أنفة الذكر باختلاف مصالحها وما يعنيه غياب عرفات عليها سلبًا أو إيجابًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

153

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 5

262

الثلاثاء 14-أبريل-1970

لِمن تُدق الأجْراس في تل أبيْب؟!