; هل انتحر الزعبي؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل انتحر الزعبي؟!

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000

مشاهدات 86

نشر في العدد 1402

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 30-مايو-2000

طرد محمود الزعبي رئيس وزراء سورية السابق من حزب البعث الحاكم، ومن رئاسة مجلس الوزراء والتحفظ على أمواله وأموال زوجته وأولاده منذ شهر مارس الماضي، كان حدثًا ضخمًا شغل المجتمع السوري، كما لفت الأنظار خارج سورية، أما الإعلان عن انتحاره عصر يوم الأحد 21/٥/2000م، فحدث أكبر، ينطوي على دلالات عميقة حول مجريات الأمور في الساحة السورية.

السؤال الأول الذي يطفو على السطح: هو: هل انتحر أم اضطر إلى الانتحار أم نحر؟ 

في كل بلاد العالم يقع الفساد في السلطة، وحتى في رئاسة الوزراء وعضويتها، وفي كل بلاد العالم، يتعرض المسؤولون لمسألة القضاء والحملات الإعلامية، ولاحتجاجات الرأي العام وحتى عمليات الانتحار أيضًا تحدث، أما في سورية فالأحداث ذات طعم خاص لا مثيل له. 

الفرق بين سورية ودول العالم هو وجود «شفافية» عند الآخرين و«غموض» في سورية بل حجب وتعتيم، واحتكار للسلطة والإعلام والقرار أولًا وآخرًا، مما يحمل المراقب المنصف على نقد كل ما يصله من أمور، وإعمال الشك والحذر إلى حد بعيد، فضلًا عن إلقاء العديد من الأسئلة؟ 

لماذا الزعبي مثلًا؟  

رفعت الأسد مثلًا كان نائبًا لرئيس الجمهورية وأصبح من أصحاب المليارات وأسهم بربع تكاليف مشروع النفق الدولي الذي نفذ تحت بحر المانش «بين فرنسا وإنجلترا»، وما يزال يتربع على عرش النفوذ المالي، وطرده من القيادة القطرية لم يؤثر على هذا الثراء، وهو يعيش في الخارج ومعه كل أوراقه التي يمكن أن ينكشف من خلالها الكثير، ومثل ذلك كبار الضباط الذين يملكون الفيلات الفارهة على الساحل السوري وفي ضواحي دمشق والأرصدة المصرفية الضخمة خارج سورية سواء منهم الذين تنحوا أو سرحوا أو الذين يقضمون الكعكة ليل نهار. 

هل الزعبي حلقة ضعيفة اختير للتشهير والتضحية به كبش فداء؟ لا يغرنك كونه رئيس وزراء لمدة ثلاثة عشر عامًا، ورئيسًا سابقًا لمجلس الشعب لدورتين «ثماني سنوات»، فضلًا عن عضويته للقيادة القطرية طوال هذه المدة المتطاولة فهو على الرغم من ذلك كله من الجناح المدني أولًا، كما أنه ليس من الساحل أو جبل الساحل على وجه الخصوص.

هل كان الزعبي رأس حربة لتكتل معارض داخل السلطة نفسها، كما قال معارض سوري «هناك ذئاب سمان لا قطط سمان وحسب»!.

هل هناك نية حقيقية للتغيير أو للإصلاح الجذري، فتأخذ العدالة المفقودة بتلابيب الذئاب قبل القطط؟! 

سوف نقول إن النظام السوري حاول ذلك أكثر من مرة ولن نقول: إنه مثل هذه المسرحية منذ السبعينيات من خلال تشكيله لجنة الكسب غير المشروع برئاسة «أحمد دياب»، ثم ذهبت تلك اللجنة في أنفاق الإهمال والنسيان لما اصطدمت بالذئاب السمان.

يقال: إن الأمر سوف يختلف بظهور بشار الأسد، إن توريث السلطة في نظام جمهوري وفي أيامنا هذه لا بد له من شرعية دستورية أو شعبية أو الاثنتين معًا، فإذا كانت الشرعية الدستورية مكشوفة، وإذا كانت الشعبية مفقودة، فهناك حاجة لإيجاد هذه الشعبية مقابل تنحية بعض الرؤوس التي هي ليست في الحقيقة رؤوسًا. 

إذا كان النظام لايستطيع أو لا يريد أن يغير في جوهر تركيبته البنيوية، فإنه بحاجة إلى إجراءات «شانتاج» و «دعاية» من نوع كبير متميز يهز الناس هزا، لدرجة تغني -ولو ظاهريًا- عن التغيير الحقيقي، أليس طرد رئيس الوزراء، ثم انتحاره أو نحره يحقق شيئًا من ذلك؟! 

لماذا لا يحاكم الآخرون مثل الوزير مفيد عبد الكريم الذي أعلن مؤخرًا عن التحفظ على ممتلكاته، وتقديمه للقضاء.. محاكمة علنية؟!

لماذا لا يظهر المتهمون أمام مراسلي الصحافة والتلفزة ووكالات الأنباء ليقولوا ما عندهم فيدافعوا عن أنفسهم، أو ليكشفوا شركاتهم أو ليبينوا بشكل غير مقصود عن حقيقة الخلل الذي ليس هو الفساد وحده، بل هو مركزية القرار أيضًا، فلا قضاء ولا رقابة ولا صحافة ولا معارضة، ولا رأي آخر، ولا ما يحزنون!

هل سننتظر استنفاد أغراض وزارة مصطفى ميرو بعد سنوات، وتشكيل وزارة بديلة لكي نفتح ملف الفساد مرة أخرى؟

لقد تكررت هذه المتوالية، فهل استنفدت أغراضها أيضًا؟! 

هل نشفق على كل من رضي الدخول في هذه الوزارات الشكلية إذا كان المعنيون أنفسهم لم يشفقوا على أنفسهم ولا على شعبهم، ولا على بلدهم؟!. 

أما أن الأوان للخروج من الفساد الداخلي للتصدي لكل استحقاق، لا سيما الاستحقاق الخارجي؟!.

كيف مكن الزعبي من المســدس؟

تعليقًا على ما تناقلته وكالات الأنباء حول إقدام الزعبي على الانتحار، تسائل مصدر مسؤول في جماعة الإخوان المسلمين في سورية: كيف يمكن رجل تتخذ بحقه كل إجراءات العزل والفصل والحجز على الأموال، كيف يُمكن من الوصول إلى مسدس يقطع به الطريق على العدالة التي كان كل أبناء شعبنا مهتمًا بتقليب صفحاتها؟!

ولوحظ أن المصدر الإخواني لم يقطع بالتشكيك في خبر الانتحار، وإنما قال في بيان بثته الجماعة وتلقت المجتمع نسخة منه: لا نستطيع أن ندحض دعوى الانتحار، فاليأس عندما يحيط بالنفوس الخاوية يفعل كل شيء... ولكننا نتساءل بحق: هل انتحر محمود الزعبي؟ أم أنه نُحر على أيدي «المافيا» التي تتخوف مما سيقول في التحقيق والمحاكمة؟.. سؤال سيجيب عنه المستقبل القريب.. وإذا كان الزعبي قد نحر حقًا، فإن هذا يعني أن شباك الفساد هي التي التفت على أحد أقانيمها فقتلته.. وإن على شعبنا السوري، بكل قواه الخيرة، ورموزه الوطنية، أن يأخذ زمام المبادرة لحرب حقيقية تطول الفساد والمفسدين جميعًا ودون استثناء.

الرابط المختصر :