; هل بدأت الصين رحلة العودة؟ ولكن .. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل بدأت الصين رحلة العودة؟ ولكن .. إلى أين؟

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1973

مشاهدات 13

نشر في العدد 151

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 22-مايو-1973

السؤال الملح على أذهان السياسيين، لا سيما زائري الصين في هذه الأيام.. هو: هل بدأت الصين رحلة العودة إلى الحياة الطبيعية وإلى قوانين الكون؟ ويا ترى من يقود هذه العودة؟ وهل ثمة رجل غير «ماو» رجل القطار الماركسي الملتزم يمكن أن يبرز في الصين ليقود القطار في رحلة العودة؟ أم أن «ماو» نفسه يستطيع أن يعود بالقطار من حيث انتهى إلى حيث بدأ؟ يبدو أن «ماو» يحاول فعلًا أن يدفع الصين في منعطف كبير فرضه التفوق الأمريكي الساحق، وفرضه أيضًا إفلاس النظرية الماركسية بدءًا من روسيا.. ومرورًا بتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وبلاد أوروبا الشرقية وغيرها، ومما لا شك فيه أن الإنسان لا يستطيع أن يخدع كل الناس طول الوقت، وبما أن ألمانيا الغربية تفوق بأبعاد بعيدة ألمانيا الشرقية، وبما أن أمريكا تفوق بأبعاد بعيدة الاتحاد السوفيتي، وبما أن أوروبا الرأسمالية تفوق بأبعاد بعيدة أوروبا الشيوعية، وبما أن الأحلام الرومانتيكية الشيوعية، لم يتحقق منها شيء تقريبًا.. بما أن هذا كله وأكثر منه مشاهد ومرئي فمن الصعب أن تظل شعوب بأكملها أسيرة وهم مزيف اسمه أحلام الشيوعية، ووحدة الطبقة العاملة، ومجتمع الكفاية والعدل..

وإذا أضفنا طبيعة العصر الذي يصعب فيه مثل هذا الانغلاق ويصعب فيه أيضًا كتمان الحقيقة على طول الخط.. إذا أضفنا هذا إلى هذه العوامل أمكننا أن نتعرف على حقيقة بداية رحلة العودة التي تسير فيها الصين، ويمكن أن يكون إدراك ماو تسي تونغ لهذه العوامل هو الباعث على قيادة العملية التغييرية.. كتطوير داخلي بدلًا من تركها لضربات التاريخ وهزات التطور الفجائي.

لقد تم سقوط شعارات الثورة الثقافية العنيفة، بل إن الأعضاء الأكثر تعرضًا لحملات التوبيخ والتنظير في الثورة الثقافية قد عادوا إلى مناصبهم وإلى قيادة العمل السياسي.

ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من هؤلاء كانوا يوصمون بالارتداد وبالنزعة البورجوازية والميول الرأسمالية.. وقد كان نصيب كثير منهم من التوبيخ على يد الحرس الأحمر كبيرًا.. وقد أطِيحَ ببعضهم إلى أماكن التطهير سواء في المزارع أو السجون أو أقبية النسيان.. ومن أبرز هؤلاء نائب رئيس الوزراء السابق «دينغ شياو بينغ» الذي كان حظه للحقيقة أقل من غيره توبيخًا لاعتبارات شخصية لكنه أعيد في الفترة الأخيرة ليس فقط إلى طبقة الصف الأول في الصين كنائب أيضًا لرئيس الوزراء!

إن القيادة الصينية في عهدها الجديد- ولا نستطيع أن نزعم بأن هذا العهد يبدأ بزيارة نيكسون لأن زيارة نيكسون لم تكن أكثر من مؤشر له- هذه القيادة في هذا العهد الجديد تريد الاستفادة من كل الكفاءات بصرف النظر عن مدى انتمائها المذهبي أو ولائها للنظام.. وهذه الظاهرة الجديدة تعتبر هدمًا للمبدأ المعمول به في البلاد الماركسية كلها.. والبلاد الدائرة في فلكها.. وهو مبدأ القبول بالولاء أكثر من القبول بالكفاءة، ولهذا الأمر نفسه أعيد إلى مراكز العمل المحاربون القدامى الذين شكّت الزعامة في ولائهم «للماركسية الماوية» من النظام زمانًا طويلًا.

وأيضًا على مستوى الدراسة والجامعات بدأ نوع من التراجع عن أفكار الثورة الثقافية، كالتقليل من الشهادات، والرغبة في شيء مشبع من الدراسة النظرية، فضلًا عن عودة الدفع نقدًا، ونظام الامتحانات.. وهما من الأشياء التي ركزت الثورة الثقافية هجومها عليها.

إن الذي نتصوره أن قطار العودة -بعيدًا عن جحيم الماركسية اللينينية- قد قام في الصين، لكنه يتحرك ببطء بعد كابوس طويل من التزمت والرجعية، والوصف للرفاق السوفييت، والذي نتصوره كذلك أن هذا القطار قد قام متأخرًا عن القطار السوفيتي العائد.. ولذا فاحتمال وصوله إلى محطة البدء متأخر عن وصول القطار الروسي المسرع الخطى الآن نحو انفتاح أكثر وتراجع أكثر بقيادة السائق «بريجنيف» الذي استفاد من تجربة «خروشوف».

كما أنه لابد من النظر بعين الاعتبار إلى عديد من الفروق بين القطارين.. ومما لا شك فيه أن قطار الصين الذي يحمل ثمانمائة مليون نسمة لابد أن تكون سرعته أقل من قطار يحمل مائتي مليون نسمة لا غير؛ كما أن القطار الصيني يمشي متوكئًا على عصاه وطاقته وحده، أما القطار السوفيتي.. فقد نجح عبر سنوات من الدعاية والمتاجرة الشعاراتية والعقائدية في أن ينهب خيرات شعوب بأكملها وأن يحيط نفسه بأذيال «أيديولوجيين!!» في كثير من البلدان، ومهما تكن الآثار الناجمة -على المدى البعيد- من اكتشاف الشعوب لما فعله بها السوفييت تحت شعار العقائدية ووحدة الطبقة العاملة وأحلام العالم الطبيعي الذي تسقط فيه أجهزة الدولة.. مهما يكن من هذا الأمر فإن استفادة الروس مرحليًا ووقتيًا من هذا الرصيد سيجعل قطارهم يصل أسرع من القطار المنهك الذي يقوده ماو تسي تونغ.

بيد أن وصول القطارين معًا إلى محطة التخلي عن الماركسية بصورة ما.. أمر مؤكد تشير إليه كل الدلائل.

في هذا الأسبوع كشفت المخابرات الأمريكية أمرًا عظيمًا زاد من غبطتها.. ومن قناعتها بأسلوب التقارب مع الروس والصينيين..

لقد اكتشفت المخابرات الأمريكية أن القادة السوفييت والقادة الصينيين يضغطون معًا على الزعماء الثوريين اليساريين في فيتنام من أجل الالتزام بوقف إطلاق النار، وأيضًا من أجل تخفيف عملياتهم العسكرية ضد فيتنام الجنوبية وحكومتها العميلة لأمريكا.

ومن مصلحة الأمريكيين بالطبع أن يغتبطوا لتسابق الروس والصينيين للحصول على إرضائهم!

أما اليساريون الفيتناميون المساكين الأغرار، فيبدو أنهم سيواجهون -إن تشبثوا بموقفهم- حقيقة مرة، وهي ضرورة أن يحاربوا أمريكا.. وحكومة سايغون، وحكومتي موسكو وبكين اللتين هددتا بقطع المعونات عن الثوار إن لم يرضخوا للأوامر الروسية الصينية..

فماذا يعني هذا؟

وداعًا يا كتاب «رأس المال».. وجهود ماركس ولينين وستالين! وأيضًا.. وداعًا يا تعاليم ماو!

وهيا معًا إلى طريق آخر جديد.. تتوه فيه البشرية قرنًا آخر، وتدفع ثمن حماقاته جيلًا كاملًا من أبنائها.. لتجد نفسها بعد قرن.. وبعد سحق جيل مسكين.. راكبة طريق العودة.. من حيث بدأت.. باحثة عن سائق جديد، وقطار جديد!

ولكن العودة.. إلى أين؟

هب أن روسيا وصلت إلى مستوى الرفاه الأمريكي؟ وهب أن الصين وصلت إلى نفس المستوى؟

إن التجربة تؤكد أن مرفأ العودة لا يتمثل في تحسين الظروف المعيشية والرفاهية، فقد أحرزت أمريكا وأوروبا من ذلك أنصبة كبيرة ومع ذلك لا تزال المشكلات الاجتماعية والنفسية والفساد السياسي -ووترجيت أقرب مثال- تطحن القارتين طحنًا.

إن الانتقال من دوامة الفقر الساحق.. إلى الغنى المبطر لا يعني العودة الصحيحة.

إن الاتجاه إلى الله هو الذي يقود إلى المرفأ الآمن.. وإلى الحياة التي تحسن ظروف الإنسان.. وذاته معًا.

بيد أنه لا الصين ولا غيرها تستطيع أن تسير في هذا الطريق ما دام حملة الإسلام وممثلوه -مسلمو اليوم- يعيشون في حالة تخلف عقلي.. وتخلف روحي.

الرابط المختصر :