; هل «الإسلام السياسي» هو الذي فشل أم خصومه؟ (٣ من ٥) | مجلة المجتمع

العنوان هل «الإسلام السياسي» هو الذي فشل أم خصومه؟ (٣ من ٥)

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر السبت 30-مايو-2009

مشاهدات 83

نشر في العدد 1854

نشر في الصفحة 66

السبت 30-مايو-2009

إن ما يسمونه «الإسلام السياسي» -أي الرؤية الشمولية للإسلام، وهي جوهر المشروع الإصلاحي الإسلامي نقيضًا للفهوم الجزئية للإسلام؛ مثل الفهم الصوفي، ناهيك عن الرؤية العلمانية المتطرفة التي تقصيه جملة- هذا «الإسلام السياسي» سواء أتوافرت له فرصة الحكم أم لم تتوافر، فقد كسب معركة الرأي العام الإسلامي الذي تسلمته الحركة الإصلاحية منذ زهاء قرنين، غارقًا في «الأغنوص» الصوفي، منسحبًا من العالم، ولا تزال تعمل فيه إيقاظًا وتوعية وتبصيرًا بالمنظور الإسلامي التوحيدي، ورسالته في العالم التي لن يؤديها حتى يكون في قلب العالم في قلب التاريخ، وليس على هامشه كما انتهى إليه أمره لقرون طويلة.

ها هو اليوم يقود معارك الأمة الكبرى في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، كما يقودها في معارك الديمقراطية حيثما أشرقت خيوط من شمسها على بلد، ويقودها على المستوى الثقافي والعلمي؛ فيتصدر زعامة الطلبة في قلب مؤسسات الحداثة، ويتصدر نقابات أساتذة الجامعات، والمهندسين والأطباء، والجمعيات الخيرية والنسوية، ويقود المسيرات المليونية ضد الهيمنة الإمبريالية في شوارع «لندن»، و«مدريد» و«باريس» جنبًا إلى جنب مع القوى المناهضة للعولمة وللحرب وهو ما يجعل مهمة تمكنه مسألة وقت، والوقوف في طريقها محض عناد لسنن التاريخ والمجتمع، وهي غلابة، لا يدفع صدها إلا إلى المزيد من ضروب التطرف والغلو والانفجار. 

وهذا الفوز الباهر الذي حققه المشروع الإصلاحي الإسلامي -المنعوت إساءة بـ«الإسلام السياسي- في معركة الرأي العام لم يترك خيارات كثيرة في وجه أعدائه للتصدي لأمواجه المتصاعدة غير الاحتماء بأدوات القمع والتعذيب، وتزييف الإرادة الشعبية، وتكميم الأفواه، والاستظهار بالأجنبي، ولو بالتفويت فيما تبقى من استقلال، وحتى بارتكاب المجازر الرهيبة وتخريب البلد جملة كما حصل في الجزائر وفي فلسطين، وهو ما يجعل العالم الإسلامي -وبخاصة منطقة القلب منه بلاد العرب- معرضًا لمختلف الكوارث بسبب الرهان الغربي على تحقيق مصالحه في هذه المنطقة، لا على التوافق مع إرادة الشعوب «أي الديمقراطية» -بعد أن غدت هذه الشعوب مرتبطة بالطريق الأقرب إلى حكم الإسلام والإسلاميين- وإنما على الكيان الصهيوني الغاصب المتوحش، وعلى حلفائه من الدكتاتوريات الفاسدة.

وما مواجهة الإرادة الشعبية الفلسطينية بالحصار والدمار؛ عقابًا على اختيارها للإسلاميين إلا مؤشر على الإفلاس القيمي الغربي، وقيادته للعالم إلى الدمار، وشهادة أخرى على حاجة العالم للإسلام؛ ليعيد قدرًا من الأخلاق والعدالة إلى سياسة واقتصاد انسلخا منهما. 

ومع كل المعوقات في طريق «الإسلام السياسي»، فقد أمكن للأحزاب الإسلامية أن تحقق أقدارًا غير قليلة من النجاح، إن على صعيد التعبئة لأوسع القطاعات الجماهيرية وراء قضايا الأمة الكبرى في العدل والحرية، ومناصرة ضحايا العدوان الدولي على بعض الشعوب الإسلامية، والوقوف إلى جانب المقاومة فيها؛ مثل شعوب فلسطين، والبوسنة، والشيشان، وكشمير، والعراق، وأفغانستان، أو في مجال التصدي لأنظمة القهر والاستبداد مناصرة لحقوق الإنسان والديمقراطية والعدل الاجتماعي، والتعاون في ذلك مع سائر القوى الوطنية -قومية، ويسارية، وليبرالية- في تشكيل جبهات لفرض التحول الديمقراطي، والتعاون كذلك مع قوى تحررية في العالم؛ مثل: الحركة العالمية المناهضة للعولمة، والجماعات الدينية المدافعة عن الأسرة والعفة.

وبرهنت الأحزاب الإسلامية ونوابها في البرلمانات -من المغرب إلى إندونيسيا- على مدى ما تتوافر عليه هذه الجماعات من مستوى عال من المبدئية والواقعية في الآن ذاته، وتنهض الحركة الإسلامية اليوم بمهمة تجديد النخبة السياسية وبث روح الشباب فيها، بديلًا عن جيل سياسي علماني حكم فأنهكه الفساد، وشبع شيخوخة وعقمًا. 

وحتى عندما حكمت أحزاب إسلامية وأزيحت -مثل حزب «الرفاه» في تركيا- لم تستنفر الجماهير إلى الجهاد، مسفهة ما اتهمت به من توظيف للديمقراطية! وسرعان ما عادت إلى الساحة عبر صناديق الاقتراع أقوى مما كانت، بعد أن تعلمت من تجربتها، وتشكلت في هيئات جديدة، حاملة لبرامج واقعية متطورة، ومحمولة إلى الحكم على أجنحة آمال شعوبها في العزة والرفاهية، وطهارة الأيدي المتوضئة؛ فحققت مستويات تنموية غير مسبوقة.

[1] (*) رئيس حركة النهضة الإسلامية- تونس

الرابط المختصر :